أمام سياسة "أقصى ضغط" الأمريكية .. إيران تنتقل إلى "الضغط الاستراتيجي"


٢٠ يوليه ٢٠١٩ - ١١:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية

انتهجت الجمهورية الإسلامية، خلالَ السنة الأولى لانسحاب ترامب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات، سياسة وصفتها بـ"الصبر الاستراتيجي"، لكن طهران تخلت عن هذه السياسة بعد إلغاء إعفاءات ثماني دول في استيراد النفط من إيران، في مايو (أيار) الماضي، وتضييق الخناق على النظام الإيراني.

ولهذا السبب، تحولت الجمهورية الإسلامية من سياسة الصبر الاستراتيجي إلى "الضغط الاستراتيجي"، واعتمدت في تحولها هذا على أربعة أسس:-

1. الضغط على إدارة ترامب عن طريق الأصدقاء الغربيين

بعد إحباطها من العزلة التي فرضها عليها ترامب، ضاعفت الجمهورية الإسلامية من ضغوطها علی الولايات المتحدة للعودة إلی الاتفاق النووي، وذلك عن طريق الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى الديمقراطيين الأمريكيين الذين استولوا على غالبية مقاعد مجلس النواب في عام 2018.

ويعد الدفع باتجاه العودة للاتفاق النووي هو السياسة الرسمية للاتحاد الأوروبي والمرشحين الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020؛ حيث تتفق تمامًا جهود هؤلاء في مجال الدبلوماسية والإعلام (في إطار ما يسمى "دبلوماسية العمل”).

لماذا إذن یعد الاتفاق النووي أمرًا حيويًا بالنسبة للنظام الإیراني؟

لأنه في ظل هذا الاتفاق تُبقي طهران على برنامجها للأسلحة النووية حیًا، دون تكلفة، وتحصل علی فوائده الدبلوماسية والتقنية، كما يمكن للنظام الإيراني مواصلة ابتزاز الاتحاد الأوروبي، أو أمريكا تحت حكم الديمقراطيين.

وقد كان الهدف الاستراتيجي وراء مهاجمة الناقلات، واستهداف المقار الأمريكية في العراق، هو ممارسة مثل هذا الضغط غير المباشر على إدارة ترامب من خلال التحالفات الحزبية والمنافسين. فهم يكرهون ترامب لدرجة أنهم يعتبرون أن سبب مهاجمة الناقلات الأمريكية، والطائرة الأمريكیة المسیرة، هو انسحاب الولایات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة العقوبات، وليس نهج الجمهورية الإسلامية.

من المدهش أن وسائل الإعلام الغربية اعتبرت أن إرسال طائرات غير حربية يعد تمهیدًا من قبل إدارة ترامب لشن حرب. وأن الناقلات ذهبت إلى المنطقة للهدف نفسه، وهو ما يمكن أن يدفع الجمهورية الإسلامية إلى مهاجمة هذه الآليات، ويقوم "المتشددون" بشن حرب.. وهكذا فإن الإعلام الغربي، عدا حالات قليلة، يخدم الدعاية الرسمية للجمهورية الإسلامية. ولإثبات ذلك يكفي الرجوع إلى جريدة "كيهان" في طهران يوميًا؛ فمعظم المواد المنشورة في "كيهان" هي ترجمة لمحتوى وسائل الإعلام الأمريكية في الدفاع عن سياسات الجمهورية الإسلامية.

2. التهديد المتصاعد لأوروبا بالخروج من الاتفاق النووي أو خرقه

يعرف خامنئي وفريقه أنه يمكن لإدارة ترامب تفعيل "آلية الأطراف المتعددة" الموجودة في قرار الأمم المتحدة 2231، والذي يمكن من خلالها اللجوء إلى مجلس الأمن عندما تنتهك الجمهورية الإسلامية الاتفاق النووي- وقد أعلنت الجمهورية الإسلامية أنها ستفعل ذلك يوم 7 يوليو (تموز) 2019- وحینها یحق للولايات المتحدة الرجوع إلی مجلس الأمن .

وقد صرح حسن روحاني رسميًا بأنه "في يوم 7 يوليو (تموز) لن يكون مستوى التخصيب في إيران 3.67 في المائة، وسنتخلى عن هذا الالتزام ونرفع من مستوی التخصیب بقدر الضرورة والحاجة".. وأنه "اعتبارًا من يوم 7 يوليو (تموز)، إذا لم تمتثل الأطراف الأخری لجميع التزاماتها في الموعد المحدد، فسيعود مفاعل أراك إلى حالته السابقة، أي الحالة التي کانوا يزعمون أنها خطيرة ويمكن أن ننتج البلوتونيوم، ما لم یفوا بجمیع التزاماتهم فيما یخص مفاعل أراك".

إن الوثائق الأرشيفية للجمهورية الإسلامية (التي أخرجها الإسرائيليون من إيران) تشهد أيضًا على أن الجمهورية الإسلامية لم تتخل عن برنامجها للأسلحة النووية.

لقد كان الاتفاق النووي حصنًا منیعًا أنشأته إدارة أوباما حول البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، بوصفه برنامجًا سلميًا، ظنًًا منها أن الجمهورية الإسلامية ستنضم إلی الحكومات الطبيعية والمجتمع الدولي، دون أن يكون هناك دليل واحد. في حین أنه تم إنشاء منشأة "فوردو"، تحت الجبال، لبرنامج الأسلحة فقط. وکانت تهديدات الجمهورية الإسلامية المتكررة للأوروبيين تهدف لمنع ملف إیران من الذهاب إلى مجلس الأمن حتى تصبح الحكومات الأوروبية دائمًا أداة ضغط من أجل الجمهورية الإسلامية.

3. الحفاظ على خمسة إعفاءات، من سبعة لم يتم إلغاؤها.. واستغلال فوائدها

انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي لا يعني التخلي عنه بالكامل، فقد أصدرت إدارة ترامب عددًا من الإعفاءات في العام الماضي حتى يتمكن الأوروبيون من العمل مع إيران في إطار الاتفاق النووي. كما ألغى بومبيو، فيما بعد، إعفاءین، وهما تصدير اليورانيوم المخصب، والماء الثقيل. هذه الإعفاءات كانت نتيجة ضغط أوروبي للحفاظ علی الاتفاق النووي. وقد بذل الأوروبيون، العام الماضي، جهودًا مضنية للحفاظ علی هذا الاتفاق. وعلى الرغم من أن الجمهورية الإسلامية خفضت التزاماتها في يوليو (تموز) 2019، فإن هذه الإعفاءات لا تزال قائمة.

بطبيعة الحال، خفضت إدارة ترامب مهلة هذه الإعفاءات من 180 يومًا إلى 90 يومًا. وكان الضغط الأوروبي لصالح النظام الإیراني في اجتماع "مجموعة الـ20" في أوساكا، یسعی لاستعادة إعفاءین تم إلغاؤهما.

ومن المذهل أن علي خامنئي، رغم معارضته للاتفاق النووي، يسعی جاهدًا للحفاظ عليه في المحافل الدولية.

ونظرًا لهذه الازدواجية، طالب ثلاثة من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، وهم: تيد كروز، وماركو روبيو، وتوم كوتون، طالبوا إدارة ترامب، بإلغاء جميع الإعفاءات المتصلة بالاتفاق النووي.

4. تقدیم إدارة ترامب علی أنها داعية حرب

دأب معارضو ترامب، منذ اليوم الأول لوجوده في الرئاسة، علی تقديمه هو وفريقه علی أنهم عنصريون، ومعادون للسامية، ودعاة حرب، ویخافون الإسلام والإنسانية (العلامات التي یلصقها الیساریون بمعارضيهم).

لكن سرعان ما سقط اتهام الخوف من الإنسانية، واتهام معاداة السامية، لأن صهر ترامب يهودي، كما أن ترامب اتخذ سياسة ودية تمامًا مع إسرائيل، ولم تكن هناك حتى نقطة واحدة من معارضة المثلیین، في تاريخ ترامب.

كما تلاشت فكرة کراهیته للمرأة، من خلال وجود عدد کبیر من النساء في إدارته بالبيت الأبيض. وكذلك انتفت تهمة معاداته للإسلام، بسبب الإجراءات التي یتخذها الإسلاميون والتي لا تترك حاجة إلی تورط الآخرين في زيادة الخوف من الإسلام (مثل قتل أكثر من 50 مثليًا مرة واحدة في فلوريدا). لكن كان هناك عنوانان أساسيان للديمقراطيين: القراءة العنصرية للسياسات القانونية لترامب ضد المهاجرين غير الشرعيين، ما أدى إلى إثارة الرأي العام الداخلي، ووصف ترامب بداعیة حرب، في السياسة الخارجية.

ربما إذا لم تكونوا قد رأيتم بأعینكم، فلن تصدقوا أن مسؤولي الجمهورية الإسلامية خلال عهد ترامب، أصبحوا نشطاء سلميين، مثل الديمقراطيين في الولايات المتحدة، یدافعون عن التباين الديموغرافي، والحدود المفتوحة، والعولمة، والتعددية (في الولايات المتحدة بالطبع)، ویتهمون ترامب بالعنصرية، والسیاسات المعادیة للهجرة، والأحادیة، ومعارضة المواثیق الدولية.

وقد منحت إدارة أوباما، من خلال الاتفاق النووي، وجهود وسائل الإعلام، ومراكز الفكر اليسارية، وفسح المجال أمام أبواق الدعایة ولوبي الجمهورية الإسلامية؛ منحت النظام الإيراني الإرهابي الخارج عن القانون، المجال لیقوم بمثل هذا الدور، دون أن يتعطل البرنامج النووي للنظام بشكل موثوق، ودون أن يوقف النظام سياساته الشمولية والمناهضة لحقوق الإنسان.

إن نظامًا لم يُعر المحافل والقوانین الدولية اهتمامًا، وكرّر نفس شعارات اليسار في السياسة الخارجية، دون أن تقوم وسائل الإعلام بمساءلة ماضيه وسلوكه الإقليمي، يشير إلى عولمة وتعددية وسلمیة ليس لها أي غرض سوى إخفاء البرنامج النووي السري للجمهورية الإسلامية تحت مظلة الاتفاق النووي، الذي یكمن نجاحه في الحفاظ على البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية دون تغيير.

واللافت أن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة (باستثناء "فوکس نیوز" وعدد من المواقع التحليلية)، ومنتسبي الحزب الديمقراطي، وجميع المؤسسات البحثية والقانونية لليسار، تتفق مع جمهورية إيران الإسلامية في تعريف ترامب بأنه داعیة حرب، ویحب الفوضی.

كما أن اليسار الأوروبي والأمريكي اختار الإسلاميين حليفًا، وأصبح خامنئي بالنسبة لهم هو المرشد الأعلى، كما أصبح روحاني وظریف من رموز الاعتدال والعقلانية والسلام في السياسة العالمية.

في بعض الأحيان، خلال العقود الثلاثة الماضية، کان الديمقراطيون يصفون خامنئي بالديكتاتور، والآن تقوم الجمهورية الإسلامية بتفجير ناقلات نفط في بحر عمان، وإسقاط طائرة أمريكية مسیرة، ومع ذلك تُوصف حكومة ترامب بأنها هي السبب وراء ما يحدث.

لقد أصبح لقب "الفریق بي" المزیف، الداعي للحرب، والذي أطلقه فريق ظريف ولوبيه، أصبح خطًا رئيسيًا للدعاية الإعلامية للحزب الديمقراطي.

وفي الحقيقة، يعد تسويق الجمهورية الإسلامية الإيرانية دبلوماسيًا بصفات عقلانية، يعد أكبر خداع مارسه اليسار بحق المجتمع الدولي.

المصدر: المحلل السياسي الإيراني، مجيد محمدي - إيران إنترنشنال


اضف تعليق