الإعلام الخاطئ.. منصة "الإرهاب" للصعود والهيمنة


١٢ مايو ٢٠١٧

كتبت - أميرة رضا

تنظيمات إرهابية هنا وهناك، تنظيمات وجماعات ألقت بشباكها على مشارق الأرض ومغاربها، حتى أصبح الإرهاب آفة تبث الرعب في قلوب البشر، وباتت تتغلغل في المجتمعات لتصل إلى أنحاء مختلفة من العالم.

وفي ظل موجة الإرهاب التي يواجهها العالم كله في هذه الأيام، بات أيضًا من المهم البحث عن مواجهة متكاملة على كافة الأصعدة.

وتعد الناحية الأمنية والتعامل العسكري من إحدى هذه المواجهات ولكن ما هي إلا جزء من استراتيجية كبرى ينبغي أن تقدم فيها جهات متعددة أدوارًا مختلفة، ومن بين هذه الجهات التي تتحمل مسؤولية كبيرة في مواجهة تلك الظاهرة المقيتة هي "الإعلام".

التنظيمات الإرهابية وصناعة الحدث
لقد أدركت التنظيمات الإرهابية، منذ اليوم الأول، الدور الذي يقوم به الإعلام في صناعة الأحداث والظواهر وتشكيل الرأي العام، فكونت جبهات إعلاميةً تتحدث باسمها، وتبث الرعب في قلوب المكافحين لها، وتستقطب المجندين إلى صفوفها.

بث الرعب في القلوب
استغلت التنظيمات الإرهابية في سبيل هذا كل الوسائل المختلفة للإعلام مثل الإعلام التقليدي (المسموع والمرئي والمقروء)، والإعلام الإلكتروني (المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي) وغيرها.

وانطلقت من قاعدة مهمة وخطيرة ألا وهي بث الرعب في القلوب، والظهور وكأنهم نافذون وموجودون في كل مكان، وأن بإمكانهم الوصول إلى أكثر المناطق حساسية في العالم، وإظهار ضعف الحكومات وعجزها عن تأمين رعاياها.

وخير دليل على ذلك عندما استولى تنظيم "داعش" على "الموصل" في شهر  يونيو 2014، حيث أن التنظيم لم يكتف بإحراز التقدم على الأرض فقط، ولكنه دشن حملة إعلامية شرسة على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر من خلالها الصور التي تنقل وحشية التنظيم في العالم العربي كله؛ لتبث الرعب في قلوب أهالي الموصل.

ونتيجة لذلك، تفككت قوات الجيش العراقي التي كانت تفوق قوات "داعش" بخمسة أضعاف، وسيطر ما لا يزيد عن 2000 مقاتل داعشي على مدينة الموصل التي يقدر سكانها بمليون ونصف المليون مواطن.

ومع اتضاح هذه الصورة ووضوح هذا المنطلق، إلا أن المعالجة الإعلامية لهذه الظاهرة والتعامل مع هذه الأهداف، التي لم يعد الإرهاب يضمرها، وتحتاج إلى وقفة أمينة ومراجعة صريحة من قبل الجهات الإعلامية.

المعالجة الخاطئة
تعد تلك المعالجة الخاطئة لقضايا وهجمات الإرهاب في الإعلام خير مساعدة للإرهابيين على تحقيق أهدافهم وخدمتهم من غير أن يقصد الإعلام فعل ذلك.

وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة "The Independent" البريطانية مقالًا هامًا، بتاريخ 22 أبريل الماضي، تناولت فيه هذه المسألة وكيف أن تعاطي الإعلام مع الحوادث الإرهابية والتسرع في إلقاء اللائمة على الإسلاميين المتشددين يخدم الإرهابيين ويزيدهم قوة ونفوذا.

الطريق إلى جنهم محفوف بالنوايا الحسنة
وفي البداية، استخدم هذا التقرير المثل القائل "إن الطريق إلى جهنم محفوف بالنوايا الحسنة"، مؤكدًا على ضرورة توقف الإعلام عن مساعدة الجماعات الإرهابية من غير قصد في تحقيق مآربهم؛ ومبينًا أن مساعدة الجماعات الإرهابية تكون بإضفاء هالة من النفوذ والإجرام عليهم بحيث تزرع حالة من الرعب منهم والخوف من مواجهتهم.

وتعد حادثة فريق "دورتموند" الألماني، أقرب مثال على ذلك، فبعد أن تسرع الإعلام في وصف الحادث بأنه إرهابي، كشفت التحقيقات أن منفذ الهجوم ألماني روسي عمره 28 عامًا، وأنه لم يكن مدفوعًا أو قبل تنظيم "داعش"، ولكنه كان يراهن على انخفاض سعر أسهم نادي "دورتموند"؛ مما دفعه للسعي إلى التسبب في هبوط أسهم النادي حتى يتمكن من تحقيق ربح؛ فالهدف مالي وليس إرهابيّا ووراءه الطمع وليس "داعش".

والجدير بالذكر أن حادث "دورتموند" لم يكن الأول فيما يتعلق بنسبة إحدى الهجمات –خطأً– إلى الجماعات الجهادية،  ففي حادث "كيبك" الإرهابي في يناير وحادث "ملبورن" في نفس الشهر، وجهت أصابع الاتهام إلى المسلمين، على الرغم مِن أن التحقيقات كشفت أن المسؤول عن الحادث الأخير رجل يوناني الأصل، وأن دوافع الهجوم تتعلق بالمخدرات.

دوافع نفسية
ونفس الأمر بالنسبة للحادث البشع الذي نفذه عمر متين في ناد للمثليين في "أورلاندو" العام الماضي، وكانت وسائل الإعلام قد ملأت الدنيا ضجيجا بأن "متين" تربطه صلات وثيقة بـ "داعش"؛ غير أنه بعد ذلك رجحت وسائل إعلام غربية أن تكون وراء الهجوم الذي نفذه الأمريكي من أصل أفغاني عمر صديق متين على ناد للمِثليين في "أورلاندو" «دوافع نفسية مِثلية»، كما أن المُنفّذ أبدى في مرات سابقة زار فيها النادي «سلوكًا عدوانيًّا ارتبط بإفراطه في شرب الكحول»! حتّى إن وكالة الاستخبارات المركزية قد أكّدت بعد ذلك أن "متين" ليس له أي صلات مباشرة مع "داعش".

ولكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا تجاهل الإرهاب المستوحى من "داعش"، أو المرتكب بإيعاز منها، وإننا بحاجة إلى مكافحة وقتال الخطر والأيديولوجية التي تؤكد عليها، أما أن نلومها على كل شيء فنحن نصنع منها عدوّا أكثر قوة مما هي عليه بالفعل.

ذيوع الصيت
في أوقات الحروب والأزمات الطاحنة التي تمر بها البلاد، لا يستطيع عاقل أن ينكر الدور الذي يقوم به الإعلام، ففي هذه الأوقات، لابد أن يكون موجها بحذر شديد لخدمة القضية التي يدافِع عنها الوطن أو يصبو لتحقيقها، وهذا بالفعل ما قام به الإعلام الأمريكي وقت غزو العراق، واليوم وللأسف، أصبح الإعلام -من غير قصد- متواطئًا؛ فما تلبث أي جريمة كبرى أن تقع في أي دولة، إإلا وتخرج مواقع التواصل الاجتماعي  بعد عدة دقائق لتدعي أن "الإسلاميين" هم من نفذوا تلك الجريمة، وعندئذ تخرج جهة إرهابية لتتبنى الهجوم، لتحتفل بها جميع وسائل الإعلام بعد ذلك، بل وتظهر من الأدلة ما يثبتها من تصريحات وفيديوهات، غافلين عن حقيقة أن التنظيمات الإرهابية لا يهمها سوى "ذيوع الصيت" وبث الرعب في القلوب، والإيحاء بأنها نافذة وفاعلة في كل مكان.

وبطبيعة الحال فإن تلك المعالجة الخاطئة للحوادث الإرهابية لا تخدم فقط الإرهابيين، ولكن أيضًا اليمين المتطرف والانتهازيين ممن يقفزون على أي حادث قبل الاستيثاق والتثبت من الحقائق؛ لالتهام الإسلام بأبشع الجرائم واستغلاله كمنصة للصعود والهيمنة، كما أن الرويات التي يفرضها الإعلام عن الحوادث الإرهابية قد تؤثر في سير عمليات التحقيق وتقصي الحقائق التي تقوم بها الجهات الأمنية.

لذلك فعلى جميع الجهود أن تتضافر، حتى يستطيع العالم في هذه اللحظات الصعبة أن ينجو من ويلات الإرهاب، وتحقيق العدل والحرية والأمان.



اضف تعليق