ستراتيجيك كالتشر| هل يعيش العالم أزمة قيادة؟


٠٦ أغسطس ٢٠١٩ - ٠٤:٠٥ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح



 في عصر يشهد تبادلاً سريعًا للمعلومات وانتشارًا واسعًا لوسائل الإعلام، لم يسبق أن شهد العالم شيئًا شبيهًا بالنقص الراهن في القيادة العالمية. أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، هُزمت قوى الفاشية لأن قادة معسكر الحلفاء كانوا يمتلكون صفات القيادة الضرورية لتخليص العالم من ألمانيا النازية، وإيطاليا واليابان الإمبرياليتين.

كان هناك القادة "الثلاثة الكبار": فرانكلين روزفلت، وينستون تشرشيل، وجوزيف ستالين. وكان يوجد إلى جوارهم فريق آخر داعم لهم، مثل القائد الفرنسي شارل ديغول ورئيسي الوزراء الأستراليين روبيرت مينزيس وجون كرتين، ورئيس الوزراء الكندي ويليام ماكنزي كينغ، ورئيس وزراء جنوب أفريقيا جان سمتس، ورئيس وزراء نيوزيلاندا بيتر فرازير، والزعيمين الصينيين كاي شيك وماو زيدونغ، والملك النرويجي هاكون الثاني، ورئيس وزراء حكومة اليونان في المنفى جورجيوس بابندريو، وملكة هولندا فيلهلمينا، ورئيس وزراء حكومة بولندا في المنفى ولاديسلاو سكيروسكي، وزعيم الرابطة الإسلامية في الهند محمد علي جناح، والزعيم اليوغسلافي جوزيب بروز تيتو. 

من وسط جيوش وحكومات فترة الحرب، ظهرت مجموعة جديدة من الزعماء الذين ساعدوا في إنشاء ورعاية منظمة الأمم المتحدة، وعملوا على حماية العالم في مرحلة ما بعد الحرب من تدمير نفسه بالأسلحة النووية. برز الجنرال جورج مارشال بوصفه وزير خارجية الرئيس هاري ترومان، كما انتُخب الجنرال دويت آيزنهاور رئيسًا للولايات المتحدة، حيث بقى في منصبه ثماني سنوات، ناقلاً الشعلة بعده للملازم البحري أثناء الحرب العالمية الثانية "جون كيندي". كما خدم المارشال السوفيتي "جورجي زوخوف" في المكتب السياسي السوفيتي وشغل منصب وزير الدفاع. وقد حكم شارل ديغول فرنسا أثناء الاضطرابات التي شهدتها البلاد في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، فيما أصبح محمد جناح الزعيم المؤسس لباكستان، وبات ماو زيدونغ مؤسس جمهورية الصين الشعبية. وكافح باباندريو ضد نفوذ الجيش اليوناني في شؤون بلاده حتى انقلاب عام 1967 وفرض الديكتاتورية.

استغل ثلاثة أمناء عامين للأمم المتحدة - تريغفي لي من النرويج، وداغ هامارشولد، و يو ثانت- منصبهم في تلك المنظمة لتعزيز الحوار السلمي بعيدًا عن الحرب، وفقد همرشولد حياته أثناء محاولته التفاوض لإنهاء الحرب الأهلية في الكونغو. 

وسواء كانوا قادة عسكريين سابقين أو مسؤوليين حكوميين في فترة الحرب، أفرزت السنوات التي أعقبت الحرب أفرادًا ساعدوا في توجيه المستعمرات لنيل استقلالها في أفريقيا وآسيا والكاريبي والشرق الأوسط. قدّم زعماء حركة عدم الانحياز خيارًا ثالثًا للعالم بين الغرب الرأسمالي والكتلة الشيوعية. في مؤتمر "آسيا - إفريقيا" عام 1955 في باندونغ، إندونيسيا، أظهر رؤساء ورؤساء وزراء الدول المستقلة حديثًا حنكة سياسية وزعامة، مُعلنين بصوت واحد أنهم سيمتنعون عن "استخدام ترتيبات الدفاع الجماعي لخدمة المصالح الخاصة للقوى العظمى". كانت تلك رسالة واضحة لا لبس فيها لرموز الحرب الباردة، مثل وزير الخارجية الأمريكي "جون فوستر دالاس"، مفادها أن دول عدم الانحياز لن تكون جزءًا من مجموعة المعاهدات العسكرية التي كانت تقيمها واشنطن حول العالم، من بينها حلف الناتو، وحلف جنوب وشرق آسيا، وحلف بغداد. من جهته، أعلن المارشال تيتو زعيم يوغسلافيا، أن بلاده لن تكون عضوًا في حلف وارسو التابع للاتحاد السوفيتي. لقد كان تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس الإندونيسي سوكارنو والرئيس المصري جمال عبد الناصر، والزعيم الكوبي فيدل كاسترو، بمثابة قوة ثالثة وعازل استراتيجي بين القوتين النوويتين العظمتين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. 

كما أظهر قادة أوروبيون أيضًا مهارة دبلوماسية في كبح جماح بعض الأشخاص الراغبين في الدخول في حرب وفي سياسة حافة الهاوية النووية. من بين هؤلاء كان مستشار ألمانيا الغربية "ويلي براندت" الذي أسس "السياسة الواقعية" (ريال بوليتيك) مع الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية، ورفض رئيس الوزراء البريطاني "هارولد ويلسون" ورئيسا الوزراء الكنديان "ليستر بيرسون" و"بيير ترودو"، جرّ بلادهم للحرب بقيادة الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا. واصل رئيسا الوزراء الفرنسيان "جورج بومبيدو" و"فرانسو ميتران" سياسة "ديغول" القاضية بإبقاء فرنسا خارج هيكل القيادة العسكرية لحلف الناتو، فيما أولى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر اهتمامًا جديدًا بقضية حقوق الإنسان حول العالم. وقد طبّق الزعيم السوفيتي "ميخائيل غورابتشوف" سياسات إصلاحية عُرفت باسم "بيرسترويكا" و"غلاسنوست". 

عقب انتهاء الحرب الباردة، حدث شيء قلّل بشكل كبير من قدرات الزعامة في السياسة العالمية. عوضًا عن انتخاب رجال دولة وقادة سياسيين مؤثرين لتولي المناصب، بدأت العديد من الدول في اختيار مشاهير عالم الترفيه والإعلام، والعديد من هؤلاء كانوا ديماغوجيين مهرّجين، ليكونوا قادة لها. بينما قرر قادة بيروقراطيون آخرون أن تسترشد قراراتهم باستطلاعات الرأي، عوضًا عن غرائز القيادة التي وجّهت سياسات قادة مثل أيزنهاور وكيندي والزعيم السوفيتي نيكيتي خورشوف وديغول وقادة حركة عدم الانحياز وقادة آخرين. 

بدأ عصر الرجال الأقوياء المهرّجين في إيطاليا عندما أصبح أثرى رجل في البلاد، وقطب الإعلام "سيلفيو بيرلسكوني" رئيسًا للوزراء عام 1994. لكن لو عدنا لعِقد الثمانينيات، وتولي الممثل في أفلام الدرجة الثانية "رونالد ريغان" رئاسة الولايات المتحدة، سنجد أن المزج بين المشاهير والسياسة قد بدأ من هناك. 

إن اعتلاء "بيرلسكوني" الفظ لرئاسة الحكومة الإيطالية مشابه لنهب القبائل الجرمانية لروما في الأيام الأخيرة للإمبراطورية الرومانية. ملأ "بيرلسكوني" الحكومة الإيطالية بأعوانه السياسيين، حتى أنه عيّن محاميه الشخصي لقضايا الضرائب "غيوليو تريمونتي" وزيرًا للمالية، كما شغل الفاشيون الجدد المؤيدون للزعيم الفاشي أثناء الحرب "بينيتو موسليني" مناصب في حكومة بيرلسكوني، الذي كذب باستمرار على الشعب الإيطالي، مُعتقدًا أن الحقيقة تكمن في كل شيء يقوله. شكك بيرلسكوني في وطنية أي شخص اختلف معه، ووُصِف أعضاء البرلمان المتمردون التابعون لحزبه بأنهم "خونة". تورّط بيرلسكوني في نهاية المطاف في فضائح جنسية ومالية، من بينها تهمة إقامته علاقات جنسية مع فتيات قاصرات في "حفلات بونغا" سيئة الصيت التي أقامها. ووسط أزمة مالية عصفت بإيطاليا، أُجبر بيرلسكوني على الاستقالة عام 2011. وفي يوليو عام 2019، استؤنِفت حياته السياسية مجددًا بعد فوزه بمقعد في البرلمان الأوروبي.

مهّد بيرلسكوني الطريق لتولّي مشاهير إعلاميين يمينيين آخرين للسلطة في إيطاليا. في حالات أخرى، بدأ سياسيون يمينيون مسيرتهم من عالم الكوميديا. على سبيل المثال، شاهد العالم كيف جرى انتخاب "جيمي موراليس"، وهو ممثل كوميدي تلفزيوني كان يحب الظهور بـ "وجه أسود" في أعماله الكوميدية، رئيسًا لغواتيمالا عام 2016. خاض موراليس الانتخابات متعهدًا بإقامة حكومة نظيفة، ولم يمر وقت طويل قبل أن يواجه موراليس تهمًا بقبول تبرعات غير شرعية لدعم حملته الانتخابية.

في هذا العام، جرى انتخاب "فولوديمير زيلنيسكي"، وهو ممثل كوميدي أوكراني، رئيسًا لأوكرانيا، وقد يظن البعض أن الأمر مجرد مزاح، لكن هذا الرئيس اليهودي لأوكرانيا يحكم بدعم من النازيين الجدد الذين ينظرون بفخر لنازيين من أمثال ستيبان بانديرا وأدولف هتلر. 
انتُخب الممثل الكوميدي الأيسلندي "جون غنار" عمدة لمدينة "ريكجافيك" عام 2010، وربما ينتظر دوره لتولي دور على المستوى الوطني في المستقبل، بما في ذلك تولي منصب رئيس أيسلندا. ويسيطر الممثل الكوميدي الإيطالي "بيبو غريلو"، بوصفه رئيسًا لـ "حركة خمس نجوم"، على واحد من أكبر حزبين رئيسيين في الائتلاف الحكومي الإيطالي. تضمّنت أعمال "غريلو" الكوميدية الكثير من البذاءات، وهو أمر يتقاسمه مع بيرلسكوني ونجم تلفزيون الواقع الذي يسكن الآن في البيت الأبيض. 

أما في سلوفينيا، فرئيس الوزراء هناك هو "مرجان ساريك"، وهو ممثل كوميدي ومُقلد شخصيات شهير، ومن أبرز الشخصيات التي قلّدها أسامة بن لادن وفيدل كاسترو. هناك ممثل كوميدي آخر وهو "هايك ماروتيان"، عمدة مدينة "يريفان" عاصمة أرمينيا، إذ يُقال إنه سيصبح في المستقبل زعيمًا وطنيًّا. 

لقد أُطيح بعضو مجلس الشيوخ الديمقراطي "آل فرانكين"، وهو ممثل كوميدي تلفزيوني سابق، من منصبه بفضل حملة درامية شنتها ضده عضوة مجلس الشيوخ عن مدينة نيويورك والمرشحة الرئاسية "كريستين غيليبراند"، اتهمته فيها بالتحرش الجنسي، سعيًا منها لتعزيز آمالها الرئاسية. وفيما يشبه أحداث مسلسل تلفزيوني، لم تذكر "غيليبراند" علاقات عائلتها بجماعة إجرامية في نيويورك تستعبد النساء جنسيًّا، اسمها "NXIVM". 

اليوم، أصبح "بوريس جونسون"، الصحفي السابق في صحيفتي دايلي تليغراف وتايمز أوف لندن وعمدة لندن السابق، رئيس وزراء المملكة المتحدة التي تشهد حالة تفكك سريع. إن شعر جونسون الأشقر والأشعث وآراءه السياسية، جعلت البعض يطلقون عليه اسم "ترامب بريطانيا"، ولا شك أن شخصية جونسون يمكن اختصارها بالأوصاف التي أطلقها خصومه السياسيون عليه: مهرّج، ومغرور، ومختلّ اجتماعيًا، وممثل كوميدي طامح، وكاذب متسلسل، وقذر، وبشع، ونخبوي يميني، وشبيه ترامب، وصديق المجرمين.

أخيرًا، أودّ أن أتطرق إلى زعيم ما يُعرف بـ "العالم الحر". فدونالد ترامب وأصدقاؤه المشاهير المهرّجون حول العالم، من بينهم برلسكوني ونايجل فرّاج ورودريغو دوتيرتا وجائير بولسنارو وبنيامين نتنياهو، يشتركون فيما بينهم في التفوّه المستمر بالإهانات، وتوجيه التهديدات الشخصية، والتهريج. أثناء لقاء أخير في البيت الأبيض بين ترامب وشخصية شهيرة أخرى، رئيس وزراء باكستان عمران خان، وهو لاعب كريكت شهير سابق، قال ترامب إنه "لو أردت الانتصار في هذه الحرب، فستُمحى أفغانستان من على وجه الأرض. سوف ينتهي أمر هذا البلد حرفيًا في غضون عشرة أيام.... لكنني لا أريد قتل 10 مليون إنسان". لم يضحك "خان" على هذا التصريح، كما لم يضحك بقية العالم، باستثناء دائرة المهرّجين المحيطين بترامب.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق