دبلوماتيك | التحرر من البيروقراطية السياسية.. تعرف على النهج الجديد لدى القيادة اليابانية


١١ يناير ٢٠١٩ - ١٢:٠٠ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



على الرغم من الاهتمام الكبير الذي حظيت به دبلوماسية رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي وإصلاحاته الداخلية, غاب نهج إدارته تجاه صناعة السياسة الخارجية عن الملاحظة. في الوقت نفسه, شهدت ولايته الثانية الحالية تغييرًا كبيرًا في عملية اتخاذ القرار, في ظل القضاء على النفوذ التقليدي القوي للبيروقراطية اليابانية، فيما أصبح رئيس الوزراء يمارس المزيد من السيطرة على وزارة الخارجية من خلال مقر رئيس الوزراء, أو الكانتاي؛ ونتيجة لهذا, انتقل مصدر الدبلوماسية اليابانية من المؤسسات البيروقراطية إلى الكانتاي, بينما أُحيل مسئولو السياسة الخارجية, الذين كانوا مسئولين في السابق عن صياغة الاستراتيجية الدولية لليابان, إلى تطبيق السياسات التي تُقرَّر على المستوى التنفيذي.

ووفقًا للحكمة التقليدية؛ تكون عملية صناعة السياسة في اليابان فعّالة فقط عندما يتعاون القائد مع البيروقراطية, ويحظى بدعمها, ويستفيد من خبرتها، أصبح هذا جليًا على نحو خاص خلال ولاية يوكيو هاتوياما القصيرة من الحزب الديمقراطي الياباني. رغب هاتوياما وزملاؤه الأعضاء بالحزب في تحقيق "قيادة سياسية"، والتي بواسطتها سيتخذ ممثلو الشعب القرارات السياسية الكبرى عوضًا عن المسئولين غير المُنتخبين؛ ومن ثم, حاولت إدارة هاتوياما تحييد النفوذ البيروقراطي وتمكين الفرع التنفيذي بدلًا منه، بيد أنه بالرغم من الإصلاحات الإدارية المختلفة, نجحت فقط في إضعاف البيروقراطية وليس في تعزيز السياسيين.

ولأن الحزب الديمقراطي الياباني لم يمتلك خبرة مسبقة في الحكم, وفي حين أنه جرى تجنب النصيحة والخبرة البيروقراطية عن عمد, ترأس هاتوياما الفترة الأكثر سوءًا من ناحية التنسيق والترابط في السياسة الخارجية اليابانية. كان على ناوتو كان, الذي خلفه كرئيس للوزراء, أن يُنهي سريعًا تجربة "القيادة السياسية" ويعيد البيروقراطية مجددًا. كان من الواضح أن خوض حرب علنية مع البيروقراطية قد يضر بعملية صناعة السياسات.  

على النقيض من ذلك, أشار آبي إلى رغبته في التعاون بشكل وثيق مع المسئولين عقب فترة قصيرة من تعيينه رئيسًا للوزراء في ديسمبر 2012. في الوقت نفسه, كان نهجه في صناعة السياسة الخارجية عمليًا للغاية وبدأ تدريجيًا في تشديد السيطرة على وزارة الخارجية, في الوقت الذي أحال المزيد من السلطة إلى الكانتاي. أصبحت قبضة آبي على الدبلوماسية كبيرة جدًا لدرجة أنه وصل إلى الحرية المطلقة في تطبيق أجندته دون أن يكون عليه القلق من صدور رد فعل عنيف من المؤسسة البيروقراطية. هناك ثلاثة عوامل وراء نجاح آبي في تحجيم السلطة البيروقراطية واستعادة المركز القيادي في عملية صناعة السياسة الخارجية.

أولًا, مثلما أشار ماركوس وينتر في تحليله السابق على موقع The Diplomat, العمر السياسي الطويل لآبي كرئيس للوزراء يتعارض مع "الباب الدوار" للقادة اليابانيين. وعلى الرغم من أن معظم رؤساء الوزراء منذ أواخر الثمانينيات يشغلون مناصبهم لحوالي عامين فقط, استمرت ولاية آبي لست سنوات, ما يجعله ثالث أطول رئيس وزراء ياباني من حيث مدة الحكم.

يتميز هذا الاستقرار أيضًا ببعض الأعضاء الآخرين في حكومته، على سبيل المثال, ظل فوميو كيشيدا وزيرًا للخارجية لخمس سنوات حتى 2017, بينما احتفظ أمين مجلس الوزراء الياباني يوشيهيد سوجا (المسئول عن التنسيق بين مجلس الوزراء والبيروقراطية) ومستشار الأمن القومي شوتارو ياشي بمناصبهما خلال التعديلات الحكومية. وبسبب ذلك, نجحت إدارة آبي في تنمية علاقة وطيدة مع المسئولين عن صناعة السياسة الخارجية؛ ما يُسهّل دفعهم باتجاه تطبيق أجندته، وبالمثل, يفهم البيروقراطيون أنه على عكس الكثير من رؤساء الوزراء السابقين, يمتلك آبي الوقت والسلطة لمتابعة مبادراته, ومن ثم لم يعد بإمكانهم تجاهل سياسات الحكومة أو تثبيطها.

ثانيًا, عزز آبي سلطات الكانتاي للوصول إلى عملية صناعة سياسة مركزية من الأعلى للأسفل وضمان امتثال البيروقراطية لأجندته. يمكن تفسير أسلوب القيادة الشخصي الذي يمارسه آبي عن طريق مهمته الأولى غير الناجحة في 2006-2007, التي انهارت جزئيًا بسبب أخطاء من عيّنهم. ولذلك, عندما عاد إلى الحكومة في 2012, قرر الحفاظ على قبضة حديدية على عملية اتخاذ القرار والمشاركة فيها بأكبر قدر ممكن، وفي الكانتاي, يخضع تطبيق البيروقراطية لسياسات آبي لإشراف أمين مجلس الوزراء الياباني يوشيهيد سوجا, أحد أقوى أعضاء فريق آبي, الذي على ما يبدو لا يمتلك أية ميول أيديولوجية محددة ويسترشد بمفاهيم الكفاءة في المقام الأول.

إن مستوى مشاركة سوجا في العملية السياسية كبير لدرجة أنه يصر على مراجعة كل السياسات المتعلقة بالصين بنفسه. وفي جهد لنقل السلطة من الفرع البيروقراطي إلى الفرع التنفيذي, شكّل آبي هيئة جديدة تُدعى (مجلس الأمن القومي) التي تخضع للكانتاي مباشرة. كان هذا المجلس المكلّف بصياغة استراتيجية الأمن اليابانية, برئاسة شوتارو ياشي, مستشار آبي للسياسة الخارجية، وقد عُيّن حليف آبي الأيديولوجي, إيشيرو كوماتسو, رئيسًا للمكتب التشريعي للكانتاي، ويمكن رؤية أحد الأمثلة الأخرى على محاولة آبي لنقل المبادرة في الشئون الخارجية بعيدًا عن المؤسسات البيروقراطية في تعيينه لكيشيدا, وإيتسونوري أونوديرا, اللذين يُعدّان دون ثقل سياسي, في منصبَي وزير الخارجية ووزير الدفاع تباعًا.

وأخيرًا, ضمن آبي امتثال مسئولي السياسة الخارجية عبر نظام تعيين الموظفين. ففي 2014, أسست إدارته مكتب مجلس الوزراء لشئون الموظفين الذي رأسه حليف آخر لآبي, وهو كاتسونوبو كاتو، منحت الهيئة الجديدة آبي وساجا السلطة لتعيين أكثر من 600 بيروقراطي في مناصب رفيعة بوزارات وهيئات مختلفة, وهي زيادة كبيرة على سلطة الحكومات السابقة. والأكثر أهمية, في حين أن رؤساء الوزراء قبل آبي كانوا يشرفون على تعيين 200 مسئول في مناصب عليا, نادرًا ما استفادوا من تلك السلطة, بل كانوا يوافقون بشكل روتيني على الترقيات المقررة بالفعل، وعلى النقيض, استخدم آبي السلطة الموسعة بفاعلية لكي يشرف بنفسه على التعيينات البيروقراطية الرفيعة, وهكذا يقود المسئولين, وإن كان بصورة غير مباشرة, نحو تطبيق أجندته. على سبيل المثال, عيّن آبي حليفًا سياسيًّا آخر له, وهو أكيتاكا سايكي, في منصب نائب وزير الخارجية للشئون الإدارية.

مع هذا, الشيء المتأصل في هذا النهج الشخصي الخاص بالسياسة الخارجية هو خطر تضييق الخناق على البيروقراطية أكثر من اللازم، وفي حالة حدوث ذلك, ربما يتوقف المسئولون عن الإعراب عن اعتراضهم على السياسات محل الخلاف بدافع الخوف من إطاحة الحكومة بهم أو إنهائها لطموحاتهم المهنية.

إن تحول البيروقراطية إلى ختم موافقة للفرع التنفيذي وقولها لأشياء جيدة بدلًا من الأشياء الصحيحة يهدد بتقويض نظام الضوابط والموازين الضروري في الدولة الديمقراطية.

وفي حين أن إدارة آبي لم تقدّم وعودًا  بالقيادة السياسية القوية أو تهدد مباشرة المصالح البيروقراطية بالطريقة التي فعلتها حكومة الحزب الديمقراطي الياباني في البداية, غير أنها حققت نجاحًا ملحوظًا في الحد من دور البيروقراطية الضخم في صناعة السياسة الخارجية وضمان التطبيق الانسيابي والسلس لأجندة رئيس الوزراء الدبلوماسية. وعن طريق ممارسة السيطرة على المسئولين من خلال سياسة توظيف مخصصة, جعلهم آبي يتبعون خطاه بفاعلية، ورغم أن هذا النهج محفوف بخطر أن تتوقف البيروقراطية في النهاية عن تقديم ثقل موازن لمقترحات مجلس الوزراء ويتوقف بشدة على الإرادة السياسية لرئيس الوزراء, وكذلك أيضًا على كفاءة فريقه, نجحت حكومة طوكيو حتى الآن في انتزاع السيطرة على اتخاذ القرار من البيروقراطيين وأمّنوا دعمهم لسياساتها.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق