إيران ربحت رئاسة البرلمان العراقي .. ماذا بعد؟


١٧ سبتمبر ٢٠١٨

رؤية 

في نظام مبني على المحاصصة الطائفية، يخصص منصب رئيس البرلمان للسنة، على أن يكون له نائبان شيعي وكردي، إضافة إلى رئيس جمهورية من الأكراد، فيما يبقى منصب رئيس الوزراء، السلطة التنفيذية الفعلية في البلاد، للشيعة.
 
انتخب البرلمان العراقي السبت الماضي لقيادته مرشحين مدعومين من التحالف المقرب من إيران، ما يؤكد أن هذا الائتلاف بات في موقع يؤهله تشكيل الحكومة المقبلة إلى جانب رجل الدين البارز مقتدى الصدر.

وانتخب النواب الذين وصلوا إلى البرلمان في الانتخابات التشريعية التي جرت في 12 أيار/مايو الماضي، محافظ الأنبار السابق محمد الحلبوسي، رئيسا لمجلس النواب، وكان مدعوما من تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري المقرب من إيران.

وبعد ذلك، انتخب المجلس نائبا أولا للحلبوسي، هو حسن كريم، مرشح ائتلاف "سائرون"، والقائمقام السابق لمدينة الصدر.

انتصار إيراني

وفي بداية هذه العملية "تمكنت إيران من تسجيل نقطتين، فيما خسرت الولايات المتحدة ثلاث نقاط"، حسبما قال المحلل السياسي هشام الهاشمي لوكالة فرانس برس.

ويشير الهاشمي إلى أن قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني نجح في توحيد البيت الشيعي، والإيفاء بالوعود للسنة الذين انضموا إليه".

أما في الثانية، فإن المبعوث الأميركي بريت ماكجورك، فشل في تقسيم الشيعة، وخسر وعوده للسنة بأن يصبحوا أقوى، وأيضا تهديده للسنة الذين اختاروا الالتحاق بالمعسكر الإيراني"، وفق الهاشمي نفسه.

وتنافس الحلبوسي على المنصب مع ثلاثة آخرين، بينهم أسامة النجيفي نائب رئيس الجمهورية، ووزير الدفاع السابق خالد العبيدي المدعوم من رئيس الوزراء حيدر العبادي.

ولم تفلح المحاولات الأميركية في تغيير البوصلة السنية أو الكردية من الحلبوسي إلى العبيدي، في إشارة واضحة إلى تفوق النفوذ الإيراني في العراق على النفوذ الأميركي.

وألمح ساسة عراقيون موالون لإيران إلى أن انتخاب الحلبوسي رئيسا للبرلمان، سيؤثر بشكل فاعل في اختيار رئيسي الجمهورية والوزراء، بعدما أثبتت الكتلة الداعمة له قدرتها على ضمان الأغلبية اللازمة داخل البرلمان.

واللافت أن الكتلة النيابية الكبيرة التي دعمت الحلبوسي في مواجهة خالد العبيدي، ضمت نوابا محسوبين على مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم، الذين يوصفون بأنهم قادة محور الممانعة لتمدد النفوذ الإيراني في العراق. لكن “التفاهم بين زعيم تحالف الفتح المقرب من إيران، هادي العامري، ومقتدى الصدر، كان حاسما في ترجيح كفة الحلبوسي، الذي دخل المنافسة بوصفه مرشح إيران لهذا المنصب”.

وقرأت أوساط المراقبين في اختيار الحلبوسي لهذا الموقع رسالة إيرانية قوية إلى الولايات المتحدة، تنبئ بما يمكن أن تفعله طهران في الملف السياسي العراقي.

تهنئة إيرانية

وقد هنأ المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، العراق على انتخاب نوابه محمد الحلبوسي رئيسا للبرلمان بعد فترة جمود سياسي شهدتها البلاد.

واعتبر قاسمي أن انتخاب الحلبوسي خطوة هامة وضرورية من أجل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، معربا عن أمله في توفر الظروف لانتخاب رئيس للعراق وكذلك رئيس للوزراء في المستقبل القريب.

وقد دعا رئيس مجلس النواب العراقي (البرلمان) محمد الحلبوسي أمس الأحد، نظيره الإيراني "علي لاريجاني" للقيام بزيارة رسمية إلى العراق خلال مكالمة هاتفية.

وأثنى رئيس البرلمان العراقي الجديد على "دور إيران ودعمها المفتوح للعراق، لاسيما المساعدة في تحرير العراق من تنظيم داعش الإرهابي".

وأشار الحلبوسي إلى عوامل زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة، وقال: "نحن على استعداد للوقوف إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمساهمة في إعادة الأمن والاستقرار للمنطقة".

كما أعرب الحلبوسي، رفض بغداد للعقوبات الاقتصادية على إيران، وأكد أن العراق سيكون دائماً إلى جانب الشعب الإيراني.

اختيار رئيس العراق

وبعد انتخاب رئيس البرلمان، يأتي الدور على انتخاب رئيس الجمهورية، حيث أعلن مجلس النواب العراقي الأحد أن باب الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية سيفتح اعتبارا من يوم الثلاثاء المقبل.

وقال رئيس البرلمان الجديد محمد الحلبوسي إن "الترشيح للمنصب سيكون إلكترونيا من خلال إعلان الموعد عن طريق الموقع الإلكتروني لمجلس النواب".

وأضاف أن مجلس النواب سيلتزم بالتوقيتات التي حددها الدستور العراقي لاختيار رئيس الجمهورية.

من هم أبرز المرشحين؟

وقال حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الأحد إن هناك ثلاثة أسماء مطروحة حاليًا لتولي منصب رئيس لجمهورية.

وحسب راديو "سوا" كشف القيادي في الاتحاد سعدي بيره لراديو، أن الأسماء هي رئيس الجمهورية الحالي فؤاد معصوم، إضافة إلى القياديين في الاتحاد الوطني محمد صابر والملا بختيار.

وحسب شبكة العربية، كشفت مصادر سياسية خاصة عن احتمالية ترشح نائب رئيس الوزراء الأسبق برهم صالح لمنصب رئاسة جمهورية العراق.

وأضافت المصادر أن قُباد طالباني نجل الرئيس الراحل جلال طالباني قد دعم ترشيح صالح لمنصب رئاسة الجمهورية شرط عودته إلى الحزب الأم.

نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن سعدي بيره، أن مرشح حزبه لرئاسة الجمهورية سيكون من قياديي الاتحاد حصرًا، وأن اسم برهم صالح، الذي انشق عن الحزب وشكل التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة، غير مطروح.

ومنذ عام 2004 ولغاية الآن سيطر حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على منصب رئيس الجمهورية بعد أن تم اختيار زعيمه السابق جلال الطالباني لهذا المنصب لدورتين متتالتين، ومن ثم الرئيس الحالي فؤاد معصوم الذي تولي منصبه في 2014.

لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني يرى أن المنصب يجب أن يكون من حصته باعتبار أنه كان "الجهة الأكثر حصدا لأصوات الناخبين في إقليم كردستان".

ونقلت شبكة "روداو" الكردية، عن عضو البرلمان العراقي عن الحزب الديمقراطي بشار الكيكي قوله "تم اختيار ثلاثة مرشحين من الحزب لشغل منصب رئيس الجمهورية".

وأضاف أن المرشحين هم "نائب رئيس الوزراء الأسبق روز نوري شاويس ووزير الخارجية السابق هوشيار زيباري والقيادي في الحزب فاضل ميراني".

كيف يتم انتخاب الرئيس؟

ووفقا لقانون أحكام الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية الذي اقره مجلس النواب في 2012 فإن الترشيح للمنصب يتم خلال مدة ثلاثة أيام من تاريخ انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه على أن يتم غلق باب الترشيح بعدها بثلاثة أيام.

وبحسب الدستور يجب أن يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال 30 يوما من تاريخ انعقاد أول جلسة لمجلس النواب الجديد، ويفوز المرشح الحاصل على أغلبية ثلثي عدد أعضاء مجلس النواب.

وإذا لم يحصل أي من المرشحين على أغلبية الثلثين يعاد الاقتراع ثانية ويتم التنافس في هذه الحالة بين المرشحين اللذين حصلا على أعلى الاصوات ويعد رئيسا منتخبا للجمهورية من حصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني.

اختيار رئيس الحكومة

وكما جرت العادة والأعراف في العراق، فإن رئيس مجلس النواب لا ينتخب، إلا في حال تم التوصل إلى اتفاق على رئيس الجمهورية الجديد، الذي يجب أن ينتخب في غضون ثلاثين يوما.

كان الجميع يشير في الفترة السابقة إلى أن العبادي سيحتفظ بمنصبه كرئيس للوزراء، بعد تحالفه مع الصدر، الذي فاز في الانتخابات بناء على برنامج مكافحة الفساد بمشاركة الشيوعيين، في سابقة سياسية.

لكن حليفه تخلى عنه سبت الأسبوع الماضي، في أعقاب أربعة أيام من الاحتجاجات الدامية في محافظة البصرة الجنوبية الغنية بالنفط إثر أزمة صحية غير مسبوقة. والأسبوع الحالي، اتخذ العبادي خطوة إلى الوراء.

والآن، بات الأمر بيد منافسيه اللذين حلا أمامه في الانتخابات التشريعية، لتسمية خلفه، بعدما أعلنا قبل أسبوع أنهما "على الخط نفسه" لتشكيل الحكومة في أسرع وقت ممكن.

ففي النظام الانتخابي الذي يعتمد النسبية، وتم إقراره لمنع عودة نظام دكتاتوري بعد سقوط صدام حسين في العام 2003، على اللوائح الفائزة في الانتخابات أن تشكل ائتلافات، وبالتالي فإن الكتلة الأكبر داخل المجلس تسمي رئيس الحكومة المقبل.

ويبدو هذا القرار اليوم بين أيدي مقتدى الصدر وهادي العامري، اللذين تمكنا من جمع السنة والأكراد حولهما، وهو ما أظهره فوز الحلبوسي برئاسة البرلمان.

عادل عبدالمهدي

وتقول مصادر سياسية مطلعة في بغداد إن "طهران بدأت فعليا استكمال مشروعها في الملف السياسي العراقي، مقترحة تولي السياسي المخضرم عادل عبدالمهدي، منصب رئيس الوزراء في الحكومة الجديدة".

وحسب روسيا اليوم، فقد أكد مصدر سياسي عراقي، أن عادل عبد المهدي، نائب رئيس الجمهورية الأسبق هو الأقرب لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة.

 وقال المصدر، إن "المنافسة كانت بين عبد المهدي وشخصيات أخرى، لكن هناك توافقا كرديا شيعيا سنيا عليه"، مبينا أن "عبد المهدي ينتظر موافقة مرجعية علي السيستاني ليعطي موافقته للكتل السياسية على تسلم المنصب".

وأضاف أن "عبد المهدي أبلغ الكتل السياسية بأنه لا يمكن القبول بالمنصب دون موافقة المرجعية التي قالت إن المجرب لا يُجرب".

وقد ترددت أنباء من النجف، المدينة العراقية المقدسة لدى الشيعة، عن عدم اعتراض المرجعية الشيعية العليا، ممثلة بآية الله علي السيستاني، أو مقتدى الصدر، على ترشيح عبدالمهدي لهذا المنصب.

وحتى الآن، ليس واضحا ما إذا كانت واشنطن ستقبل ترشيح عبدالمهدي أو أنها قادرة فعلا على التصدي للرغبة الإيرانية بترشيحه.

ولكن الفريق السياسي العراقي الموالي للولايات المتحدة، يرى في عبدالمهدي معظم المواصفات التي تشترطها واشنطن في المرشح العراقي لمنصب رئيس الوزراء.

ويقول هذا الفريق إن "إيران سبق لها أن أقصت عبدالمهدي مرتين من سباق الترشح لرئاسة الوزراء، في حكومتي 2010 و2014، بسبب صلاته الوثيقة بالولايات المتحدة والغرب".

وتحدثت صحيفة الجريدة الكويتية قبل أيام عن اجتماع سري جمع قائد فيلق القدس الإيراني، "قاسم سليماني" مع المبعوث الأمريكي "بريت ماكجورك"، وهو ما نفته السفارة الأمريكية في بغداد. وربما تناول الاجتماع الاتفاق على تقاسم الأدوار السياسية في العراق.

لذلك يمكن أن يكون ترشيح عبدالمهدي فعليا، هو انتصار أمريكي على إيران في الملف العراقي. وتقول المصادر إن "معظم الأسماء التي يجري تداولها حاليا، إلى جانب عبدالمهدي، ولكن بحظوظ أقل، تتمتع بصلات عميقة مع الولايات المتحدة والغرب".

ويبرز من بين هذه الأسماء رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، وربما رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي. وعاد الفريق القريب من العبادي إلى الحديث عن أن رئيس الوزراء ما زال حاضرا في سباق الترشح للظفر بتكليف تشكيل الحكومة المقبلة.

ويقول مراقبون إن أجواء اختيار رئيس الوزراء الجديد، ربما لن تذهب بعيدا عن الترتيبات الأمريكية، ما يعني أن واشنطن بإمكانها الرد على الصفعة الإيرانية المتمثلة بإيصال الحلبوسي إلى رئاسة البرلمان، وذلك بدفع مرشح موال لها إلى منصب رئيس الوزراء، وهو أرفع موقع تنفيذي في البلاد، إذ ترتبط به المؤسسات العسكرية والمالية جميعا".


اضف تعليق