كيف أنهكت حرب العصابات لحركة طالبان القوات الأمريكية؟


٠٩ يناير ٢٠١٩ - ٠٦:١٤ م بتوقيت جرينيتش


رؤية - محمود رشدي 

لم يكن من المتصور أن تنهار القوة العسكرية الأولى بالعالم أمام حركات لم ترق حتى لمستوى الدولة النظامية، وتضطر لدعوتها لطاولة المفاوضات وامتناع الأولى! من المعلوم  أن ثمة  عوامل ساهمت في تغلب حركة طالبان على جحافل القوات الأمريكية والتي بلغت في ذروتها 140 ألف جندي شاملة أحدث الطائرات والمعدات العسكرية، ورغم مرور ما يقرب من 18 عاماً، إلا أنه مازالت الحركة تصمد أمام الوجود  الأمريكي وحلف الناتو وكبدتها ما يفوق التريليون دولار.

عقب إعلان الولايات المتحدة انسحابها من سوريا، قررت خفض قواتها في أفغانستان استعداداً للانسحاب منها في الفترة القادمة، ولذا تسارع الرياح للانتهاء من  مفاوضات السلام والتشاور مع حركة طالبان؛ التي تسيطر فعلياً على أكبر من 50 % من الأراضي الأفغانية. وفي الأيام الجارية  تحاول القوات الأمريكية التوصل لاتفاق، بينما تعترض طالبان حول وجود الحكومة الأفغانية على طاولة المفاوضات والتي تعتبرها "دمية" بيد الاحتلال الأمريكي.

المناطق التي تسيطر عليها حركة طالبان

تنقسم أفغانستان ما بين ثلاث مناطق؛ مناطق تخضع لسلطة الحكومة الأفغانية، ومناطق تخضع لحركة طالبان، وأخرى تعد ضمن المناطق المتنازع عليها. ومنذ عام 2015، وبدأت حركة طالبان في التوغل داخل الولايات الأفغانية، للتقلص على أثرها الأراضي التابعة للحكومة الأفغانية، وتزداد مناطق التابعة لطالبان، إضافة لتزايد عدد الأراضي المتنازع عليها.

وفي تقرير لسي بي سي، أوضحت أن الحركة تنشط في 70% من البلاد، وفي مطلع عام 2015، كانت الحركة تستولى على 7% من الأراضي، وفي العام الماضي وصلت تلك النسبة لما يقرب من 15%. في حين تقلصت سيطرة الحكومة لما دون 40%.

وفيما يخص عدد مقاتلي طالبان، فقد اختلفت التقديرات الصادرة الخاصة بـ أعدادهم، وفي تقرير لحلف الناتو أوضح أن عدد مقاتلي الحركة وصل لما يقارب 60 ألف مقاتل. فيما أعلنت قناة "أن بي سي" الأمريكية أن عددهم يتراوح ما بين 25- 30 ألف.

التدخل الأمريكي بأفغانستان
برز نجم حركة طالبان في أفغانستان بعام 1994، عقب نشأتها بأوائل التسعينيات من القرن الماضي في باكستان بعدما انسحبت قوات الاتحاد السوفيتي، واستولت على السلطة في كابول لحين الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في 2001. تدخلت الولايات المتحدة في أفغانستان بحجة مقاتلة تنظيم القاعدة؛ الذي نفذ هجمات 11 سبتمبر على مركزي التجارة في نيويورك، وظلت الحركة تقاتل الوجود الأمريكي بالبلاد حتى الآن.

وتتبع طالبان المنهج التيار المتشدد من الدين الإسلامي، بحكم ارتباطها بحركة طالبان الأم بباكستان، إذ تفرض عدد من التقاليد المتشددة للدين، مثل أمرالرجال بإطلاق لحاهم والنساء بارتداء النقاب. وحظرت طالبان مشاهدة التلفزيون والاستماع إلى الموسيقى وارتياد دور السينما، ورفضت ذهاب الفتيات من سن العاشرة إلى المدارس.

 
عوامل جيوبولتيكية وسياسية ساندت طالبان

دفعت ثمة محفزات حركة طالبان لتحقيق  انتصار على القوات الأمريكية، ليس فيما يخص المواجهة العسكرية لأنها محسومة للجانب الأمريكي، ولكن بما يخص المراوغة الحركية للحركة، و تتبع أسلوب حرب العصابات، بجانب العامل الجيوبوليتيكي ممثلاً في الطبيعة الجغرافية لأفغانستان، كما وقف بجانبها الأطراف الدولية مثل إيران وروسيا.

-  جغرافية أفغانستان
تمتاز طبوغرافية الأرض في أفغانستان بوجود سلسلة من الجبال الشاهقة في معظم الأقاليم، ما يمكن أن تكون حائط منيع أمام القوات العدائية من تحقيق نصر محسوم بها، كما لها من الجوانب السلبية والتي تمنع وحدة السكان او بسط نفوذ القومية الأفغانية بكامل الأراضي الأفغانية.

وفرضت الطبيعية الجبلية لاتباع حرب العصابات، والتي تتفنن الحركة في اتباعها، وتمنع على الدول المعادية استخدام القوات البرية وعلى رأسها الدبابات والمدافع، والاقتصار فقط على الغارات الجوية. ودائما ما كانت تعتمد القوات الأمريكية على قوات الحكومة الأفغانية في المواجهة العسكرية مع الحركة، وركزت جنودها فقط على التدريب وتقديم الدعم اللوجستي.

الترابط القبلي ما بين أفغانستان وباكستان
تتشارك كل من باكستان وأفغانستان في وجود الرابطة القبائلية بين سكان البلدين ولاسيما على الحدود بينهما، أضافة للهشاشة الحدودية ما بين الطرفين، كما تحتضن باكستان عدد من الشبكات الإرهابية منها حركة طالبان باكستان، وشبكة حقاني، وكثيراً ما تهمت إسلام آباد في مساندة حركة طالبان واحتضانها في كثير من الأحيان.

ترتبط باكستان بعلاقة وثيقة مع حركة طالبان لأنها تستخدمها كورقة ضغط أو نفوذ في الإقليم ضد النفوذ الإيراني والهندي في افغانسان، وترى أن علاقاتها بطالبان أعطت لها ثقل إقليمي في التعاون الأمريكي مع باكستان وكسبها كحليف ضد  جارتها الهند، أضافة إلى أن واشنطن تضخ مليارات الدولارات لباكستان لأجل التعاون الاستخبارتي بشأن القضاء على الحركة. ومؤخراً اتهم ترامب إسلام آباد بخداع الولايات المتحدة بعلاقتها السرية مع الحركة.

-  الدعم الدولي الخارجي لحركة طالبان
 عقب الأزمة الأوكرانية، عاودت أجواء الحرب الباردة ما بين موسكو وواشنطن، وتسارعت القوتان لإشعال الحرب بينهما عن طريق وكلاء محليين، بالنسبة للوجود الأمريكي في أفغانستان، قريبة جغرافية من الحدود الروسية، سارعت روسيا بدعم حركة طالبان عن طريق حدودها مع اوزبكستان ضد الوجود الأمريكي، وقال عضو بحركة طالبان إن الموافقة على تسلم أموال من روسيا أمر لم يكونوا يرغبون فيه "لكنه أصبح من الضرورات في هذه المرحلة من الجهاد". بحسب رويترز، قال مسؤول كبير في طالبان "لنا عدو مشترك. كنا نحتاج الدعم للتخلص من الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان وكانت روسيا تريد خروج كل القوات الأجنبية من أفغانستان بأسرع ما يمكن".

وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني وتشديد العقوبات الاقتصادية على طهران، فأن إيران تحاول أن تقلص من حجم النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط بالتعاون مع حلف الأضداد ضد الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ولذا تتواصل طهران مع حركة طالبان لدم مسعاها ضد التدخل الأمريكي. وكانت آخر تلك اللقاءات الثنائية بينهما في نهاية العام المنصرم، عندما زار أعضاء من حركة طالبان طهران، وأشارت عدة تقارير من تلقي حركة طالبان الدعم العسكري والمالي من إيران بهدف زعزعة وجودها في افغانستان.

وختاماً، من المتوقع أن تعلن الولايات المتحدة عن انسحابها الكلي من أفغانستان، عقب الوصول لصيغة خروج مقبولة، وإجراء مفاوضات مع الحركة لبدء حل الصراع الأفغاني. وسينتهي بالموافقة ، على أقل تقدير بمعظم البنود، على مبادئ المفاوضات التي تعلنها الحركة، باعتبارها منظمة رسمية سياسية، اضافة لرفع قيادتها من قوائم الإرهاب العالمية، وإنهاء الاحتلال الأمريكي من البلاد.
 


اضف تعليق