المركز الفرنسي لمكافحة الإرهاب | سيناريوهات التوتر في مضيق هرمز


٠٥ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٢:٣٣ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
المصدر | المركز الفرنسي لبحوث ومكافحة الإرهاب والتطرف

تتصاعد حدة التوتر في المنطقة بعد بروز الأهمية لمضيق هرمز الممر المائي الاستراتيجي الذي يعبر منه نحو 17.4 مليون برميل يوميًا، أي ما يقارب خُمس كميات النفط المستهلَكة عالميا. وذلك بعد احتمالات انضمام بريطانيا ومن ورائها القوى الغربية، بعد فترة من تحفظهم، على الموقف الأميركي المتشدد حيال أنشطة إيران، عقب انسحابها في مايو 2018، من الاتفاق مع مجموعة (5+1) الذي بموجبه تقيد إيران برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية عليها.

وقد ارتفعت موجة التصعيد بعد الاحتجاز المتبادل للسفن من قبل الجانبين، الحرس الثوري الإيراني الذي احتجز ناقلة النفط  ترفع علم بريطانيا "ستينا إمبيرو" كانت متوجهة إلى السعودية عبر "مضيق هرمز". قال إنها خرقت ثلاثة لوائح تتعلق بالمرور، وهو ما نفته الشركة المالكة للناقلة "ستينا بالك"، وقالت إنها كانت تتبع جميع القواعد الملاحية الدولية الصحيحة.

وهو ما اعتبره كثيرون رداً على احتجاز القوات البحرية البريطانية ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1" قبالة جبل طارق، قبل أسبوعين من الحدث الأول، قال إنها كانت متجهة إلى سوريا. وهو خرق للعقوبات الذي يفرضها الاتحاد الأوروبي على سوريا منذ 2011 والتي تم تمديدها في مايو الماضي حتى الأول من يونيو 2020، وتشمل حظراً نفطيا وتجميد أموال المصرف المركزي السوري.

هذه التطورات المتبادلة تطرح سيناريوهات محتملة جراء حملة التصعيد تلك:

أولا:  تكتيك موازنة الضغوطات: تأتي التطورات الأخيرة في إطار تهديدات إيرانية متوالية بإغلاق "هرمز" ردًا على الإجراءات الأمريكية المتتابعة والمتشددة اتجاهها، بدءاً من الانسحاب من الاتفاقية النووية، وصولا إلى إلغاء الاستثناءات الأميركية على صادرات النِّفط الإيرانية الممنوحة لثماني مطلع مايو 2019، وهو ما اعتبرته إيران مساسًا بجوهر الأمن القومي إذ تصل الخسائر الإيرانية إلى ذروتها بالفعل بعدما تقلصت العوائد التي كانت تطمح الأخيرة في الحصول عليها من الاتفاقية النووي؛ والتي على الرغم من خروج أمريكا منها إلا أنها لم تنهار، حيث بدأت إيران في محاولات ممارسة ضغوط مضادة على القوى الدولية المعنية باستمرار العمل بالاتفاق النووي.

 وذلك من خلال منح تلك القوى مهلة ستين يوما انتهت في 8 يوليو من هذا العام، من أجل اتخاذ إجراءات جديدة لمواصلة التعاملات المالية والتجارية معها قبل الإقدام على خطوة تصعيدية جديدة. لمح  لها الرئيس حسن روحاني بقوة، أثناء زيارة نادرة لأوربا مطلع شهر يوليو قائلا إن بلاده "قد تُحدث خللا كبيراً في صادرات النفط الخام من المنطقة، وتقطع تعاونها مع وكالة الطاقة الذرية؛ لأنه لا معنى لأن يتوقف النفط الإيراني فيما يتم تصدير بقية نفط المنطقة، ولو زعم الأمريكيون ذلك فليفعلوا، ودعونا نرى النتيجة".

وتدرك إيران أنها يمكن أن تلحق ضرراً حقيقياً بالاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق بشكل مباشر، بل عن طريق تضييقه، فمن خلال الحد من حركة التجارة -على سبيل المثال، من خلال التدريبات العسكرية، وهو ما يرفع السعر الهامشي للنفط بسرعة.

 فإيران تسعي من وراء تلك الإجراءات الضاغطة  توسع هامش المناورة مع أميركا والتراخي الأوروبي الشريك في الاتفاقية، من خلال نقل الأزمة الى إطار دولي أوسع، يمكن أن يساعدها في مواجهة العقوبات الأميركية. لا سيما وأن إيران تتابع بدقة حدة التنافس الصيني الأميركي فيما يسمي بـ"الحرب التجارية"، وطبقًا لتلك الرؤية، فإن تعدد الخصوم، أو بمعنى أدق المنافسين، سوف يقلص من قدرة الضغوط عليها، باعتبار أنه سوف يؤدي إلى تشتيت الجهود الأميركية في مناطق وملفات مختلفة ومتباعدة.

خصوصا لو قررت الصين التي ترتبط بعلاقات جيدة مع ايران إلى تحدي الإجراءات الأميركية عبر تعزيز علاقاتهما الاقتصادية.

ثانيا: تصعيد عسكري منضبط لا يقود لحرب واسعة على الرغم من ضعف احتمالات حدوث مواجهة عسكرية في المنطقة، في ظل وجود تحسبات احترازية لدى الكثير من الأطراف؛ والذي تمثل، بلقاء قبل أيام بين قائد قوات حرس الحدود الإيراني، وقائد قوات خفر السواحل الإماراتي، أكدا خلاله على ضرورة النهوض بالعلاقات الدبلوماسية وتأمين منطقة الخليج، فيما تبدو رسالة، استباقية على رفض الانضمام لأي عمل ضد إيران.

حتى على المستوى الدولي رفضت كل من فرنسا وألمانيا المبادرة المبدئية الأميركية التي اقترحت فيها تشكيل تحالف دولي يتولى مهمة حماية الممرات المائية. خشيةً من احتمال جر التحالف العسكري بقيادة أميركية نحو مواجهة مع إيران.

كذلك أعلنت بريطانيا في مبادرتها الثانية التي تسعى فيها لتشكيل قوة حماية بحرية أوربية فقط من أجل ضمنان العبور الآمن للطواقم والشحنات، أنّ لندن لا تسعى لمواجهة مع إيران.

إلا أن هذا لا ينفي حدوث تصعيد عسكري محدود، لا سيما في ظل زيادة الحضور العسكري للدول الكبرى في منطقة الخليج، وفي ظل التطورات الجيوسياسية، وما خلقته من جدية في التداعيات الأمنية والاقتصادية، في حال استمرار سياسة اعتراض ناقلات النفط  حتى تحل القضايا المرتبطة بالتشدد الأميركي، وهو ما قد يدفع أميركا أو أحد الأطراف إلى الدفاع عن مصالحه البحرية هناك من خلال ضربات عسكرية محدودة لأي قوة إيرانية مشكوك بنواياها العدائية. ما يعيد إلى الأذهان سيناريو "حرب ناقلات"، حيث زرع الإيرانيون الألغام في مضيق هرمز وهاجموا كل من الناقلات والسفن الحربية الأميركية. وبالفعل اصطدمت الناقلة الأميركية "إس إس بريدجستون"، في 1987، بلغم إيراني وغرقت. 

وخاضت بعدها القوات البحرية الأميركية معركة كبيرة ضد زوارق الإيرانية، وعلى الرغم من أن الحرب كانت لها عواقب وخيمة بالنسبة إلى إيران، إلا أن الإيرانيون "يصفون الحرب بـ(الحرب المفروضة) لأنهم يعتقدون أن أميركا عرّضتهم للنزاع ونظمت (الدعم) العالمي للعراق. وأشاروا إلى أن الأمم المتحدة لم تدن العراق لقيامه بشن الحرب ضدها في مطلع الثمانينيات.

وماذا يمنع إيران من العودة مرة أخرى في ظل مس جوهر أمنها القومي، وتهديد الحياة فيها بعد حظر النفط، فهي ليس لديها شيء تخسره. أمام  تلك المعطيات  يرى بروس ريدل الذي عمل مستشاراً أول لشؤون جنوب آسيا والشرق الأوسط لآخر أربعة رؤساء في طاقم موظفي مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض: "أن التاريخ يشير إلى أن إيران لا تتراجع بسهولة، والدرس الأساسي للحرب في الثمانينيات هو أنه من السهل بدء صراع مع إيران ومن الصعب للغاية وضع حد له، إيران لن تخيفها الولايات المتحدة بسهولة"،  فقد أسقطت طائرة استطلاع أمريكية قبل حوالي شهر من الآن.

وعلى الرغم أن التاريخ بالطبع لا يعيد نفسه، لا سيما في ظل التفوق الغربي العسكري، لكن ماذا يمنع إيران من استخدام نمط جديد في الضغط إذا هوجمت في المضيق، وهو أن تنقل الصراع إلى أرض العدو نفسه وتثير الذعر هناك، على نمط أسلوب داعش، من خلال إيقاظ الخلايا النائمة التي يفترض أنها شكلتها مسبقاً في أرض الخصم، وهو ما أشارت له صحيفة ديلي تلغراف في 22 يوليو التي نقلت عن مصادر استخباراتية بريطانية "أن إيران شكلت خلايا إرهابية نائمة عبر أوروبا بما فيها بريطانيا، وهي تدعمها وتعطي الأوامر لها، وأن وكالات الاستخبارات تعتقد أن الأزمة مع إيران قد تتسبب في إيقاظ تلك الخلايا الإرهابية النائمة، وأنها قد تُكلفها وتدفعها إلى شن هجمات إرهابية في بريطانيا؛ رداً على الأزمة في الخليج، إذا تفاقمت الأزمة هناك". 

وأشارت أيضا "أن هناك اتهامات سابقة طالت طهران بشأن تلك الخلايا النائمة، بعد اكتشاف شرطة مكافحة الإرهاب عام 2015 عن خلية جمعت أطنان من المتفجرات في متاجر بضواحي لندن".

ثالثا: عواقب سلبية  تجاه ايران يعتبر التوتر في مضيق هرمز هو أكثر التحديات إلحاحاً على أجندة رئيس الحكومة البريطاني "بوريس جونسون" الذي تولي رسميا مقاليد رئاسة الحكومة في يوليو الجاري، وعلى الرغم من الخلاف السابق بين الولايات المتحدة وبريطانيا على إثر الأخيرة التنصل من الاتفاق النووي، إلا أن سياسات لندن من خلفها الاتحاد الأوربي تجاه الملف الإيراني برمته ربما تختلف في المستقبل القريب، على إثر التصعيد في "هرمز"، حيث اتجه "جونسون" لإعلان قيامه بالتنسيق مع الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، مؤكدًا حاجة البلدين للعمل معًا في هذه القضية، وحسب الدكتورة مروة نظير أستاذ العلاقات الدولية في المركز القومي المصري للبحوث التي أضافت أيضًا، أنه من المتوقع أن تنال قضية الممرات المائية قدرًا أكبر من التباحث والتوافق بين الجانبين إبان لقاء الزعيمين في قمة مجموعة الدول السبع المقرر عقدها في فرنسا في أغسطس المقبل.

هذا التحول قد يخلق مزيداً من التشدد اتجاه الشروط اللازمة لتفعيل الآليات المالية والشروط المصرفية التي تحتاجها إيران لمواجهة لعقوبات الاقتصادية الأميركية، بالإضافة إلى زيادة الحصار النفطي على السفن الإيرانية، حتى المتجهة إلى الصين والهند التي قد تتعامل مع إيران في ظل ظروفها الاستثنائية، وذلك عبر مضايقات من القوات البحرية الدولية المنتشرة هناك.

 لا سيما وأن إيران  تمضي قدما في خرق شروط الاتفاق بعد أن انسحبت منه الولايات المتحدة، وبدأت في تخزين يورانيوم مخفض التخصيب أكثر من الحد المسموح لها به، وهي الآن ترفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى مستويات تتجاوز نسبة 3.67% التي حددها الاتفاق. هذا السلوك الإيراني يدفع الأوربيين إلى مشاركة الولايات المتحدة مخاوفها تجاه أنشطة إيران وبرامجها النووية، وقد يوقف العمل الأوربي بالآليات البطيئة التي تسهل لطهران مدفوعات مالية لشراء السلع الإنسانية بحيث لا تطالها العقوبات الأميركية.

ختامًا، يمكن القول إنه من المبكر ترجيح خيارات التصعيد العسكري، أو زيادة العواقب السلبية تجاه إيران، في ظل المساعي الدبلوماسية في مثل هذه الأزمات، لا سيما وأن كثير من الحوادث المتعلقة بناقلات النفط، تم معالجتها في إطار حل المنازعات، تفاديا لزيادة حدة التوترات، والواضح أن سلوك إيران في المضيق هو في إطار تكتيكات موازنة الضغوط.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية مضيق هرمز

اضف تعليق