الروهينجا أمام خطر الإبادة الجماعية.. العالم لا صوت له


١٣ يناير ٢٠١٨ - ٠٢:٠٦ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر - الجارديان
ترجمة - شهاب ممدوح


أصدرت الأمم المتحدة تحذيرًا شديدًا في منتصف شهر ديسمبر، قالت فيه: إن ثمة إبادة جماعية ربما يجري ارتكابها في ميانمار، لكن هذا التحذير قوبل بصمت عالمي مطبق، ما يشير إلى عدم وجود رغبة في القيام بتدخل إنساني عسكري، حتى في الحالات الأكثر مأساوية.

واضطهاد أقلية الروهينجا المسلمة، بدأ يشبه المأساة التي تعرّض لها شعب "التوتسي" في رواندا عام 1994، وإن كان على نطاق أضيق، لقد تعهّد المجتمع الدولي، وذلك بعد فشله في وقف مجزرة رواندا التي قُتل فيها نحو مليون إنسان، بأن هذا لن يحدث مجددًا، لكن يبدو الآن, أن الكابوس قد عاد مجددًا.

وصف "زيد رعد الحسين" -وهو مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في وقت سابق الهجمات التي تعرّض لها الروهينجا على أيدي الجيش والمدنيين الميانماريين- بأنها تطهير عرقي، وهو تقييم تشاطره الولايات المتحدة أيضا.

لكن خلال مقابلة له مع "بي بي سي" في الشهر الماضي، ذهب "حسين" لأبعد من ذلك كثيرا بالقول: "لا يمكن استبعاد احتمال حدوث أعمال إبادة جماعية.. لن أتفاجأ في المستقبل لو خلصت المحكمة إلى هذه النتيجة بناءً على ما نراه".

إن الصمت المخجل الذي قابل تصريحات "الحسين"، يعكس حقيقة عدم وجود أي دعم لفكرة التدخل المباشر في ميانمار، لقد جرى نسْف مفهوم التدخل الإنساني العسكري، الذي صاغه توني بلير في خطابه الشهير في شيكاغو عام 1999, والذي جرى تطبيقه في كوسوفو وسيراليون وتيمور الشرقية.

وفقدت "عقيدة بلير" مصداقيتها جراء الغزو الكارثي للعراق في عام 2003، والذي جرى تبريره على أسس أخلاقية وإنسانية بعد سقوط حجة أسلحة الدمار الشامل .

والآن، انقلبت الأوضاع رأسا على عقب. فجنرالات ميانمار ليسوا هم الوحيدون الذين أفلتوا من العقاب، ففي اليمن, والتي وصفها وزير الخارجية البريطاني "بوريس جونسون" بأنها "أسوأ أزمة إنسانية في العالم", جرى اتهام القوات السعودية بالتسبب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين, وبالعمل بصورة غير شرعية على منع وصول المساعدات واستخدام ذلك كسلاح حرب.

ثمة وضع مماثل في سوريا أيضا، إذ جرى اتهام الرئيس السوري بشار الأسد على نطاق واسع بارتكاب جرائم حرب، لكن بعد مرور ست سنوات على تلك الفوضى الدموية، ما يزال بشار قابعًا في منصبه في دمشق.  

إن انعدام الإرادة السياسية ليس هو السبب الوحيد الذي يفسر عجز المجتمع الدولي عن وقف القتل الجماعي، إن تنبؤ "رعد الحسين" بأن زعيمة ميانمار "أونج سان سو كي" وقائد الجيش الميانماري الجنرال "مين أونج هلينج" قد ينتهي بهما المطاف أمام محكمة، ربما كان إشارة إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي تأسست تحت رعاية الأمم المتحدة عام 2002، بدعم من 123 دولة من أصل 195 دولة. تعتبر محكمة الجنايات الدولية محكمة الملاذ الأخير, وهي مسؤولة عن التحقيق مع الأفراد المسؤولين عن ارتكاب إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية و محاكمتهم.

لكن ميانمار, مثل سوريا واليمن, ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية, ولا تخضع لولايتها القضائية، والسبيل الوحيد لإمكانية خضوع قادتها للمحاكمة, هو أن يُحيل مجلس الأمن الدولي هؤلاء القادة للمحكمة الجنائية الدولية، وهذا لن يحدث لأن الصين, العضو الدائم في مجلس الأمن والحليف التجاري والسياسي الوثيق لميانمار, ستستخدم حق النقض ضد خطوة كهذه، وبالمثل تقدم روسيا التي لها مصالح استراتيجية في سوريا حماية للأسد.

وحققت المحكمة الجنائية الدولية نجاحًا محدودًا منذ ولادتها, ويُعزي ذلك في جزء كبير منه, إلى رفض القوى الكبرى, مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند, لولاية تلك المحكمة القضائية، تحت زعم حماية السيادة الوطنية, بالرغم من أن الولايات المتحدة تدعم المحكمة عندما يتلائم ذلك مع أهدافها في الخارج، لقد جرى أيضا إضعاف المحكمة الجنائية بسبب رفض بعض أعضائها تطبيق قانونها.

وأشهر حالة في هذا الصدد تتعلق بالرئيس السوداني عمر البشير المتهم بارتكاب إبادة جماعية في درافور، عندما زار البشير جنوب إفريقيا عام 2015, تجاهلت حكومة "جاكوب زوما" التزامها القانوني باعتقال البشير، ونتيجة للانتقادات التي تعرّضت لها, هددت جنوب إفريقيا و دول إفريقية أخرى عضوة بالانسحاب من المحكمة.

بالرغم من قدرة بعض الدول الرئيسية على إحداث تغيير في أماكن مثل ميانمار أو على سبيل المثال, جنوب السودان، إلا أن تلك الدول تكون في أحيان كثيرة أيضا مدانة بعدم الالتزام بالمعاهدات الدولية واتفاقيات حقوق الإنسان والقرارات التي وقّعت عليها سابقًا في الأمم المتحدة.

لقد دعم ما مجموعه 143 دولة اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" التي تبنّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. لقد كان "الهولوكوست", في ذلك الوقت, مايزال حدثًا لم يمض عليه وقت طويل. لكن الذاكرة تضعف، وكذلك الحال أيضا بالنسبة للعزيمة السياسية.  

ومن الأمثلة الحديثة والصارخة على التراجع الدولي , الفشل في الالتزام بمبدأ "المسؤولية الجماعية في توفير الحماية"، ونتيجة لشعور العالم بالعار بسبب الفشل في رواندا والبلقان في عقد التسعينيات، اتفقت قمة عالمية برعاية الأمم المتحدة عام 2005 على أن كل الدول لديها مسؤولية مشتركة لمنع أخطر انتهاكات حقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني والتصدّي لها.

اتفقت القمة على أن مبدأ سيادة الدولة يحمل معه التزام الدولة بحماية مواطنيها. لو كانت الدولة غير قادرة أو غير راغبة في فعل ذلك, فإنه يحق للمجتمع الدولي التحرك.

في حالة ميانمار, حيث أُجبر 870 ألف روهينجي على النزوح لبنغلاديش وقُتل نحو 10 آلاف شخص حتى الآن, لم تفشل الحكومة في حماية مواطنيها فحسب, بل أنها متورطة على ما يبدو في ارتكاب جريمة بحقهم.

هذا بالضبط هو نوع المواقف التي صُمم إعلان الأمم المتحدة الصادر عام 2005 لمنعها، وقد تعهّد ذلك الإعلان أنه في حال وقوع أزمات كهذه، ستتخذ الدول الأعضاء "إجراءً حاسمًا وحسن التوقيت، بما يتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة، لكن هذا التعهّد الجليل يجري كسره يوميًا في كل أنحاء العالم.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق