فورين بوليسي | الاختراق عبر وسيط.. كيف تقوم الصين بالتجسس على الولايات المتحدة من خلال إسرائيل؟


٢٤ أبريل ٢٠١٩ - ٠٥:٤٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد



في العقد الماضي, رفعت بكين استثماراتها ومصالحها الاقتصادية والعسكرية في الشرق الأوسط, ويشمل ذلك إسرائيل.
تجاهلت الحكومة الإسرائيلية سلوك الصين لفترة طويلة, لكنها بدأت الانتباه مؤخرًا. كان على مجلس الأمن القومي التوفيق بين سياستين متعارضتين, كلتيهما مهمتين لاقتصاد إسرائيل ومصالح أمنها القومي.

الأولى هي سياسة تتبناها كل الحكومات عبر الطيف السياسي لعقود: تشجيع الاستثمار الأجنبي, وخصخصة الأصول والمرافق الوطنية, وتوسيع الأسواق الدولية أمام البضائع الإسرائيلية. في السنوات الأخيرة, مثل الكثير من المُصدّرين الآخرين, تطلعت الشركات الإسرائيلية تجاه الشرق إلى الاقتصادات النامية والمتقدمة في آسيا – واقتصاد الصين بالتحديد.

يُظهر استطلاع حديث لأجهزة المخابرات الإسرائيلية التي لا تعمل في المجال العام أن الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط ارتفعت بنسبة 1700% في الفترة بين 2012 و2017. إجمالًا, استثمر الصينيون 700 مليار دولار في المنطقة. نصف هذا المبلغ تقريبًا في قطاع الطاقة, و150 مليار دولار في البحث والتطوير, و113 مليار دولار في الصناعة, و103 مليار دولار في النقل, و68 مليار دولار في المجال العسكري, و4 مليار دولار في القروض المالية, و155 مليون دولار فقط في المساعدات الإنسانية.

من 1992 إلى 2017, ارتفعت التجارة الثنائية بين الصين وإسرائيل من 50 مليون دولار إلى 13,1 مليار دولار, ما جعلها أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا وثالث أكبر شريك تجاري في العالم بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. في النصف الأول من 2018, بلغت واردات الصين من إسرائيل 2,77 مليار دولار, أي زيادة بنسبة 47% مقارنة بنفس الفترة في 2017.

السياسة الثانية هي الدفاع عن الأصول والبنية التحتية القومية والاستراتيجية من الخضوع لسيطرة الحكومات والشركات الأجنبية, حتى لو لم تكن معادية لإسرائيل. وبسبب اقتصادها القائم على التكنولوجيا الفائقة, تواجه إسرائيل أيضًا المشكلة الحساسة المتعلقة بالتجسس الأجنبي وسرقة تكنولوجياتها وخبرتها المتقدمة.

لقد عززت روسيا والصين في السنوات الأخيرة جهود التجسس في إسرائيل, لا سيما للتمكن من الدخول إلى شركات التكنولوجيا الإسرائيلية المملوكة للدولة وللقطاع الخاص, ومن خلالها إلى الولايات المتحدة, الحليف المقرب لإسرائيل.

لقد استهدفت الصين أكبر مُصدّرين للأسلحة في إسرائيل, شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية ورافائيل لتصنيع السلاح, إلى جانب شركة أنظمة إلبيت. الأولى والثانية شركات مملوكة للدولة, والثالثة لها فروع في الولايات المتحدة والتي تساعد في تصنيع أسلحة إسرائيل الأكثر تطورًا, من ضمنها الصواريخ وإلكترونيات الطيران. هذه التصميمات والأسرار التجارية مطلوبة من وكالات الاستخبارات والحكومات في جميع أنحاء العالم.

اكتشفت التحقيقات التي أجرتها أجهزة المخابرات المضادة الإسرائيلية أن مخترقين صينيين كانوا مهتمين على نحو خاص بعلاقات الشركات الإسرائيلية بمتعاقدي الدفاع الأمريكيين. تتعاون الشركات الإسرائيلية مع نظيراتها الأمريكية مثل رايثيون, وبوينج, ولوكهيد مارتن في مشروعات مشتركة, والتي تشمل طائرات إف-16 وإف-35 الحربية ومنظومات آرو الدفاعية المضادة للصواريخ الباليستية. من الواضح أن الصين تعتبر إسرائيل بابًا خلفيًا تستطيع من خلاله الوصول للبرامج الأمريكية السرية واختراقها.

تُعد إسرائيل مركز نفوذ دولي عندما يتعلق الأمر بالحرب السيبرانية, التي تحظى بأهمية قصوى لدى موسكو وبكين. إذا تمكنتا من سرقة التكنولوجيات المتطورة, قد يخلقا فوضى عارمة في الولايات المتحدة والديمقراطيات الغربية الأخرى.

لا عجب في أن الدولتين لديهما سفارات كبيرة في تل أبيب, والتي تخدم كمحاور لتعزيز مصالحهما. حتى وقت حديث, كانت الصين مهتمة بشراء قطعة أرض في حي هرتسليا بيتوح الراقي من أجل سفارتها الجديدة. إنه يقع على مقربة شديدة من مقر الموساد ومن مقر الوحدة 8200 التابعة لوكالة المخابرات العسكرية في مفرق جليلوت, شمال تل أبيب.

في محاولاتهما لاختراق منشآت الدفاع وسرقة التكنولوجيات المتعلقة بالأمن, واجهت روسيا والصين خصمًا ماهرًا وشرسًا – شين بيت, جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك), المتخصص في المخابرات المضادة وحماية المعلومات.

لكن القطاع المدني, خاصة الشركات المنتجة للتكنولوجيات التي يمكن استخدامها لأغراض سلمية وعسكرية, يحظى بحماية أقل. لسنوات عديدة, أهملت الحكومات الإسرائيلية المتتابعة وتجاهلت المخاطر الأمنية التي تفرضها الصين. على النقيض, شجعت رجال الأعمال الصينيين على الاستثمار في إسرائيل وشراء أصول إسرائيلية. لكن عندما يتعلق الأمر بالصين, فإن ما يُسمى بالقطاع الخاص مجرد وهم. تسيطر الحكومة على الاقتصاد. وأيا كان من ينحرف عن إرشادات الحزب يلقى عقابًا شديدًا.

وهكذا على مدار الـ15 عامًا الماضية, غزت الشركات الصينية إسرائيل. لقد اشتروا تنوفا, أكبر منتج لمنتجات الألبان في البلاد. وربحوا عطاءات لبناء الطرق, وخطوط السكة الحديدية في تل أبيب, ونفق الكرمل في حيفا. أعربت الصين أيضًا عن عزمها لشراء شركات تأمين وبنوك إسرائيلية, واستئجار قطاعات ضخمة من الأراضي في صحراء النقب لزراعة الأفوكادو والقمح, وبناء خط سكة حديد من تل أبيب إلى إيلات.

توسع شركات الانشاءات الصينية الآن ميناءين رئيسيين في حيفا وأشدود, اللذين يتعاملان مع معظم تجارة إسرائيل.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو حقيقة أن الشركات الصينية حصلت على امتيازات لتشغيل وإدارة الميناءين الجديدين لمدة 25 عامًا. تُعد هذه الموانئ أيضًا قواعد للبحرية الإسرائيلية, وتتضمن بنية تحتية بحرية محصنة بشدة والتي تضم أسطول الغواصات الإسرائيلي. كان قرار بناء مارينا حيفا نتيجة لحرب 2006 في لبنان. أثناء الحرب, ضربت صواريخ حزب الله حيفا بهدف إصابة الميناء والسفن البحرية.

يُقال أن أسطول الغواصات الخمس (من المقرر أن تصل الغواصة السادسة العام المقبل من ألمانيا, حيث صُنعت جميع الغواصات) يحمل صواريخ ذات رؤوس نووية, ما يمنح إسرائيل قدرة الضربة الثانية, إذا ومتى حصلت إيران على قنابل نووية.

لسنوات, شجع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ونائبه, وزير النقل والمخابرات يسرائيل كاتس – والقائم بأعمال وزير الخارجية أيضًا في الوقت الحالي – شجعا الصينيين على الدخول إلى السوق الإسرائيلية وتفاخرا بإنجازاتهما.

حاول عدد قليل فقط من المسئولين تحذير نتنياهو ومجلس الوزراء, ومن ضمنهم قادة الشاباك وأفرايم هليفي, الرئيس السابق للموساد. لكن تحذيراتهم لم تؤخذ على محمل الجد. حتى شاؤول كوريف, القائد السابق لأسطول الغواصات من 1980 حتى 1985, والذي كان أيضًا مسئولًا في وزارة الدفاع والمدير العام لهيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية, بدا وإنه غير منزعج والتزم الصمت.

كوريف, بصفته الآن رئيس مركز أبحاث حيفا للسياسة والاستراتيجية البحرية في جامعة حيفا, أعرب عن بعض المخاوف من الجيران الصينيين الجدد لأسطول الغواصات. أخبر فورين بوليسي, "أنا أعترف بإنني لم أكن مهتم بالموضوع بالشكل الكافي لإنني بصفتي مدير هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية كنت منشغلًا جدًا بقضايا مهمة أخرى. لكنني الآن أنا والمركز نرفع الوعي بالمشكلة بنشاط."

لقد انعكس الإهمال البيروقراطي الإسرائيلي بسبب الضغط الخارجي فقط.

تعتبر الإدارة الأمريكية الصين غريمها الرئيسي وحوّلت انتباهها من الشرق الأوسط إلى آسيا, والمحيط الهادئ, وشبه الجزيرة الكورية.
أعلن الرئيس دونالد ترامب حربًا تجارية على الصين ويحاول الحد من توسعها الاقتصادي والعسكري. كان أحد المخاوف الرئيسية للولايات المتحدة هو المشاركة الصينية في ميناء حيفا, الذي يستضيف زيارات متكررة من سفن الأسطول السادس الأمريكي, والذي يضم حاملة طائرات.

لهذا السبب حظت المشاركة الصينية في إسرائيل بإهتمام واشنطن. طلبت إدارة ترامب من إسرائيل تخفيف علاقاتها مع الصين, وطلب جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمر بصورة مباشرة. لا تريد إسرائيل إهانة أو إذلال الصين, وهو أمر حساس من ناحية كبريائها وسيدفعها للثأر بلا شك. لكن إسرائيل لا يمكنها تجاهل طلب من أهم حليف استراتيجي لها.

في الماضي, عندما تعلق الأمر بالعلاقات التي تشمل الدول الثلاث, كانت إسرائيل ترضخ للضغط الأمريكي لإنها كان عليها الإذعان. من شبه المؤكد أن إخفاقات وإهمال الماضي, لا سيما في الموانئ, لا يمكن إصلاحهم. لا يمكن إلغاء العقود الممنوحة للشركات الصينية. في حالة الحرب, سوف تذهب الغواصات إلى البحر, لكنها هي والأسطول الأمريكي قد يكونوا معرضين لهجوم مفاجئ.

وعليه, من المرجح أن يركز تقرير مجلس الأمن القومي الإسرائيلي القادم على المستقبل ويبحث عن حل يرضي واشنطن من دون إهانة بكين – تقديم مجموعة من التوصيات إلى مجلس الوزراء والتي تخاطب الاحتياجات الاقتصادية بينما تدافع عن المنشآت والمصالح الاستراتيجية الأساسية في مجالات المياه, والأرض, والطاقة, والغذاء, والاتصالات, والمال.

هناك شيء واضح: إذا أدى التقرير إلى قوانين أو تشريعات جديدة, سوف توظف لغة عامة والتي ستتجنب تخصيص دولة بعينها. سوف تشير إلى كل الحكومات والشركات الأجنبية – على الرغم من أن الجميع باتوا يعلمون الآن أن الأهداف الرئيسية ستكون روسيا والصين.




للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق