فورين أفيرز: بوتين لن يخسر ترامب ولا إيران

0
43

 رؤية

 واشنطن – رأت روسيا أنه من الأنسب لمصالحها أن تعيد علاقاتها مع إيران ولذلك الآن روسيا وإيران من أكثر الدول في التعاون، وروسيا اليوم هي أول دولة داعمة لمشروع إيران النووي الذي تقف الدول الغربية ضده، وروسيا وإيران لديهما نفس وجهة النظر في الأزمة السورية والتي بدأت منذ عام 2011 فهما من أكثر الدول ألتي تدعم الحكومة السورية ألتي يقودها الرئيس السوري بشار الأسد بينما يقف الغرب ضد الحكومة.

لكن مع وصول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت التحليلات تدور حول فك ارتباط موسكو مع طهران، في مقابل مكاسب ضخمة تتحصل عليها روسيا من الولايات المتحدة.

لكن الرؤية المنطقية للتقارب الروسي_الأمريكي، رأت أن روسيا ستحول الفوز بكلا الجانبين الإيراني والأمريكي، وأن سياسة ترامب لا تسعى وراء محاربة إيران وإنما لاخضاعها لدعم المصالح الأمريكية، وأن الالتفاف حول إيران من ناحية روسيا والخليج الهدف منه هو إخضاع طهران للمصالح الأمريكية.

تؤكّد جميع المظاهر على أنّ إدارة «ترامب» تستعدّ لمحاولة الوصول إلى مصالحة تاريخية مع روسيا. وجزئيًا، تهدف الاستراتيجية إلى دقّ إسفين في الشراكة الاستراتيجية بين موسكو وطهران. وبوجود الحوافز المناسبة، كما يفكّر البعض، فمن الممكن إقناع روسيا. وقال مسؤول مطّلع على مداولات البيت الأبيض: «توجد علاقة دافئة بين موسكو وطهران بالطبع. لكن من غير الواضح ماذا سيطلب بوتين مقابل إضعاف التحالف».

وحسب تقرير فورين أفريز: قد يجد الرئيس الجديد ومستشاريه قريبًا أنّ إحداث انقسام بين روسيا وإيران أمرٌ صعبٌ للغاية. وقد أثبت العقد الماضي أنّ الروابط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي بنيت بين روسيا وإيران، خلال ربع قرن، مرنة للغاية. واليوم، توجد أسباب للاعتقاد أنّ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين أقوى من أي وقتٍ مضى.

    طموحات روسيا

 في عام 2005، في حديثه أمام مؤتمر الأمن بميونيخ، أشار «بوتين» إلى أنّ انهيار الاتّحاد السوفييتي كان «الكارثة الجيوسياسية الأعظم في القرن العشرين». ومنذ ذلك الوقت، شهدت الأعوام التالية انتهاج «بوتين» لسياسة خارجية ترتكز على استعادة جزء كبير من نفوذ الاتّحاد السوفييتي.

وعلى الصعيد العسكري، يعني هذا خلق أو دعم كتل أمنية، مثل منظّمة معاهدة الأمن الجماعي ومنظّمة شنغهاي للتعاون، وهي منظّمات موصولة بالكرملين وتسير وفق أولويات روسيا الاستراتيجية في المسرح الأوروآسيوي. وعلى الصعيد الاقتصادي، عمل «بوتين» على إيجاد بديلٍ للاتّحاد الأوروبي، يعرف بالاتّحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. وعلى الرغم من أنّه لا يمكننا وصف ذلك بالنّجاح الباهر، يبقى الاتّحاد كيانًا قادرًا على البقاء. ويضمّ أربعة أعضاء بالإضافة إلى روسيا (أرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان) وتنظر حاليًا في طلب انضمام عضوين آخرين (منغوليا وطاجيكستان).

وسياسيًا، في الوقت نفسه، استثمرت موسكو أموالًا ضخمة في بناء علاقات أوثق مع بلادٍ مثل بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، والأنظمة المتنوعة في آسيا الوسطى وحكومات أوروبا الشرقية، في محاولة لزيادة الحريّة السياسية في عملها بطول محيطها.
وأفضل ما يمكن وصف النتيجة به أنّها إمبراطورية روسيا ما بعد الحداثة، إمبراطورية لا تعتمد على السيطرة العسكرية، لكن على التبعية السياسية والاقتصادية.

وتؤدّي إيران دورًا كبيرًا في هذه الخطط. وإيران هي الحليف المفضّل لدى أصحاب الأيديولوجية الأوروآسيوية الروسية وهي الحضارة الروسية المميّزة والتي اكتسبت وضعًا لها في أروقة الكرملين في السنوات الأخيرة. (المثال المعاصر الأكثر شهرة على هؤلاء هو ألكسندر دوغين، الذي دعا صراحةً إلى التحالف مع إيران في كتابه عام 1997، أسس الجغرافيا السياسية). وفي عقل «دوغين» وعقول رفقائه، فإنّ وضع إيران الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بجانب الثقافة الاستراتيجية والتاريخ المميّز لإيران، يجعلها شريكًا جذّابًا لروسيا في رحلتها لاكتساب القوّة واستعادة الدور العالمي.

وتحتاج موسكو البقاء على وفاق مع إيران لضمان موطئ قدمٍ استراتيجي في سوريا.

وتنعكس قيمة طهران الاستراتيجية لدى موسكو في الجهود المستمرّة من الكرملين لرفع إيران من مجرّد دولة مراقبة إلى عضو كامل بمنظمة شنغهاي للتعاون (وهو ما تمنعه الصين، حتّى الآن على الأقل)، والتشجيع الهادئ لتوسّع اتّصالات إيران مع جمهوريات آسيا الوسطى. نتيجةً لذلك، تأمل السياسة الخارجية الأيديولوجية لروسيا في خلق وكيل تعتمد عليه في منطقة الشرق الأوسط، وكيلٍ يمكنه المساعدة في تعزيز القوّة والأهداف الروسية هناك.

    مبيعات بهدف تعزيز العلاقات

 وتعتبر إيران بشكلٍ متزايد حيوية للاقتصاد الروسي أيضًا. وخلال الأعوام القليلة الماضية، تضرّرت الصحّة المالية الروسية بفعل انخفاض أسعار النفط والجولات المتتالية من العقوبات الغربية التي تهدف لمعاقبتها على سياستها العدوانية تجاه أوكرانيا. وقدّر صندوق النقد الدولي أنّ الاقتصاد الروسي، الذي تقلّص بواقع 3.5% عام 2015، قد انكمش بنسبة 1% إضافية العام الماضي، الأمر الذي يساهم في استمرار عملية التراجع القومي. وعلى الرغم من وجود الآن بعض الإشارات لتعافي الاقتصاد الروسي بشكلٍ طفيف في عام 2017، سارع الخبراء الاقتصاديون أنّه لا يوجد تطوّر في المدى القريب بسبب الفساد المستشري في البلاد ونقاط الضعف في النظام.

وفي الوقت نفسه، فإنّ عددًا من الجروح الذاتية قد فاقمت من الضغوط المالية الخارجية. وللسخرية، فقد أضاف ضمّ شبه جزيرة القرم 7.5 مليار دولار للميزانية الروسية، لكنّ الانتشار العسكري للبلاد في أوكرانيا وسوريا قد استنزف البلاد بأكثر من ذلك. وقد ذكرت دراسة اقتصادية عن وكالة الأخبار المالية روس لاستشارات الأعمال، قالت أنّ روسيا تنفق شهريًا 150 مليون دولار لصالح المتعهّدين العسكريّين فقط لدعم عملياتها في سوريا.

وبهذه الخلفية، اكتسبت إيران، التي كانت منبوذة دوليًا، أهميّتها لدى الكرملين. ونتيجةً للاتّفاق النووي الصيف الماضي، تمتّعت إيران بمنافع اقتصادية مفاجئة لم يسبق لها مثيل. ومن بين ذلك 100 مليار دولار رفعت عنها العقوبات بشكلٍ مباشر، وزيادة في التجارة بعد رفع العقوبات مع مجموعة من الشركاء الدوليين، ومن بينهم الصين والهند.

ومن جانبه، خلال الأشهر الماضية، أبرم الكرملين صفقات أسلحة بقيمة 10 مليار دولار على الأقل مع النظام الإيراني. وشهدت التجارة النووية بين البلدين صفقات مماثلة. وهي الصفقات التي تكافح روسيا للوفاء بها، مهما كانت الوعود بعلاقة جديدة وأكثر ودًّا مع واشنطن.

    راع في سوريا

 وتحتاج روسيا إلى إيران أيضًا لتعزيز تواجدها في الشرق الأوسط. ومثل إيران، أصبحت روسيا لاعبًا حاسمًا في الحرب الأهلية السورية. لكن على عكس طهران، فإنّ نهاية اللعبة لدى موسكو غير واضحة تمامًا. وحتّى اليوم، تركّز استراتيجية الكرملين على التوسّع وتعزيز التواجد العسكري شرق سوريا، وعلى قتال الجماعات الإسلامية المتشدّدة المتنوّعة التي تقاتل ضدّ نظام «الأسد»، والتي ينحدر الكثير من أعضائها من روسيا ومن أجزاء أخرى كانت تابعة للاتّحاد السوفييتي سابقًا.

وعلى العكس، أعلن رجال الدين في إيران بوضوح أنّ بقاء واستقرار نظام «الأسد» أولوية، وأنفقت الكثير من الأموال والمعدّات العسكرية من أجل ذلك. وقد نجحت تلك الاستثمارات، بجانب تحوّل العالم لقتال تنظيم الدولة، في تحويل مجرى الصراع لصالح الديكتاتور السوري.

وعلى هذا النحو، من المعقول أن نستنتج أنّه بغضّ النظر عن التسوية التي ستنشأ في سوريا، فستخضع بشدّة لتأثير إيران وتعود عليها بالفائدة كذلك. وتحت هذه الظروف، تحتاج روسيا للحفاظ على علاقة طيّبة مع إيران للحفاظ على موطئ قدمٍ استراتيجي لها في سوريا على المدى الطويل.

    استرجاع سياسة «كلينتون»؟

 يشير كل هذا إلى أنّ التحالف الروسي الإيراني سيظل دائمًا ومرنًا، على عكس الرغبة الشديدة من البيت الأبيض. وفي الواقع، قد لا تجد إدارة «ترامب» سوى استنساخ محاولات كلينتون في التسعينات، أو أكثر بقليل، لسحب سوريا بعيدًا عن إيران إلى داخل المدار الغربي. وقد فشلت تلك المحاولات فشلًا ذريعًا، لأسبابٍ ليس أقلّها أنّ واشنطن قد قلّلت كثيرًا من الأهمية الاستراتيجية لسوريا فيما يتعلّق بشراكتها المستمرّة مع طهران.

واليوم، تتعرّض واشنطن لخطر القيام بنفس الخطأ مع موسكو. وفي حين أعلن الرئيس الجديد رغبته الواضحة في علاقة أكثر ودّية مع الكرملين، يتعيّن عليه أن يعرف جيّدًا الأهمية التي يراها المسؤولون الروس في حلفائهم في طهران.

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY