راند | إعادة إحلال.. هل سيعود تنظيم القاعدة للواجهة بعد انهيار داعش؟


١٩ مارس ٢٠١٩ - ٠٤:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



مع خسارة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لآخر أراضيه, تدخل الحركة الجهادية العالمية مرحلة جديدة, والآن يبرز التساؤل الذي يشغل أذهان الكثيرين وهو: هل سيستطيع تنظيم القاعدة استغلال تلك اللحظة واسترداد المكانة المهيمنة كأقوى تنظيم إرهابي جهادي سُني في العالم؟ لكن يبقى العامل الأهم في تحديد المسار المستقبلي لتنظيم القاعدة وهو ما تعلمته الجماعة على مدار السنوات الخمس الماضية، وكيف أنها تسعى لتطبيق التغيير في التنظيم.

وإذا كان استعراض الأمور المعروفة عن الجماعات الإرهابية والتعلم التنظيمي يُعد مؤشرًا, سوف يبني تنظيم القاعدة على تجربته الأخيرة في سوريا وغيرها من الأماكن لإعادة تأكيد نفسه كقوة مهيمنة.

وتؤثر مجموعة من العوامل المتعلقة بالسياق والظروف على التعلم التنظيمي. إن البيئة التي يعمل بها الكيان تعد واحدًا من العوامل الأكثر هيمنة التي تؤثر على استعداده وقدرته على التعلم، والبيئة هي المختبر حيث يحدث التعلم, وتساعد في تشكيل الفرص المتاحة للجماعة الإرهابية لكي تلاحقها، ولا شك أنها تؤثر أيضًا في مدى نجاح محاولة التعلم، ويشمل السياق العقبات أو التحديات التي يجب التغلب عليها, أو على الأقل تخفيفها, لكي تتعلم منها الجماعة.

وعلى مدار الأعوام الخمسة الماضية, كانت قوات مكافحة الإرهاب الغربية مركزة بشدة على محاربة تنظيم داعش, ما زوّد القاعدة بمساحة تشغيلية لكي تناور وتخطّط وتتدرب من جديد.

ومن خلال فروعه في سوريا والصومال واليمن وغرب أفريقيا, استفاد تنظيم القاعدة من الدول الضعيفة والفاشلة, حيث حوّل المساحات غير المحكومة إلى مساحات ذات حكم بديل, ووفرت الجماعات التابعة للقاعدة التي تعمل على مستويات شعبية الحوكمة لكي تحصل على الشرعية السياسية لدى السكان المحليين، وكانت تلك سمة مميزة لفرع القاعدة في سوريا, حيث هدأت الجماعة من نبرتها وقارنت سيطرتها بسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية الأكثر وحشية، بالإضافة إلى هذا, يبدو أن القاعدة هي آخر جماعة متمردة صامدة في سوريا, على الأقل حتى الآن, متحصنة بإحكام في أنحاء محافظة إدلب.

وفي السياق، تبدو الولايات المتحدة قلقة أيضًا بشأن انتشار القاعدة في جنوب غرب ليبيا, وكذلك بشأن مخزونات الأسلحة الطليقة في أنحاء المغرب العربي والساحل، وما يشكّل مصدر قلق أيضًا هو انتشار أنظمة الدفاع الجوية المحمولة التي لا يزال 15 ألف منها مفقودة؛ ما يشكّل في الأخير تهديدًا كبيرًا على الطيران المدني.

بناءً على ذلك, يمكن أن تميل الجماعة الإرهابية لتخصيص موارد معينة للتعلم. على سبيل المثال, عندما تكون تحت الحصار بسبب الضربات الجوية الثابتة, تُخصص الجماعة معظم جهودها للنجاة, ويستهلك الأمن التشغيلي حيزًا أكثر من المعتاد, بينما يُوجه نصيب الأسد من الموارد إلى القدرات العسكرية، أما الظروف أيضًا فترتبط بقدرة الكيان على التعلم والتكيف، وعندما تمر البيئة التشغيلية بتغيير كبير, ربما تُجبَر الجماعات الإرهابية على تطبيق تغييرات جذرية أو تخاطر بأن تصبح مهمشة.

وتحتاج الجماعات أيضًا أن تكون انتهازية وذكية بما يكفي للاستجابة بفاعلية بينما تتغير الحركيات السياسية. وفي ظل سحب إدارة ترامب للقوات الأمريكية من مناطق مثل سوريا وأفغانستان وغرب أفريقيا, ستحظى "القاعدة" على الأرجح بفرصة للسيطرة على مزيد من الأراضي, لا سيما في مناطق مثل الساحل وربما أفغانستان, إذا أدى انسحاب القوات الأمريكية إلى تقديم طالبان ملاذًا آمنًا للقاعدة في المستقبل.

إن الجهات الفاعلة التي تفكر في أبعد من نجاتها الفورية تتجه لا محالة إلى غرس ثقافة التعلم، فيما تتيح "الذاكرة التنظيمية" للجماعة الاستفادة من قدرات أعضائها دون الاعتماد على فرد واحد فقط أو كادر واحد من المواهب. بعبارة أخرى, تساعد الثقافة التنظيمية في صمود الأفكار بعد رحيل الأفراد لفترة طويلة؛ ما يوفر آلية بقاء للجماعات التي تواجه قيادتها خطر أن تتعرض للقتل أو الأسر بشكل مستمر. وطوال عقود الألفية الثانية, أصدرت الولايات المتحدة سيلًا متواصلًا من التصريحات التي تفيد بأن "الرجل الثالث" في القاعدة (بعد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري) قد قُتل, وهي ملحوظة تحولت إلى مزحة دارجة في أوساط الباحثين المتخصصين في الإرهاب بسبب معدل تواترها، وتصبح المعرفة ذات طابع مؤسسي على المستوى التنظيمي عندما يتم امتلاك المعلومة, وتوسيعها, أو تحسينها مع مرور الوقت، كما تستطيع الجماعات الصامدة أن تمرر المعلومات والتكتيكات والأساليب والإجراءات الناجحة إلى الجيل التالي.

وتجدر الإشارة إلى أن العام الماضي شهد مرور 30 عامًا على تأسيس القاعدة. إنها تبدو الآن مستعدة للازدهار في عقدها الرابع, مستعيدة نشاطها وعلى الأرجح تحت قيادة حمزة, نجل أسامة بن لادن.  

وعندما تستطيع الجهات الفاعلة من غير الدول التواصل بفاعلية داخل وعبر تنظيماتها, تُظهر قدرة على نقل المعرفة وأفضل الممارسات والدروس المستفادة عبر الشبكات الشخصية ومن المستويات العليا للقيادة. إن التعلم الفعّال على المستوى التنظيمي يتجاوز المواهب الفردية، وتستطيع المنظمة هيكلة والتأثير في كيفية تعلم أعضائها وأتباعها. مرة أخرى, القاعدة مفيدة هنا، حيث استطاع منفذو تفجيرات ماراثون بوسطن أن يبنوا قنابلهم بمساعدة المجلة الإلكترونية للقاعدة, Inspire, التي قدمت الإرشادات اللازمة لتمرلان وجوهر تسارناييف لكي يصنعا أجهزتهما المتفجرة. ويمكن تبادل المعرفة الصريحة التي تشمل المعلومات المكتوبة على الشبكة العنكبوتية, بسهولة؛ شريطة أن يكون ذلك النقل عبر لغة مشتركة. بيد أن الشيء الأكثر قيمة بالنسبة للإرهابيين هو نقل المعرفة الشخصية, التي يمكن أن تساعد في غرس المعرفة العملية والتجريبية التي تحظى بقيمة لدى الإرهابيين أكبر من المستندات أو كتيبات الإرشادات الموجودة على الإنترنت. كانت سوريا مختبر التعلم الأحدث للجهاديين المنتسبين للقاعدة, فهي أرض واسعة سافر إليها الجهاديون وكونوا شبكات وتعلموا وانتشروا. وقد أظهرت الصراعات السابقة في أفغانستان والبوسنة والشيشان والعراق فائدة الوصول إلى معسكرات التدريب, التي توفر للمسلحين الفرصة لتبادل التكتيكات وبناء الخبرة في صنع القنابل والاتصالات المشفرة والاستخبارات المضادة. وتخدم هذه المعسكرات أيضًا كنقاط مركزية لتلقين ونشر الدعاية التي تعزز جاذبية القاعدة وأيديولوجية "بن لادن".

إن أحد الدروس التي يمكن للجهات الفاعلة تعلمها من دراسة سلوكيات الآخرين هو ما إذا كانت قاعدة معرفتهم قديمة أو غير فعالة، غير أن الكيانات التي تبقى متماسكة وسط التقلبات تعيد باستمرار تأكيد الافتراضات, التي تشمل تساؤلات حول ما إذا كانت المعرفة القديمة لا تزال سارية أو صحيحة, وما إذا كان الروتين الحالي لا يزال فعّالا أم يجب نبذه لصالح أساليب أخرى ولماذا. وتتأثر القدرة على التعلم بتصميم على قبول المخاطر والتساهل مع الاستقلال الذاتي على المستويات الدنيا. لقد شجع الأسلوب التنظيمي للقاعدة تبني أساليب إرهابية مبتكرة, من ضمنها تلك التي ابتكرها أفراد من خارج الحدود التنظيمية للجماعة, مثل العقل المدبر التشغيلي للقاعدة "خالد شيخ محمد". إن واحدة من الطرق التي ستسعى القاعدة من خلالها لتعزيز تنظيمها هي عبر إعداد وفحص المجندين بطريقة الموارد البشرية. ومن الناحية التاريخية, اشتركت القاعدة في "اكتشاف المواهب"، مثلما ذكرت خبيرة الإرهاب "ميا بلوم" للمساعدة في عملية التجنيد, وعن طريق تمييز مهارات مجنديها لكي تجد الطريقة الأكثر فاعلية للاستفادة من مهارات كل فرد منها.

وتعتمد الاستراتيجيات التي تحتاج لأن تكتسب الجماعات أو تطور تكنولوجيات جديدة على عدد من العوامل: أحد العوامل الرئيسية من ضمنها هو قدرة الجماعة على بناء أو تعديل التكنولوجيا داخل التنظيم, أو على بناء دفتر علاقات شخصية يحتوي على جهات الاتصال المناسبة للمساعدة في التعامل مع كل عنصر من العناصر الحساسة، ولا شك أن خبرة القتال في سوريا وسّعت جهات اتصال القاعدة, ونظرًا لانتشار الجماعات الجهادية حول العالم  (67 جماعة نشطة حتى 2019) ستكون هناك المزيد من الفرص للقاعدة لكي تعمل مع إرهابيين أصحاب عقول مشابهة من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. وقد تضاعف التهديد بالعولمة, حيث باتت الحواجز أمام الدخول من أجل تسخير قوة التكنولوجيا أقل من أي وقت مضى. وبعد التمتع بنوع من النهضة في سوريا, تتباهى القاعدة الآن بشبكة أكثر قوة ومن الممكن أن تسعى لمتابعة عدة أنواع مختلفة من التعاون. ومثلما أثبت تاريخها, نجحت القاعدة في تجاوز العقبات أمام تكوين التحالفات التي اجتاحت الجماعات الإرهابية الأخرى.

وبينما كان العالم مركزًا على ظاهرة داعش منذ ظهور الجماعة في 2014, توددت الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا, واليمن وفي أنحاء غرب أفريقيا إلى المسلحين المحليين. وكما ذكر البروفيسور في جامعة جورج تاون "بروس هوفمان": كانت استراتيجية "القاعدة" على مدار السنوات الخمس الماضية هي إعادة البناء الذي يتسم بالهدوء والصبر.

وعن طريق الاشتراك في صراعات معينة والتي تكون مؤثرة وذات دلالة رمزية كبيرة, مثل إقليم كشمير المتنازع عليه, قد تلمع القاعدة صورتها بصفتها الطليعة الحقيقية للمتمردين الإسلامويين الملتزمين بالدفاع عن المسلمين، وأخيرًا إذا استطاعت الجماعة تركيز مواردها بنجاح على ضرب الغرب, فإنها قد توفر الشهرة التي تصاحب الهجمة الإرهابية واسعة النطاق، الزخم اللازم لكي تحل "القاعدة" محل "داعش" كقائد للحركات الجهادية العالمية.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق