رائحة النفط الإيراني تغزو موانئ الصين.. ما القصة؟


٢٢ يوليه ٢٠١٩ - ١١:٣١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

على الأبواب المائية للصين، كثفت ناقلات النفط الإيراني نشاطها خلال الأشهر القليلة الماضية، بغية تخزين ملايين براميل النفط في صهاريج بالموانئ الصينية، وسط محاولات مضنية من واشنطن للضغط على طهران لإعادة التفاوض حول الملف النووي، عبر تشديد العقوبات الاقتصادية بالشكل الذي يدفع صادراتها من النفط  – الشريان الرئيس للحياة الاقتصادية - إلى مستوى الصفر.

أمس قال وزير النفط الإيراني، بيجن زنجنه في تصريحات تداولتها وسائل إعلام إيرانية، إننا اليوم نقع تحت ظروف صعبة وحساسة، وإذا كان انخفاض إنتاج النفط لم يلحق ضرراً بالآبار والحقول النفطية الإيرانية حتى اللحظة، فإن أي توقف لعملية الإنتاج والتفريغ لمدة طويلة من شأنه أن يضر باقتصادنا أكثر، إذ ستحتاج عملية انطلاق تشغيل هذه الآبار وقتا طويلا وتكلفة عالية.

واليوم نشرت "بلومبرج" تقريرا يفيد بأن طهران تقوم بتخزين كميات هائلة من النفط في صهاريج تعود للحكومة الصينية، ما يعني أنها قد تكون باعت بالفعل هذه الكميات للصين، لكن بعض المحللين رجحوا أن يكون ما حدث هو مقايضة بين بكين وطهران، بمعنى أن هذا النفط استقبلته الأولى – أكبر مستهلك للطاقة في العالم-  مقابل مشاريع لشركات صينية في الثانية.

تخزين النفط للالتفاف على العقوبات

بحسب بيانات تتبع السفن تلقت الصين حوالي 12 مليون طن من الخام الإيراني خلال الفترة من يناير إلى مايو 2019، وفي المقابل هناك حوالي 10 ملايين طن ظهرت معاملاتها في سجلات الجمارك الصينية خلال ذات الفترة، هذا الفرق بين الرقمين فسرته "بلومبرج" بأن الفارق ربما ذهب إلى التخزين العائم داخل الناقلات، فالناقلة الواحدة تصل طاقتها الاستعابية إلى أكثر من 20 مليون برميل.

وتظهر بيانات تتبع السفن أيضا، أن هناك ما لا يقل عن عشر ناقلات نفط كبيرة، واثنين من الناقلات الأصغر المملوكة لشركة النفط الإيرانية الوطنية تبحر حاليًا باتجاه الصين أو تتخبط قبالة سواحلها، فضلا عن نحو مليوني طن من النفط الإيراني وصلت إلى الصين خلال شهري مايو ويونيو الماضيين، بعد نحو شهر ونصف من سلسلة عقوبات أمريكية استهدفت قطاع النفط تحديدا ومنعت كافة الاستثناءات السابقة التي كانت قد منحت العام الماضي لبعض الدول، لتكفل لها استئناف شراء النفط الإيراني.

مطلعون على العمليات في عدة موانئ صينية قالوا لـ"بلومبرج": هذا النفط حتى الآن لا يمثل أي خرق للعقوبات، إذ لم يظهر في سجلات استيراد البلاد، هو فقط مخزن داخل صهاريج تمتلكها الدولة الصينية، وإن كان هذا لا يعني أنه يلوح في أفق أسواق النفط العالمية.

تقول المحللة في شركة FGE الاستشارية في سنغافورة راشيل يو: إن شحنات النفط الإيراني تتدفق إلى المستودعات الصينية منذ عدة أشهر، يمكننا أن نرى سبب رغبة المنتج في القيام بذلك، لأن تراكم الإمدادات بالقرب من المشترين الرئيسيين مفيد بشكل واضح للبائع، خاصة إذا تم تخفيف العقوبات في مرحلة ما.

أهداف إيرانية:
-  محاولة للالتفاف على العقوبات، عبر بيع النفط لشركات صينية لديها استثمارات داخل إيران.

-  تخزين النفط بالقرب من المشترين إلى حين رفع العقوبات أو تجميدها جزئيا.

-  تخزين النفط الإيراني قد يشكل ضغطا على حركة أسعار النفط العالمية، في حال قررت شركات التكرير الصينية الاعتماد عليه، ما من شأنه خفض مستويات الطلب العالمي والهبوط بالأسعار.

في هذا الإطار قال "بنك أوف أمريكا" في مذكرة نشرت يونيو الماضي: قد تصعد واشنطن حربها التجارية ضد بكين، بشكل يدفع إيران والصين نحو مزيد من التعاون، وفي حال بدأت شركات التكرير الصينية في شراء النفط الإيراني بكميات كبيرة على أساس مستدام، فقد نرى خام غرب تكساس الوسيط يتراجع إلى مستوى 40 دولارًا للبرميل.

تهديد مشترك
قد يتبادر للذهن هنا سؤال لماذا وقع الاختيار الإيراني على الصين؟.. الإجابة لها عدة أوجه، أولا الصين أكبر مستهلك لموارد الطاقة بالعالم وأكبر مستورد للنفط الإيراني، ثانيا التعاون مع الصين هو خيار إيراني قديم، حتى لا تكون طهران فريسة لـ"دب الروسي" في حال اتخذت منه حليفا استراتيجيا لا بديل له، وبدا هذا التعاون جليا العام الماضي، عندما انسحبت الشركات الأجنبية من السوق الإيرانية تحت ضغط من العقوبات الأمريكية، فعلى سبيل المثال حلت شركة "سي إن بي سي" الصينية في 25 نوفمبر الماضي محل "توتال" الفرنسية عندما انسحبت من مشروع تطوير المرحلة الحادية عشر من حقل بارس الجنوبي، وبحسب البيانات الرسمية ارتفع التبادل التجاري بين البلدين إلى 48 مليار دولار بنهاية 2018.

ويرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة سواء بسلاح العقوبات أو التعريفات الجمركية، جعلت التحالف بين طهران وبكين حتميا، خاصة في الملف الاقتصادي، ففي الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر بين واشنطن وطهران منذ انسحاب الرئيس دونالد ترامب العام الماضي من الاتفاق النووي الموقع عام 2015، هناك حرب "تعريفات" ضروس يخوضها ترامب ضد الواردات الصينية، استعدت أخيرا أن ترد بكين بالمثل عبر فرض تعريفات على الواردات الأمريكية.

الباحث في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية وانج جيان، يرى – في تصريحات نقلتها وسائل إعلام صينية الشهر الماضي-  أن على بكين أن تتوخى الحذر في تعاملها مع إيران لأن حربها التجارية مع الولايات المتحدة تشكل بالفعل تحديًا كبيرًا، كما أن واشنطن قد تستخدم سلاح العقوبات على إيران ضد بكين، ما قد يضر اقتصاد الأخيرة على نحو أوسع بالتوازي مع الحرب التجارية.

الصين لم يكن أبدا لديها أي نية للتورط سياسيا في الشرق الأوسط، وبالتالي يرى العديد من المحللين أنه من الأفضل ألا تتورط مع طهران خارج حدود الملف الاقتصادي، وإن كان البعض يتوقع أن تحاول الضغط على واشنطن في ملف الحرب التجارية عبر تعزيز علاقاتها مع إيران واستخدام اليوان أو اليورو لتسوية صفقاتها التجارية في مجال النفط تحديدا.
 



 

اضف تعليق