السباق التكنولوجي.. الصراع الصيني- الأمريكي ينذر بحرب قادمة


٢٤ أبريل ٢٠١٩ - ٠٤:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- محمود رشدي

في مرحلة بعد المرحلة الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تركزت مجالات الصراع بين القوتين العظمتين حول سباقات التسلح وحروب الوكالة وتطوير الأسلحة النووية. تشهد المرحلة القادمة من الصراع بين واشنطن وبكين – في فترة تتعدد بها الأطراف الدولية المتصارعة- حول مجالات الذكاء الاصطناعي والنانوتكنولوجي، ناهيك عن المجالات التقليدية العسكرية والتي لازالت تعد المكون الأول للدفاعات القومية.

لذا من المستبعد أن ينهي أي اتفاق تجاري بين الصين والولايات المتحدة - إذا أبرم فعلا - التنافس بين هذين العملاقين الاقتصاديين. وكان البلدان قد خاضا في العام الماضي حربا تجارية أدت إلى الإضرار بالاقتصاد العالمي.

ولكن كثيرين يعتقدون بأن الخلافات بين البلدين تتجاوز النطاق التجاري، بل تمثل صراعا على الهيمنة بين نظرتين مختلفتين للعالم. فإذا توصل الطرفان إلى اتفاق تجاري أم لم يتوصلا إليه، من المرجح أن يتفاقم الصراع بين الطرفين ويصبح أكثر تعقيدا واستعصاء عن الحل. يقول مايكل هيرسون، مدير الشأن الآسيوي في شركة "أوراسيا غروب" الاستشارية، "ولجنا واقعا جديدا تفاقم فيه التنافس الجيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة وأصبح أكثر جلاء".

ويمضي للقول "قد يخفف اتفاق تجاري جانبا واحدا من الصراع بين الصين والولايات المتحدة، ولكن لفترة محدودة فقط وبتأثير محدود". يقول محللون إن المرحلة القادمة من التنافس بين الصين والولايات المتحدة ستخاض في قطاع التكنولوجيا الحيوي، إذ سيحاول الطرفان تثبيت موقفهما على أنهما القوة الرائدة في هذا المجال. وكانت القضايا المتعلقة بنقل التكنولوجيا أخذت حيزا كبيرا في المفاوضات التجارية التي جرت بين أكبر اقتصادين في العالم في الأشهر الأخيرة.

الصراع الأفتراضي

يقول عديدون إن المعركة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة قد بدأت فعلا، وأن عملاق التكنولوجيا الصينية - شركة هواوي - تقع في قلب هذه المعركة. تتعرض هواوي للكثير من التمحيص الدولي في الآونة الأخيرة، إذ اثارت الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية مخاوف أمنية حول منتجاتها.

فقد منع الأمريكيون وكالاتهم الاتحادية من استخدام منتجات هواوي، ومنعت استراليا ونيوزيلندا استخدام معدات هواوي في تأسيس شبكات الجيل الخامس للاتصالات المحمولة لديهما.

ولكن هواوي تصر على أنها مستقلة تماما عن الحكومة الصينية. وقال مؤسسها في فبراير الماضي إن شركته لن تتورط أبدا في نشاطات تجسسية. ووصل النزاع ذروته في ديسمبر الماضي، عندما ألقي القبض في كندا على ابنة رين وعندما رفعت هواوي دعوى قضائية ضد الحكومة الأمريكية.

وشنت هواوي حملة علاقات عامة في الولايات المتحدة، إذ نشرت اعلانا في صحيفة وول ستريت جورنال قالت فيه إن على الأمريكيين "عدم تصديق كل ما يسمعون". يقول هيرسون إن "عبارة الحرب الباردة تستخدم أكثر مما ينبغي فيما يتعلق بالتوتر بين الصين والولايات المتحدة، ولكنها عبارة دقيقة لوصف التنافس التكنولوجي بين الجانبين". ويضيف أن الخلاف حول شركة هواوي "يعد تعبيرا عن هذا التنافس الجيوسياسي المتصاعد".
 
كيف وصلنا لتلك النقطة؟

ما لبث قلق الأمريكيين يزداد إزاء الصين في السنوات الأخيرة، جنبا إلى جنب مع تصاعد نفوذ الصين حول العالم. ساهمت مبادرة الحزام والطريق الصينية ومبادرة "صنع في الصين 2025"، علاوة على نمو نفوذ شركات صينية مثل هواوي وعلي بابا، في تعزيز هذا القلق. ولخص نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس مشاعر إدارته في خطاب ألقاه في أكتوبر الماضي قال فيه إن الصين اختارت طريق "العدوان الاقتصادي" عوضا عن "الشراكة".
 
وكانت الآمال الغربية بأن الصين ستعتنق النموذج الغربي قد خابت واستبدلت باعتراف بأن الاقتصاد الصيني تمكن من الازدهار جنبا إلى جنب مع النظام المدار من قبل الحكومة وليس العكس.
 
يقول أندرو غيلهولم، مدير شعبة تحليل الصين لدى معهد "كونترول ريسكس" الاستشاري، "أصبحت الصين أكثر وضوحا بكثير فيما يتعلق بطموحاتها في السنوات الأخيرة". "ولذا لم يعد أحد يتوقع أن تتبع الصين النموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي أو أن تنحو نحو اقتصاد السوق كما كان كثيرون يأملون قبل بضعة سنوات".

ما الذي سيحدث الآن؟

بينما يزداد سباق التكنولوجيا سرعة، يتوقع محللون أن تواصل الولايات المتحدة تطبيق إجراءات لا علاقة لها بالتعريفات التجارية لمواجهة الصين. ويقول هؤلاء إن تقييد الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة وتحديد قدرة الشركات الأمريكية على تصدير التقنيات إلى الصين ومواصلة الضغط على الشركات الصينية كلها أساليب قد تؤتي أكلها.

وكانت صفقة كبيرة تتعلق ببيع ببيع شركة مونيغرام الأمريكية لتحويل الأموال إلى شركة أنت فينانشيال التابعة لشركة علي بابا الصينية قد انهارت بعد أن أخفقت الشركتان في الحصول على موافقة لجنة تدقيق الاستثمارات الأجنبية - وذلك قبل صدور القانون الأخير.
 
بينما تزداد حمى السباق التكنولوجي، يتوقع محللون أن تواصل الولايات المتحدة إجراءات خالية من التعريفات لمواجهة الصين. إن الأمريكيين قد يستخدمون عددا من الأدوات في هذا المجال، منها تقييد الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة وتحديد قابلية الشركات الأمريكية على تصدير التكنولوجيا إلى الصين ومضاعفة الضغوط على الشركات الصينية.

من المتوقع أن تشهد المرحلة  المستقبلية صراعًا بين البلدين حول الانفرادية بالتقدم التكنولوجي ومجالاته، إذ ترى بكين أنه حان الوقت لإظهار نفسها كقوة عظمي بعدما سياستها الاقتصادية باجتياح العالم، بينما ترى الولايات المتحدة أنها لا تزال تجلس على قمة النظام الدولي بالسيطرة على أهم مجالين وهما المجال العسكري والتكنولوجي.
 


اضف تعليق