تشاتام هاوس | ما أسباب ترسّخ السياسات غير الليبرالية في دول وسط أوروبا؟


٢٨ يونيو ٢٠١٨ - ٠٨:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح
رؤية

لقد كان مساء يوم الثالث والعشرين من أغسطس عام 1989 في مدينة "وارسو" رائعًا بشكل لا يمكن نسيانه. وبصفتي مراسلاً أجنبيًا متخصصًا في شؤون البلدان الشيوعية لحساب وكالة "رويترز"، كنتُ برفقة صديق لي في شقة في العاصمة البولندية. كنا حينها نستعد لتغطية انتقال السلطة المقرر أن يحدث في اليوم التالي بالبرلمان الوطني البولندي، المعروف باسم "سيجم".

هل يمكن لأي شيء أن يوقف عملية تنصيب أول حكومة يقودها أشخاص غير شيوعيين في وسط أوربا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية؟
هل يمكن أن يحاول فصيل متطرف في الحزب الشيوعي البولندي عرقلة الاتفاق الذي جرى التوصل إليه مع نقابة "التضامن" المستقلة، والهادف لتحويل بولندا إلى دولة ديمقراطية عبر تعيين المثقف البولندي المعارض " تاديوس مازويكي" رئيسًا للوزراء؟

لكننا خلصنا إلى أن هذا مستحيل! فميخائيل جورباتشوف، الزعيم السوفيتي الإصلاحي، بدا سعيدًا بترك الأمور تأخذ مجراها في وارسو.
كما أن الشيوعيين البولنديين الذين ضعُفت معنوياتهم، أوضحوا أنهم لن يقفوا في طريق "مازويكي".

في الرابع والعشرين من أغسطس، وافق البرلمان على تعيين "مازويكي" الدمث الخُلُق بعد تأييد 378 صوتًا ومعارضة أربعة أصوات، وامتناع 41 عضوًا عن التصويت. لقد غمرني حينها شعورٌ نادرٌ ما يصادفه مراسل أجنبي في حياته المهنية، شعور أن تكون من بين أوائل الأشخاص الذين يُخبِرون العالم بشأن حدث تاريخي يحظى بأهمية كبرى. ولقد كان ذلك بلا جدال حدثًا إيجابيًا: التحرر الذاتي لمجتمع من الشيوعية.

اليوم، وبعد مرور 30 عامًا تقريبًا على الثورات السلمية في معظمها ضد الشيوعية في وسط وشرق أوربا، هناك قلق من أن جزءًا كبيرًا من التقدم الديمقراطي المُنجَز منذ عام 1989 يجري تقويضه.
إن المجر وبولندا، الخاضعتَيْن لحكم الزعيمين القوميَيْن المحافظَيْن " جاروسلاو كازينسكي" و"فيكتور أوربان" على الترتيب، هما موضع اهتمام خاص. لكن شعور أنَّ الأمور ليست على خير في المنطقة يمتد أيضًا ليشمل بلغاريا ورومانيا ودولاً أخرى، بما في ذلك الدول المستقلة التي وُلدت من رحم يوغسلافيا السابقة.


لقد زرتُ بولندا للمرة الأولى بصفتي طالبًا عام 1980 أثناء الاضطرابات التي عصفت بعموم البلاد، والتي أدّت لولادة حركة "التضامن"، وهي أول حركة نقابية مستقلة في الكتلة السوفيتية. كانت بضع أسابيع ملهمة ولا يمكن نسيانها. فالبلد الذي قال عنه "جوزيف ستالين" إن فرض الشيوعية فيه سيكون سخيفًا بقدر محاولة وضع سرج فوق ظهر بقرة، بات يشهد ثورة سلمية. قابلت حينها امرأة مطلقة في منتصف العمر بوارسو، حيث كانت تشارك في إنشاء فرع لحركة "التضامن" بشركة الطيران الوطنية. كان لتلك السيدة ابنة في أواخر سنوات المراهقة يغمرها الحماس بشأن الحريات الجديدة التي تزدهر في بولندا.

الأحكام العُرفية
بعد مرور ثلاث سنوات، عندما بدأتُ العمل في وراسو، كانت الأجواء قاتمة. إذ استخدم الحزب الشيوعي والقوات المسلحة الأحكام العرفية عام 1981 لسحق حركة "التضامن". لقد أصرّ القائد الشيوعي " ووجسيتش جاروزيلسكي" حتى يوم مماته على أنه اتخذ تلك الخطوة الصارمة لتفادي حدوث غزو سوفيتي. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أظهرت وثائق الأرشيف التي كُشف عنها مؤخرًا زيف مزاعمه. إذْ كشفت محاضر المكتب السياسي للحزب الشيوعي أنه حتى أكثر قادة الكرملين تطرفًا خلصوا إلى أن غزو بولندا سيكون أكثر إزعاجًا مما يستحق. لقد أرادوا أن يتولى "جاروزيلسكي" مسؤولية إعادة فرض السيطرة الشيوعية.

ذهبت لأرى صديقتي في وراسو. لقد خَسِرَتْ وظيفتها في شركة الطيران الوطنية، وبدا على وجهها الحزن الشديد؛ إذ سافرت ابنتها إلى سويسرا. كل ما تبقى لها هو ميدالية صُنِعَت سرًا تكريمًا لمشاركتها أثناء سنوات مراهقتها في "الجش الوطني" الذي حارب النازيين أثناء انتفاضة وارسو عام 1944.

كان وقتًا صعبًا على الجميع، فقد خضعت لمحاكمة بتهم ملفقة مفادها أنني تسببت في حادثة مرور. في النهاية، جرى إسقاط التهم بفضل العفو الحكومي ذاته الذي أفضى لإطلاق سراح "جاك كورون" و"أدام ميكنيك" وعشرة ناشطين معارضين آخرين اتُّهموا بالتخطيط للإطاحة بالدولة. لقد كان شعورًا غريبًا أن يكون اسمي مقترنًا مع هؤلاء الرجال الشجعان الذين سيقودون بولندا في عام 1989 نحو عهدٍ ديمقراطي جديد.

تركت بولندا عام 1985، لكنني عدت إليها بصورة منتظمة في عامَي 1988 و1989. بحلول ذلك الوقت، كان المزاج يتغير مجددًا- هذه المرة نحو الأفضل، حيث قرر الحزب الشيوعي، بعد فشله في تحسين الأحوال المعيشية أو إخراس منتقديه، إضفاء الصفة القانونية مرة أخرى على حركة "التضامن". عُقدت انتخابات شبه حرة في يونيو عام 1989 نتج عنها فوز ساحق للمعارضة. لقد وصلتُ إلى بولندا بداية أغسطس 1989 لكي أحلّ محل رئيس مكتب وكالة رويترز، والذي ذهب في عطلة لبحيرات "ماسوريان" بشمال بولندا.

أداء متميز
بالرغم من أن عملية الانتقال الاقتصادي من الشيوعية كانت صعبة بالنسبة لملايين البولنديين، غير أن البلاد دخلت عملية تحديث أكسبتها سمعة طيبة بوصفه البلد صاحب الأداء الأكثر تميّزًا في منطقة شرق - وسط أوربا. أخبرني المؤرِّخ البولندي "إرنيست ويسيزكيفتش" بما يلي: "كان من السهل أن ينتهي المطاف ببولندا مثل أوكرانيا عبر سيطرة النخب الثرية والمؤثرة (الأوليغارش). وبدلاً من ذلك، كانت الإصلاحات الاقتصادية مدروسة".

واصل المؤرخُ حديثه بالقول: "لكن في أي عملية انتقال هناك مَن يكسب وهناك مَن يخسر. الكثير من الشرائح الاجتماعية خسرت. إن الوتيرة التي تغيّرت بها بولندا من بلد شيوعي كلاسيكي كئيب إلى بلد حديث كانت مذهلة، لكن الكثير من الأشخاص شعروا أن النُّخب تخلّت عنهم".

يشكّل هؤلاء الناخبون، الذين يقطنون بشكل كبير في مدن صغيرة ومتوسطة الحجم وفي الأقاليم الشرقية التي تتميز تاريخيًّا بأنها أقل تطورًا، الدعم الأساسي لحزب "القانون والعدالة"، حزب رئيس الوزراء "كازينسكي". أصبح حزب "القانون والعدالة"، عقب انتخابات عام 2015، أول حزب في مرحلة ما بعد الحكم الشيوعي ببولندا يفوز بأغلبية مطلقة في البرلمان البولندي. ومنذ ذلك الوقت، تعرّضت حكومة حزب القانون والعدالة لانتقادات في غرب أوربا بسبب تقويضها المؤسسات الحرة وحكم القانون الذي تأسس بعد عام 1989. خلال منتدى بولندي – بريطاني عُقد في فبراير بلندن، تساءل وزير الخارجية البريطاني الأسبق السير "مالكوم ريفكيند" بشكل بلاغي عما إذا كان هدف حركة "التضامن" في الثمانينات منحصرًا فقط في تحقيق الاستقلال الوطني. ألم يكن هدف تلك الحركة أيضا خلق مجتمع حرّ ومنفتح وملتزم بالقانون أيضًا؟

بالنسبة لرئيس الوزراء "كازينسكي" وحزب القانون والعدالة، فإن بولندا لم تمر بعملية تحوّل شامل عقب عام 1989. بدلاً من ذلك، فإن التحوّل من حكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية كانت نتيجة اتفاق بغيض بين النخبة الشيوعية القديمة وجناح واحد فقط داخل حركة " التضامن" لاقتسام السلطة في الدولة الجديدة، وللتخلص من أسئلة محرجة بشأن الماضي. يستخدم حزب "القانون والعدالة" نظرية المؤامرة تلك لتبرير هجمته على استقلال القضاء ولتشويهه سمعة "ليش فاليسا"- زعيم حركة "التضامن" النقابية الذي اختلف معه "كازينسكي" في بداية مرحلة الانتقال الديمقراطي- بوصفه متعاونًا بإرادته مع الشرطة الشيوعية السرية.

إن سجلّ "فاليسا" كمعارض شاب في فترة السبعينيات يُثير بعض الشكوك، لكن أي شخص، مثلي أنا، تابَعَ بشكل وثيق قيادته لحركة "التضامن" في الثمانينيات، لا يشك في مؤهلاته الوطنية.

النقطة الأكثر أهمية هي أن حزب القانون والعدالة يستفيد من شعور واسع في المجتمع البولندي مفاده أن المصلحة الوطنية لن تتحقق بالضرورة عبر نسخ النموذج الغربي الأوربي في كل المجالات. في عام 1989، كان الأمر مختلفًا، حينها كان هناك اتفاق عام على بناء ديمقراطية ليبرالية تحترم السوق الحرة، واندماج بولندا في المؤسسات الأوربية - الأطلسية، على رأسها حلف الناتو والاتحاد الأوربي. لكن اليوم، وعلى الرغم من اعتزاز البولنديين بالأمن الذي يرمز إليه اندماج بلدهم في الغرب، بيد أن النموذج الاجتماعي والثقافي الغربي يبدو أقل جاذبية. يرى البولنديون أن التعددية الثقافية والهجرة الواسعة النطاق تجلب المشاكل المتمثلة في التوترات العرقية والدينية، وحتى الإرهاب. وينظر البولنديون إلى نماذج حكم الاتحاد الأوربي، فضلاً عن بعض سياساته، باعتبارها تهديدًا للأمن القومي، وهو أمر حساس بالنسبة لبلد مُحِيَ من خريطة أوربا من عام 1795 إلى عام 1918، وعاني الأمَرَّين تحت الاستبداد النازي والسوفيتي.

بالطبع لا يشارك كل البولنديين هذه الآراء. في الواقع، فإن البلد منقسم بين مَن يحملون فكرًا ليبراليا دوليًا (وهم موجودون غالبًا في وارسو وكاركو ومدن كبيرة مزدهرة أخرى) وبين مَن يتبنون رؤية رئيس الوزراء "كازينسكي" المتمثلة في مجتمع قومي متمسك بقيمه الكاثوليكية التقليدية. تفتخر بولندا بوجود مجتمع مدني نابض، كما أن مؤسساتها التي نشأت عقب انتهاء الشيوعية لم تُجرّد بالكامل من استقلالها، ما يعني أن كل ما تحقق منذ عام 1989 لم يذهب سُدى.

شياطين "أوربان"
ينظر ليبراليو غرب أوربا إلى المجر اليوم باعتبارها أبرز مثال على استخدام القومية والشعبوية لتشويه الديمقراطية وحكم القانون، وهو اتجاه انتشر بعموم شرق ووسط أوربا في العِقد المنصرم. يتعرض استقلال القضاء والإعلام الحر والمؤسسات الأكاديمية المستقلة لضغط لا هوادة فيه من جانب حكومة "فيكتور أوربان". وعقب تعديله للنظام الانتخابي المجري في عام 2011 لصالح حزب "فيديس" الذي يرأسه، حقق "أوربان" في شهر أبريل انتصاره الساحق الثالث على التوالي في الانتخابات البرلمانية. يقول "جان ويرنر مولر"، العالم السياسي في جامعة "برينستون": إن "أوربان" يبني ما يسميه "نظام استبدادي انتخابي كامل الأركان". سيتواصل عقد الانتخابات في المستقبل، لكن إلحاق الهزيمة بحزب "فيديس" سيكون شبه مستحيل.

إن هذا الوضع يثير استغراب الكثيرين الذين عرفوا المجر في نهاية الفترة الشيوعية باعتبارها الدولة الأقل قمعًا في الكتلة السوفيتية. أثناء زيارتي الأولى إلى "بودابيست" عام 1981، تفاجأت باللهجة الشجاعة التي تحدث بها المجريون في مجالسهم الخاصة عن ذكريات الحملات الوحشية التي شنّها الجيش الأحمر في بلدهم بنهاية الحرب العالمية الثانية، والديكتاتورية الستالينية للزعيم الشيوعي "ماتياس راكوسي"، وانتفاضة عام 1956 المناهضة للشيوعيين. تحدث العديد من الأشخاص بإعجاب عن الديمقراطية الغربية الليبرالية، لا سيما نموذج ويستمنيستر، الذي يبدو أن معرفتهم به كانت بنفس مقدار معرفتهم بتفاصيل حفل الزفاف الذي جرى في ذلك العام بين الأمير تشارلز والأميرة ديانا.
 
من بين العوامل التي تفسّر نجاح "أوربان" هو عدم كفاءة الحكومات اليسارية التي حكمت المجر من عام 2002 إلى 2010، وكما هو الحال في بولندا، يشعر الناس في المدن الإقليمية والبلدات الصغيرة والمناطق الريفية، أنهم لم يستفيدوا من الانتقال من الشيوعية للسوق الحر.

لقد نجح "أوربان" على نحو أكثر فاعلية مقارنةً مع السياسيين الآخرين في إحياء الشعور الوطني بالمظلومية الناتج عن معاهدة "تراينون" عام 1920، والتي قلّصت من حدود المجر وجعلت عدة ملايين من المجريين يعيشون اليوم كأقليات في رومانيا وصربيا وسلوفاكيا وأوكرانيا. ومنذ أزمة اللاجئين والمهاجرين الأوربية عام 2015، سعى "أوربان" حثيثًا لتقديم نفسه باعتباره حامي المجر قلعة الحضارة المسيحية، حيث قال في الرابع من مايو في مقابلة إذاعية: "سنحمي الثقافة المجرية والثقافة المسيحية.. لن نسلّم البلد للأجانب، وستبقى المجر كبلد للمجريين".

إن شياطين "أوربان" هي الإسلام، سواء داخل أوربا أو خارجها، ومؤيدو القبضة المركزية لمؤسسات الاتحاد الأوربي في بروكسل، والأمميون الليبراليون مثل "جورج سوروس"، رجل الأعمال الأمريكي المجري المولد الذي يعتنق اليهودية، مع ذلك ينفي "أوربان" تبنيه لأفكار معادية للسامية. ومثل الرئيس ترامب، لا يقاتل "أوربان" في منافسات سياسية تقليدية، لكن في حروب ثقافية. ورغم الانتقادات الموجَّهة لميوله الاستبدادية في غرب أوربا، إلا أن "أوربان" يحظى بحماية قيّمة بفضل عضوية حزبه "فيديس" في حزب "الشعب الأوربي"، وهو مجموعة سياسية أوربية تنتمي ليمين الوسط. كما أنه يسعى بعناية لمغازلة قادة حزب "الاتحاد المسيحي الاجتماعي" بولاية "بافاريا"، والذين يتعاطفون مع آرائه المتشددة بشأن المهاجرين والإسلام. وبالرغم من كل هذا، إلا أن "الديمقراطية غير الليبرالية" التي يمثلها أوربان ربما تكون أقل قوة مما تبدو عليه. فالمجريون لا يساورهم شك بشأن الفساد والمحسوبية التي تميّز أساليب حكمه. فبعد حرمانهم من إمكانية الإطاحة بحزب "فيديس" عبر انتخابات حرة، لجأ المواطنون منذ شهر أبريل إلى تنظيم مظاهرات شعبية كبيرة في بودابست. إن نهاية "أوربان" ليست قريبة، لكن السؤال الآن هو متى، وليس هل، سينهار نظام أوربان تحت ضغط غطرسته.

مفارقات منطقة البلقان
تختلف معظم دول يوغسلافيا السابقة عن المجر وبولندا من ناحية أنها تكافح للتخلص من القومية المسلحة، والمنافسات العِرقية الداخلية، والنزاعات الحدودية، والمؤسسات الهشة، والفساد والجريمة المنظمة التي استفحلت في تلك البلدان عقب انهيار يوغسلافيا عام 1990-1991.

سلوفينيا وكرواتيا هما الدولتان الوحيدتان من بين جمهوريات يوغسلافيا الست، اللتان استطاعتا دخول الاتحاد الأوربي. تحاول بروكسل في هذا العام أن تعيد الحياة إلى عملية الانضمام لمنطقة تحب أن تسميها "البلقان الغربي". وهي تضم ألبانيا والبوسنة وكوسوفو ومقدونيا والجبل الأسود وصربيا.

مع ذلك، فإن الحقيقة هي أن الاتحاد الأوربي، المنزعج من تدهور حكم القانون في بعض الدول الشيوعية السابقة التي انضمت للاتحاد بين عامَي 2004 و2007، بات الآن يضع شروطًا صعبة على الدول الطامحة للدخول في عضويته. علاوة على ذلك، بالرغم من حديث النخب البلقانية الإيجابي عن الرغبة في الانضمام للاتحاد الأوربي، وتبنّي معايير الاتحاد فيما يتعلق بالحوكمة، إلا أن بعض النخب في البلقان على أرض الواقع لديها شواغل أخرى. يعتقد الكثيرون في البلقان، مستفيدين من دروس التاريخ البلقاني، أن سلطتهم واستقلال بلدهم تتطلب إجراء توازن مع القوى غير البلقانية، بدلاً من وضع كل بيضهم في سلة واحدة تُسمى "الاتحاد الأوربي".

في عام 1989، كنتُ أعيش في بيت من طابق واحد في "بلغراد" بالقرب من ملعب "النجمة الحمراء". وكان يقع بالقرب من بيتي متجر لبيع الآيس كريم يملكه "زيلجوك رازناتوفيتش"، المعروف باسم "أركان"، هو قائد صربي قومي متطرف ترأس جماعات مسلحة شبه عسكرية، وقد جرى اتهامه بارتكاب جرائم حرب في الصراع البوسني الذي وقع بين عامَي 1992-1995.

في الحي الذي كنت أقطن فيه، كانت هناك علامات تشير إلى تصاعد القومية الصربية. وفي أحد الأيام توقف السوبر ماركت في منطقتي عن بيع البيرة السلوفينية كجزء من المقاطعة التي دعا إليها "سلوبودان مليسوفيتش"، القائد الصربي. وأثناء زيارتي الأولى لكوسوفو، وكانت حينها إقليمًا صربيًا، رأيت أمثلة على التمييز المُمارَس ضد السكّان الألبان.

إن المفارقة في دول البلقان تتمثل في أن دول المنطقة وحكامها أقوياء وضعفاء في الوقت ذاته. فهم أقوياء كفاية للتلاعب بالانتخابات، وتطويع القانون لخدمة أهدافهم. وهم ضعفاء لأنهم غير قادرين على توفير ما يكفي من الوظائف والأمن المالي أو الرفاه لملايين المواطنين. لا تجذب تلك الدول إلا القليل من الاستثمارات الأجنبية، وهي بعيدة عن سدّ فجوة الرخاء التي تفصلها عن جمهورية التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا، ناهيك عن أوربا الغربية.

في الوقت ذاته، تُستخدم النزاعات السياسية والعِرقية بصفتها مبررًا مثاليًا لاحتفاظ القادة السياسيين بقبضتهم على السلطة. إن السبب وراء عدم التوصل إلى مصالحة في البوسنة ليس بسبب أن البوسنيين والكروات والصرب العاديين مازالوا أسرى الذكريات المريرة، ولكن لأن قادتهم السياسيين يعملون على إبقاء تلك العداوات العِرقية مشتعلة. إن مقدونيا هي الدولة الوحيدة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوربي التي استطاعت إحراز أكبر تقدم في التغلب على توتراتها الداخلية، إذ كاد أن يؤدي تمرد الأقلية الألبانية عام 2001 إلى حدوث حمّام دم في هذا البلد. لكن طريق مقدونيا نحو عضوية الاتحاد الأوربي وحلف الناتو مغلق بسبب خلافها مع اليونان حول اسمها، الذي يشبه اسم إقليم داخل اليونان.

تهديدات ضد حكم القانون
إن انضمام مقدونيا وجيرانها للاتحاد الأوربي يبدو بالنسبة لي أمرًا ستحدّده بشكل كبير التصورات الغربية تجاه دول شرق ووسط أوربا. في وقت يجهّز فيه الاتحاد الأوربي ميزانيته لعام 2021-2027، يتزايد دعم بعض الحكومات الغربية لمقترح يقضي بأن يكون تدفق أموال المساعدات للمجر وبولندا ودول أخرى مشروطًا باحترامها لحكم القانون.

ولو دخل هذا المقترح حيز التنفيذ، ستكون هناك ردة فعل قوية من المجر وبولندا، وربما من بلغاريا ورومانيا ودول أخرى. في غضون ذلك، ربما يتراجع السياسيون في دول البلقان عن السعي للانضمام لنادٍ لديه النيّة لمعاقبة أعضائه، وهو ما يتعارض مع تقاليده الأساسية. وبهذه الطريقة، سيجري القضاء على أي فرصة لاندماج البلقان في المؤسسات الغربية. وستصبح تلك المنطقة عُرضة للتلاعب من جانب قوى خارجية – لا سيما روسيا وتركيا - وستتأثر سلبيًا بسبب حالة عدم الاستقرار الداخلي فيها.

هناك تزايد في خيبة الأمل المتبادلة بين الغرب والشرق، كما أن هناك تضاربًا في المصالح بالكثير من المجالات السياسية، حتى أن هناك قيمًا بعينها يبدو أنها تتباعد بين الطرفين. هل ستدمر تلك التوترات رؤية "أوربا موحّدة وحرة" التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق "جورج بوش الأب" عام 1989؟

بعد مشاهدتي لفرحة التحرّر من الشيوعية، أنا بصدق لا أتمنى حدوث هذا. لكن ذلك يتطلب التزامًا أكبر تجاه تلك المنطقة من قِبل بروكسل وحكومات الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية. فمن غير المرجح أن يمتلك الاتحاد الأوربي القوة الكافية، وبعض أعضائه ربما لا يهتمون حتى بما يكفي للحفاظ على منجزات عام 1989. لهذا فإن التصدعات الظاهرة في العالم الغربي مزعجة للغاية. إن انزلاق التحالف الأطلسي في مشاكل أعمق سيخيّم بظلاله السوداء على آفاق الحرية والديمقراطية والاستقلال الوطني في منطقة شرق ووسط أوربا.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ترجمات شهاب ممدوح تشاتام هاوس

اضف تعليق