فورين بوليسي | تركوها لتأكل نفسها.. كيف أسهم الغرب في تمزيق ليبيا؟


٢٦ يونيو ٢٠١٨ - ٠٥:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح




للمرة التاسعة منذ 2011, تتنازع الفصائل الليبية المتنافسة من أجل السيطرة على "الهلال النفطي" الاستراتيجي, وهو قطاع ساحلي يبدأ من مسافة 100 ميل جنوب بنغازي ويمتد غربًا 250 ميلًا تجاه سرت. تقع في قلب هذا الهلال محطات سدرة وراس لانوف النفطية. وقد تعرضت هذه البنية التحتية النفطية المهمة للحصار على يد زعيم الميليشيا إبراهيم الجضران من 2014 إلى 2016 وهاجمها تنظيم الدولة الإسلامية مرتين.

في سبتمبر 2016, استولى عليها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر وجرى استئناف الإنتاج على الفور، غير أنه قُطع عندما تعرضوا لهجوم من "سرايا الدفاع عن بنغازي" الجهادية في مارس 2017 وتواصل عندما استعاد حفتر السيطرة عليها بعد بضعة أسابيع. تلك التقلبات في الإنتاج كان لها تأثير على مستوى معيشة الليبيين، ومنعت كل شركات النفط الكبيرة تقريبًا من تقديم خدماتها.

في 14 يونيو, استعاد الجضران السيطرة على سدرة وراس لانوف عن طريق التعاون مع فريق من الحلفاء القَبَليين والجهاديين وأشخاص نازحين داخليًا من بنغازي ومرتزقة من تشاد. وبالرغم من الفصائل الكثيرة التي تدعم الجضران, إلا أنه من المستبعد أن يسيطر على هذه المنشآت النفطية المهمة لفترة طويلة. وحده حفتر يمتلك قوة جوية، فقد بدأ هجومه المضاد جديًّا في 19 يونيو. ومن المؤكد أنه سيستعيد السيطرة على الهلال بأكمله - إذا لم يكن نفّذ ذلك بالفعل -.

وفي الوقت الذي نُشر فيه هذا المقال, أعلن المتحدث باسم حفتر ووسائل الإعلام الموالية له سيطرته الكاملة على راس لانوف. وهرب الجضران من مسرح جريمته حاملًا الخزي وتشتت ائتلافه، وتعرَّض بعضُ المرتزقة التشاديين للاعتقال. هذا لأن الجضران فشل في الحصول على دعم الميليشيات الرئيسة التي تدعم خصوم حفتر وهم: ميليشيات من مدينة مصراتة، والعصابات التي تسيطر على طرابلس.

وبرغم وعود الجضران الأخيرة بالحفاظ على البنية التحتية دون مساس خلال هجومه الحالي, جرى إضرام النيران في صهاريج تخزين النفط الأسبوع الماضي, والتي أحرقت نفطًا يساوي عشرات الملايين من الدولارات, وهدّدت بكارثة بيئية, وجعلت إمكانات الأرباح المستقبلية أقل إشراقًا.

كانت الجولة الحالية من العنف متوقعة بشكل مأساوي. ويُعدّ حديث الحكومات الغربية الفضفاض مؤخرًا حول إقامة الانتخابات سببًا في إشعال الحماس بعد أكثر من عام من الهدوء. ولسنوات, أظهرت الأبحاث أن الانتخابات في ظل غياب مؤسسات قوية مرجحة أكثر لإثارة الصراع بدلًا من حله. فرغم كل شيء, هناك حاجة للمؤسسات من أجل تحديد ما يناله الرابح في الانتخابات وأوجه الحماية التي تستحقها الجماعات الخاسرة. وفي ظل غياب هذه المؤسسات, تعيد الانتخابات إشعال الصراعات المتوقفة؛ ما يؤدي غالبًا لسعي الجميع وراء السُّلطة.

لماذا إذن يرتكب القادة الغربيون الخطأ نفسه؟ سيفترض المتفائلون أنه بدافع رغبة غربية لنشر الديمقراطية. في حالات كثيرة, ربما يكون هذا هو السبب، لكن عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية الغربية في ليبيا, تكون الإجابة أكثر تشاؤمية.

إن كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا – وهم قوى كبرى تنافست لفترة طويلة على النفوذ في الشرق الأوسط الكبير – لا يشعرون بوجود حاجة للهيمنة في ليبيا. بينما فرنسا وإيطاليا ومجموعة القوى المتوسطة المتورطة في ليبيا، لديهم أسباب جيواستراتيجية خاصة تجعلهم يتحملون فوق طاقتهم عبر الهيمنة على ما يُسمى بالملف الليبي. وبالنسبة إلى الفرنسيين، فمنذ 2017 يبدو أن الإدارة التفصيلية للحملة التي تدعو إلى الانتخابات بقمم رفيعة المستوى هي رهانهم للهيمنة في دولة تقع خارج دائرة نفوذهم التقليدية.

استضافت فرنسا أول مؤتمر ليبي كبير في شهر يوليو الماضي. وفي شهر مايو المنصرم تخلى مبعوث الأمم المتحدة الخاص غسان سلامة, بدعم فرنسي, عن خريطة طريقه السابقة الخاصة بليبيا, مستغنيًا عن مرحلتين صرحت الولايات المتحدة سابقًا بأنهما شروط مسبقة أساسية لإقامة الانتخابات، وهي تعديل الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، وعقد مؤتمر وطني.

أعقب ذلك قمة للأطراف المؤثرة الليبية في باريس. وفي خِضمِّ تلك الموجة من النشاط الدبلوماسي, نسيت كلٌّ من فرنسا والأمم المتحدة وضع قواعد للعبة أو إطار عمل قانوني يحكم هذه الانتخابات. لا أحد في ليبيا أو في العواصم الدولية يعلم ما إذا كانت هذه الانتخابات برلمانية أم رئاسية، ولا يعرفون كذلك ماذا يتم بشأن مسوّدة الدستور التي تنتظر الاستفتاء.

لم يسعَ الفرنسيون لتوضيح أيٍّ من هذه الأمور المجهولة، ولا لتقديم أنفسهم كوسطاء غير متحيزين. لقد أقاموا علاقات وثيقة مع "حفتر" خلال فترة رئاسة فرانسوا أولاند عبر وزير دفاعه آنذاك "جان إيف لودريان".

وعندما وصل إيمانويل ماكرون إلى السلطة في مايو 2017, سرعان ما عيّن "لودريان" المخضرم وزيرًا للخارجية. ووفقًا لمعظم المثقفين المرموقين, دفعت تلك الخطوة الفرنسيين إلى مضاعفة الرهان على حفتر, ما يجعل فرنسا الدولة الغربية الوحيدة التي تقترب سياستها الخاصة بليبيا من سياسة مصر والإمارات وروسيا.

ومِثْل المتنافسين السابقين والأكثر استبدادية على هيمنة الملف الليبي, سعت فرنسا لكسب النفوذ، ليس عن طريق دعم حفتر ضد أعدائه, وإنما عن طريق محاولة مفاجأة اللاعبين الدوليين الآخرين بقمم مفاجئة وإثبات الحقائق على الأرض. وتحاول هذه الحيلة الفرنسية الفريدة أن تتلاعب بالجدول الزمني والمشهد العام للانتخابات من أجل الحصول على نتيجة معينة.

لا شك في أن قمة باريس التي عقدها ماكرون في مايو 2018 منحت المزيد من الشرعية لحفتر ووضعته في موقف أفضلية من ناحية شهرة الاسم مع اقتراب أية معركة انتخابية. ولأسباب يمكن فهمها, أغضب هذا لندن وواشنطن وروما؛ لأن حلفاء فرنسا لم يُبلَّغوا بالقمة حتى جرى الإعلان عنها للعامة.

غضب الإيطاليون الذين استضافوا حفتر في سبتمبر الماضي. وبصورة خاصة، تعج وسائل التواصل الاجتماعي الليبية بمزاعم عن أن العنف الحالي في الهلال النفطي هو نتيجة مباشرة لتلكم التوترات الفرنسية - الإيطالية. وعلى نحو غير مفاجئ, الفرنسيون والإيطاليون هم أصحاب المصلحة البارزون في قطاع الهيدروكربون للبلاد.

ويتجه الناخبون الإيطاليون لرؤية الصراع الدائر في مستعمرتهم السابقة من خلال عدسة الهجرة. وبالتالي, يتنافس الساسة الإيطاليون على أن يصبحوا حازمين فيما يتعلق بالهجرة, ويقيمون علاقات أمنية مع الأطراف الغربية المؤثرة والساسة وزعماء الميليشيات في ليبيا؛  ليمنعوا المهاجرين القادمين من دول إفريقيا وجنوب الصحراء من المرور عبر ليبيا والوصول إلى شواطئهم.

وفي المقابل منذ 2011, اتجه الساسة الفرنسيون من جميع التيارات لرؤية ليبيا كفرصة لإظهار حسن نواياهم الديجولية عبر ترسيخ موقف فرنسا كونها اللاعب الدولي الرائد في ليبيا. وربما يرون أيضًا أن القيادة في ليبيا تعدّ فرصة لتحسين القوى الناطقة بالإنجليزية المشتتة, مستفيدين من اللحظة الفريدة من نوعها، حيث تتطلع كل من إدارة ترامب والحكومة البريطانية إلى الداخل.

وعلى عكس المتوقع, يبدو أن العنف الحالي سُمح له بالحدوث عندما غض الخصوم الليبيون والدوليون للأحادية الفرنسية بصرهم عن "الجضران" وهو يوجه ضربة غير مباشرة لحليف فرنسا اللواء حفتر. كان هجوم الجضران يجري تحضيره منذ أن أعادت سرايا الدفاع عن بنغازي تشكيل نفسها لهجوم على قاعدة تمنهنت الجوية في أواخر مايو. كان لدى القوى الدولية – ومن ضمنها فرنسا – قَدْرٌ وافِرٌ من التحذيرات, ومع هذا فشلوا في إرسال رسالة قوية لردع الهجوم على المنشآت النفطية. ولاحظ حفتر تحضيرات الجضران للهجوم منذ ثلاثة أسابيع.

بدت فرنسا أكثر قلقًا حيال الحفاظ على القشرة الخارجية للحياد - كونها وسيطًا وليس طرفًا فعليًّا في الصراع - بناءً على معلومات من مصادر موثوقة , من المستحيل افتراض أن الحكومات الغربية كانت غير مستعدة. إن جميع اللاعبين الدوليين الكبار متوحدون نظريًّا في رغبتهم في حماية البنية التحتية النفطية الليبية, حيث إن إنتاج النفط المتزايد فقط هو ما يستطيع إنقاذ ليبيا من الانهيار المالي, وليبيا تفتقر للأمن الكافي من أجل إصلاح البنية التحتية المتضررة بواسطة أفضل الخبراء.

لكن من الناحية العملية, حلفاء الليبيين الأكثر حيادية والذين يحظون بالاحترام المحلي, الولايات المتحدة وبريطانيا, خذلوهم مرة أخرى. فأثناء تحضير هجوم الجضران كان ينبغي على واشنطن ولندن وضع خطة موثوقة لحماية البنية التحتية النفطية الثمينة، مصحوبةً برسالة قوية عن العواقب الوخيمة التي تقع على من يهاجمونها. إن الإدانات بعد وقوع الحدث لن تمنع الجولة التالية من إراقة الدماء وحرق النفط.

ومن المفارقات أنه نظرًا لشدة القتال وارتفاع وتيرته, فإن السيطرة على محطات النفط لا تسمح لأي فصيل بالاحتفاظ بالأموال التي تدفعها الشركات الدولية على شحنات النفط الصادرة. إن عقود إنتاج الخام الليبي وشراءه ونقله التي وُقِّعت مع المؤسسة الوطنية للنفط، تضمن أن تتدفق كل مستحقات صادرات النفط إلى البنك المركزي الليبي الكائن في طرابلس. ومع هذا, لا تزال العديد من الفصائل تأمل في السيطرة على الهلال النفطي بسبب النفوذ السياسي الذي يمنحه.

لم يستخدم اللواء حفتر ذلك النفوذ، وبخلاف عدة هجمات مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية على مدار الشهور الماضية، قام بعمل جيد في الحفاظ على تدفق النفط. ويمكن أن نقول العكس عن الجضران, الذي كلّف حصاره من 2014 إلى 2016 ليبيا خسائر تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، والذي سعى بصورة متكررة للمقايضة مقابل منصب أعلى.

بصورة مأساوية, حدث هذا من قبل، ففي صيف 2014, احتجَّ الطرفُ الخاسرُ في الانتخابات البرلمانية (الإسلاميون والمصراتيون) واقتحموا بعدها بأسابيع مطار طرابلس الدولي، وأعلنوا حكومتهم الخاصة.

ولو كانت الولايات المتحدة وبريطانيا اجتمعتا مع الحلفاء الأوروبيين الشماليين والشركاء الإقليميين؛ لإصدار ضمانات أمنية رادعة من أجل حماية البنية التحتية الرئيسية في ليبيا, لكان من الممكن أن يتوقف القصف المدمّر الذي يصاحب نوبات القتال المتاح للجميع.

لقد حان الوقت الآن للتعلُّم من أخطاء الماضي. لا يجب لبريطانيا والولايات المتحدة السماح بإقامة انتخابات ليبية أخرى، حيث يحصل الرابح فيها على كل شيء.

وبدلًا من الانخراط في حديث رخيص عن الديمقراطية, ينبغي أن يحاول الدبلوماسيون المُخضرمون في واشنطن ولندن فرض قواعد للُّعبة في ليبيا، كتصحيحٍ للعقلية السائدة، والتي بموجبها يحاول الرابحون تهميش المهزومين والسيطرة على جميع الغنائم.  

لقد فات أوان إصدار تعهدات بحماية البنية التحتية الحيوية في ليبيا, وتحديدًا شبكات الكهرباء والمياه والنفط، وأيضًا التكنوقراط الليبيين المستعدين لتطبيق إصلاحات اقتصادية قاسية.

من دون هذا الدعم, حتى الأطراف المؤثرة الليبية الأكثر شجاعة ستواجه صعوبة في حماية الأصول السيادية للدولة من النهب. إنهم يعلمون أنهم إذا جازفوا لتصحيح المظالم, سيتعرضون للقتل على يد الميليشيات الناقمة التي تستفيد فعليًّا من حالة الفساد الراهنة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية فورين بوليسي ترجمات

اضف تعليق