الإرهاب ضد مصر يتحول إلى ورقة "جيوبولتك" سياسية


٢٦ نوفمبر ٢٠١٧

رؤية ـ جاسم محمد

ماذا حدث لدولة مصر في أعقاب ثورة يونيو 2013، التي وضعت نهاية لحكم جماعة الإخوان المحظورة؟ فموجة الإرهاب التي تشهدها مصر، كانت قد بدأت في أعقاب إيقافها لما يسمى بثورات "الربيع العربي" التي أثارت الفوضى وتفتيت دول المنطقة.

الجماعة المحظورة أعلنتها في حينها من ساحة "رابعة العدوية" أن الإرهاب في سيناء لن يقف إلا بعودة الجماعة للسلطة، التشابه ما بين أهداف الجماعة وتنظيم داعش تحديدًا في العراق، هو واحد، كلاهما يراهن على زعزعة الأمن للحكومة المركزية واستعادة السلطة، والمشكلة أيضا تتعقد باتخاذ الدين ستارًا للعمل الإرهابي من أجل تنفيذ منافع سياسية للجماعة.

الجماعات المتطرفة تتحول إلى ورقة "جيوبولتك" سياسية؟

إن استمرار وتواصل العمليات الإرهابية في مصر، وبشكل متوالٍ، لم يهدأ، يعني أن ما يحدث في مصر هو ليس بعيدًا من المواقف السياسية لحكومة مصر، محليًا وإقليميًا ودوليًا.

بعض مواقف مصر في محاربة الإرهاب والتطرف:

ـ دور مصر في محاربة الإرهاب في سيناء، واتخاذها جملة قرارات وقوانين وإجراءات لضرب الجماعات المتطرفة لتنحصر في مثلث ضيق في سيناء لا يتجاوز 12 كم عند العريش، ورصد وضرب الجماعات المتطرفة على امتداد حدود سيناء البالغة بطول ما يقارب 160 كم وبمساحة تصل إلى 60 كم مربع، إلى جانب مراقبة المعابر الحدودية مع ليبيا بامتداد خط بطول 1115 كم، أبرزها:

أولًاـ منطقة واحتي الجغبوب في ليبيا وسيوة في مصر، ممرات فتحة بو دحيوة وفتحة الربدة على الحدود، أقصى الغرب الليبي، طريق وادي علي، المحاذي للطريق الصحراوي الجنوبي الرابط بين مدينتي إجدابيا وطبرق، ومن طبرق يتجه الطريق إلى أحد ممري الجغبوب مع سيوة.

ثانيًاـ  جنوب بحر الرمال، بجنوب واحة سيوة، ويمتد حتى جبل العوينات.

ثالثًاـ  هضبة السلّوم، المطلة على البحر المتوسط.

ـ اتخاذ مصر إجراءات في محاربة التطرف وفتاوى التطرف، وعدم السماح لمشايخ التطرف بإطلاق فتاواهم، بالتعاون مع مشايخ الأزهر، أبرزها قرار الحكومة المصرية خلال شهر نوفمبر 2017، الذي حدد بموجبه ما يصل إلى أربعين إمامًا فقط لتقديم الفتاوى والخطب.

ـ موقف الحكومة المصرية من الأقباط؛ سعت الحكومة إلى تأمين الكنائس والأديرة، كون الجماعات المتطرفة كانت تراهن على إثارة الانقسام داخل المجتمع المصري.

ـ دور مصر داخل التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب والفوضى في اليمن.

ـ موقف مصر من دولة قطر ووقوفها إلى جانب الدول الخليجية الثلاث: المملكة العربية السعودية، دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، في محاربة التطرف ومكافحة الإرهاب ومشاركة مصر بوضع مؤسسات وأفراد على قائمة الإرهاب من جديد، حيث أضافت الدول الأربع المقاطعة لقطر منظمتين و11 شخصا لقائمة الإرهاب، وجاء القرار في ضوء التزامها بمحاربة الإرهاب، وتجفيف منابع تمويله وتحدي الأيديولوجيا المتطرفة.

ـ انفتاح مصر على دولة فلسطين وفتح المعابر.

الأطراف المستفيدة من نشر الإرهاب في مصر:

ـ جماعة الإخوان المحظورة

ـ دولة قطر

ـ تركيا وتنظيم الإخوان المركزي

ـ أطراف إقليمية، إسرائيل

كيف استطاعت الجماعات المتطرفة -تتضمنها "الإخوان"- من الاستمرار بأنشطتها الإرهابية ضد مصر:

إن نوعية العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر وما زالت تشهدها، تحمل بصمات، إرهاب نوعي، ذات إمكانيات فنية ومالية وبشرية تفوق قدرة الجماعات المتطرفة وربما يعود للأسباب التالية:

ـ نوعية العجلات المستخدمة في تنفيذ العمليات، ذات دفع رباعي، عالية الكلفة، لا تسعى الجماعات للحصول عليها دون تمويل حكومات ودول وأطراف ذات إمكانيات عالية.

التقارير كشفت بأن الاستخبارات المصرية استطاعت تدمير ما يقدر بـ 1000 عربة دفع رباعي خلال عام 2017.

ـ نوعية الأسلحة المستخدمة: أسلحة خفيفة ومتوسطة.

ـ نوعية المتفجرات؛ استخدام  سي 4، أكثر من المتفجرات ذات الصنع المحلي أو اليدوي.

ـ زخم المصادر البشرية للجماعات المتطرفة، رغم الجهود التي تبذلها الحكومة المصرية بمطاردة وقتل العناصر المتطرفة في ساحات المواجهة واعتقال أعداد من عناصرها وقيادتها، مازالت هذه الجماعات، تحصل على أنصار ومقاتلين جدد. التمويل يعتبر هو عصب الجماعات المتطرفة.

لماذا استهداف مصر؟

ربما تعتبر مصر، رائدة التحالف العربي الإسلامي في مكافحة الإرهاب، بسبب الجغرافيا الواسعة وكثرة المعابر وكذلك وجود خريطة واسعة للجماعات المتطرفة، جميعها تنشط تحت الرايات السود و"التوحيد والجهاد".

ما تريده الجماعات المتطرفة، هو إيجاد ضغوطات جديدة على حكومة مصر، لتغيير مواقفها داخل التحالف العربي الإسلامي وفي محاربة الإرهاب وجماعة الإخوان، وهذا ما يرجح ترشيح فاعلية كل من قطر وجماعة الإخوان للتورط بعمليات الإرهاب واستهداف مصر. ومايدعم هذه الفكرة أيضا، أن جماعة الإخوان مازالت تنشط في ليبيا من خلال حضور قياداتها هناك.

ماذا تحتاجه مصر لمكافحة الإرهاب؟

ما يجري في مصر من عمليات إرهابية بات مرتبطا بتطور الأحداث في ليبيا تحديدًا أكثر مما يجري في هزيمة تنظيم داعش، في سوريا والعراق، وهذا ما يتطلب جهد دولي أممي لإيجاد خيارات جديدة في ليبيا.

تحتاج مصر أيضا إلى إعادة النظر في اتفاقية كامب ديفد خاصة ما يتعلق بمراقبة الخط الحدودي ما بين مصر وإسرائيل، وربما تحتاج إلى مشاركة أممية لفرض الأمن.

لا توجد دولة تحارب الإرهاب بمفردها، وهذا يعني أنه ليس من الإنصاف ترك مصر أن تحارب الإرهاب بمفردها وسط مساحة وخريطة واسعة من أشكال التطرف والإرهاب.

وما تحتاجه مصر هو الحصول على الدعم الدولي لمحاربة الإرهاب، وربما دعم دول غربية أبرزها الولايات المتحدة وفرنسا وربما روسيا، لتقديم الدعم اللوجستي الفني منها مراقبة الجماعات عبر الأقمار الاصطناعية، وتقديم صور عن أعشاش وممرات الجماعات المتطرفة في سيناء وعند الحدود الليبية.

*باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات



اضف تعليق