ذى أتلانتيك | تصدع الحزب الحاكم.. تعرف على أسباب أفول حزب العدالة والتنمية في تركيا


٢٤ أبريل ٢٠١٩ - ٠٥:١٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



في صيف عام 2001، تعهّد رجب طيب أردوغان، عمدة مدينة إسطنبول السابق ذو الشخصية الكاريزمية، بإحداث تحوّل في السياسة التركية. قال أردوغان آنذاك: "إن فترة السياسة المتمحورة حول الذات قد انتهت"، معلنًا تأسيس حزب العدالة والتنمية. وأضاف أردوغان: "لن نطيع أو نمجّد أي شخص. هناك فريق سيدير الحزب، والقائد لن يهيمن عليه. مَن يأتون بالانتخابات يرحلون بالانتخابات".

تحمل هذه الوعود في طياتها شيئًا من المفارقة اليوم؛ فالحزب الذي بُني على أساس التعبئة الشعبية والحكم المحلي، بات  يُحكم من جانب أولئك الموجودين في القمة. يخشى المستثمرون الأجانب الذين ساهموا في تحقيق تركيا نموًا اقتصاديًا غير مسبوق في السنوات الماضية، من تآكل المؤسسات المستقلة هناك. يُعتقل منتقدو الحكومة في وقت متأخر من الليل بسبب تغريدة مُهينة للرئيس. لكن التعهّد الخاص بسموّ الإرادة الشعبية، بقي سليمًا كما هو إلى حد كبير. منذ عام 2002، كانت قوة حزب العدالة والتنمية تكمن في حقيقة لا يمكن إنكارها: الحزب يستمر في الفوز بالانتخابات.

الآن، ربما أصبح هذا المبدأ الأساسي على المحك، وذلك في أعقاب الانتخابات المحلية في الشهر الماضي، حيث قدّم الحزب طعونًا في نتائج العديد من المدن التي لم يفز فيها بالغالبية. في مدينة إسطنبول مثلاً، دفع الحزب باتجاه إعادة فرز الأصوات، وقد استغرقت تلك العملية ما يزيد على أسبوعين. وقبل وقت قصير من إعلان هيئة الانتخابات فوز مرشح المعارضة "أكرم إمام أوغلو" بمنصب عمدة إسطنبول، قدّم الحزب أيضًا طلبًا بإلغاء نتائج الانتخابات وإعادة التصويت 

لقد أوصلت تلك الخطوات الانقسامات وحالات السخط الموجودة بالفعل داخل حزب العدالة لدرجة الغليان؛ فلسنوات عديدة، عبّر أعضاء في الحزب سرًا عن إحباطاتهم ومخاوفهم، لكن حينها لم يكن يستمع إليهم أحد. ونظرًا لصدمتهم من الأحداث الاخيرة، قرّر بعضهم الآن التحدث بصوت مرتفع، مُقدمين لمحة نادرة عن حزب بدا أنه نسي المبادئ التي كان يمثّلها.

يحذّر المعارضون  داخل الحزب من أن الدفع باتجاه إلغاء نتائج الانتخابات، لن يضرّ بالديمقراطية التركية فحسب؛ بل بمستقبل حزبهم أيضًا.

أخبرني "كمال أوزتورك"، وهو متحدث سابق لأردوغان وشغل سابقًا منصب رئيس وكالة أنباء الاناضول الحكومية من عام 2011 إلى 2014، بما يلي: "أنا أعبّر عن انتقادي لأن الآخرين لا يفعلون ذلك"، وأضاف: "أنا عضو في حزب العدالة والتنمية وأرغب في بقاء الحزب في السلطة. ولكي يحدث هذا، ينبغي أن يجدّد الحزب نفسه باستمرار".

وتابع "أوزتورك": إن هناك مشاكل بنيوية أصابت حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، وذلك منذ تبنّيه نهجًا أكثر قومية. وأردف: إن تزايد هذه النزعة القومية، يعكس اتجاهًا عالميًا، وأن هذا كان جزءًا من ردة فعل على ما فُهم بأنه مشاعر معادية للأتراك في الغرب. ومع تدهور العلاقات مع أوروبا، ترك العديد من الليبراليين الحزب، كما تراجع التزام الحزب تجاه مبدأ الجدارة والكفاءة.

ووفقًا لـ "غالب دالاي"، وهو باحث زائر في جامعة أوكسفورد"، فإنه نتيجة لهذا الوضع، حلّ المقرّبون من أردوغان محل السياسيين المتمرسين. ويقول "دالاي": إن "الرئيس أردوغان يفضل الولاء على أي شيء آخر"، مضيفًا أن "هذا عزّز من سياسة المحسوبية وأدى لبروز نَجم طبقة من المحترفين الوصوليين. يضع هؤلاء الأشخاص مصالحهم الخاصة فوق كل اعتبار، وهم يؤجّجون المنافسات الشخصية داخل الحزب".

عبّرت أربعة مصادر لها علاقات داخل حزب العدالة والتنمية - وكلهم طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خشية الانتقام - عن خشيتها تحديدًا من تزايد نفوذ صهر أردوغان "بيرات البيراق"، الذي عُيّن وزيرًا للمالية العام الماضي. تقول هذه المصادر إن خسارة الانتخابات في إسطنبول مرتبطة على الأقل جزئيًا بصراع على السلطة بين "لبيراق" و "بن علي يلدرم" مرشح حزب العدالة لرئاسة بلدية إسطنبول. ووفقًا لأحد هذه المصادر، وهو مستشار سياسي سابق ما يزال على اتصال مع قيادة الحزب، فإن الرجلين تصادما لأن "البيراق" طلب المحافظة على نفوذه في إدارة المدينة مستقبلاً، وهو ما قوّض حملة "بن يلدرم" الانتخابية التي كانت باهتة أصلاً.

إن هذا الصراع الداخلي مرتبط إلى حد كبير بالمصالح المحلية الهائلة الموجودة على المحك. فقد بلغت ميزانية بلدية إسطنبول الكبرى 42.6 مليار ليرة تركية (7.3 مليار دولار) في العام الماضي، وهي أعلى من ميزانية معظم الوزارات الوطنية. يذهب جزء كبير من هذ الأموال إلى الشركات الخاصة التي تستعين بها البلدية لتوفير الخدمات أو مشاريع البنى التحتية؛ لذا فإن السيطرة على إسطنبول يعني الإشراف على شبكة هائلة من علاقات المحسوبية التي أصبحت بصورة متزايدة بمثابة الزيت الذي يحافظ على دوران ماكينة السلطة التابعة لحزب العدالة والتنمية. لقد استثمرت عائلة "البيراق" في هذه العلاقات منذ عقد التسعينيات، عندما كان أردوغان يشغل منصب العمدة، إذْ منح أردوغان حينها مشاريع البلدية لشركة "البيراق القابضة" (Albayrak Holding)، وهي تكتّل شركات تركي تولى تنفيذ مشاريع تشييد ومشاريع بنى تحتية كبيرة منذ ذلك الوقت.
 
والآن ليس من قبيل الصدفة أن وسائل الإعلام التي يُديرها أعضاء وشركاء أعمال عائلة "البيراق"، مثل "صباح" و"آي هابر"، سارعوا بالتشكيك في مصداقية نتائج الانتخابات، متهمين المعارضة بـ "سرقة" صناديق الاقتراع. أردوغان نفسه ردّ على النتائج بنبرة أخفّ، داعيًا كل الأحزاب لاحترام عملية إعادة فرز الأصوات الجارية في العديد من الأحياء، لكن عندما أصبح واضحًا بأن إعادة الفرز لن تغير من النتيجة، زعم أردوغان أيضًا بأن الانتخابات شابتها "جريمة منظمة".

ونظرًا للهامش البسيط لفوز المعارضة، كان طلب حزب العدالة الأوّلي بإعادة فرز الأصوات مفهومًا. لكن وفقا لـ "عثمان كان"، وهو قاض مقرِّر سابق في المحكمة الدستورية وعضو سابق في مجلس حزب العدالة والتنمية، فإن الحزب فشل في تقديم أدلة كافية تثبت حصول مخالفات، وأنه انتهك الفترة الزمنية التي من المفترض أن تتم خلالها عملية إعادة الفرز. يقول "كان": إن "العملية بأكملها كانت غير دستورية".

وأدان "عبد الله غول"، وهو مؤسس مشترك لحزب العدالة والتنمية ورئيس تركيا السابق، أيضًا تعامل الحكومة مع عملية إعادة فرز الأصوات، التي وصفها بأنها "تلقي بظلالها على ديمقراطيتنا". إن تصريح غول يقدّم دعمًا لتوقعات طويلة العهد تفيد بأن أعضاءً كبار سابقين في حزب العدالة يستعدون لتأسيس حزب منشق جديد.

القائد المحتمل لهذا الحزب المنشق قد يكون "أحمد داوود أوغلو"، رئيس الوزراء الأسبق. ويخبرني أحد المصادر أن هذا السياسي يخطّط لإجراء هذه الخطوة في الأشهر المقبلة، لكنه يكافح من أجل الاتحاد مع "غول" بسبب المنافسات الشخصية. إن إحباط "داوود أوغلو" كان باديًا في منشور طويل له على موقع فيسبوك، عبّر فيه عن أسفه لخسائر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية الشهر الماضي، وانتقد أوغلو "دائرة تظن نفسها فوق مجالس إدارة حزبنا، تحاول إدارة الحزب مثل كيان موازٍ".

فيما عبّر "أوزتورك" عن اعتقاده بتشكُّل حركات سياسية جديدة هذا العام، لكنه شكّك في قدرة "غول" و"داوود أوغلو" على جذب الجمهور إليهما. لكنه عبّر بدلاً من ذلك عن مخاوفه من صعود نجم عمدة مدينة إسطنبول المنتخب "إمام أوغلو"، الذي نجح، خلافًا لحزبه "الشعب الجمهوري"، في التواصل مع ناخبي حزب العدالة والتنمية عبر تعهّده بالشمول والمحاسبة، كما فعل أردوغان في الماضي. ويجادل "أوزتورك" بأن الجهود الساعية للتشكيك في انتصار "إمام أوغلو" لم تفلح إلا في زيادة شعبيته: "لقد كان في طريقه لأن يصبح مجرد عمدة. والآن بات زعيمًا".

لهذا يخشى منتقدو استراتيجية حزب العدالة والتنمية من أن إعادة الانتخابات ستزيد الوضع سوءًا للحزب. يقول أحد المصادر، وهو مستشار سياسي سابق: إن الحزب لن يكافح فقط من أجل زيادة نصيبه من الأصوات، لكنه قد يواجه أيضًا اضطرابات اقتصادية أكبر. وأصاف المصدر أنه بالنظر إلى بلوغ نسبة البطالة بين الشباب لما يزيد على 25 بالمائة، وهبوط سعر العملة، وارتفاع مستويات التضخم، فإن آخر شيء ترغب به الأسواق المالية هو فترة انتخابية جديدة. يواجه المجلس الأعلى للانتخابات الآن قرارًا مهمًا للغاية؛ إذ يقول القاضي المقرِّر السابق "كان" إنه "لو قرر المجلس إلغاء الانتخابات، فإنه سيدمّر مصداقيته تمامًا". ويضيف "كان": إن "الناس سيفقدون ثقتهم في الانتخابات، وهو ما سيعدّ نقطة تحول هائلة في تاريخ الديمقراطية التركية".

وتابع "كان": إن "المجلس الأعلى للانتخابات يتعرض لضغط سياسي كبير"، لكنه لفت إلى أنه يتوقع أن حزب العدالة أدرك الآن مخاطر إعادة الانتخابات. وفي الواقع، هناك إشارات تدل على أن أردوغان نفسه بدأ في تغيير نبرته؛ ففي بيان يتناقض مع هجماته السابقة ضد نتائج الانتخابات، صرّح الرئيس يوم الجمعة أنه "حان وقت التصافح بالأيدي" وإعادة التركيز على الاقتصاد والأمن.

ولا شك أ ن عمدة إسطنبول السابق يفهم أكثر من غيره آثار هذا الوضع على مستقبل قبضته على السلطة؛ حيث نقلت التقارير عن أردوغان قوله: "لو خسرنا إسطنبول، فسنخسر تركيا". يُعلمنا تاريخ الانتخابات التركية أن السيطرة على البلديات هي مفتاح النجاح في الانتخابات الوطنية التالية. وفوق كل هذا، يطلب الناخبون خدمات محلية فعّالة ومنافع اقتصادية، وهما الركيزتان الأساسيتان لنجاح حزب العدالة والتنمية.

وفي النهاية، يجادل "أوزتورك" بأن السبيل الوحيد للفوز بالانتخابات الوطنية العامة في 2023، تكمن في احترام الوعود الأساسية التي قطعها أردوغان عام 2001. ويواصل "أوزتورك" حديثه بنبرة لا تخلو من الحنين للماضي قائلاً: "يجب أن يعود حزب العدالة لوضعه الأصلي"، مضيفا: "يجب على الحزب التواجد في الميدان والإصغاء لأصوات الناس في الشارع؛ لأن هذا ما كان عليه الأمر في الماضي".




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق