زيارة نتنياهو للهند .. تحالفات سياسية لتدعيم اقتصاد إسرائيل


٢١ يناير ٢٠١٨

رؤية - محمد عبد الدايم

بعد نحو ستة أشهر من زيارة رئيس الوزراء الهندي لإسرائيل؛ رد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي بزيارة رسمية كبيرة إلى الهند استغرقت ستة أيام، وهي الزيارة الرسمية الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي للهند منذ 15 عاما، ووجد في استقباله رئيس الوزراء الهندي بنفسه، الذي كتب تغريدة باللغة العبرية عبر حسابه بتويتر رحب فيها بنتنياهو والوفد الموافق له، حيث قال فيها: "أهلا بك يا صديقي رئيس الحكومة نتنياهو! زيارتك إلى الهند هي تاريخية ومميزة".، كما كرر الترحيب به باللغة العبرية خلال المؤتمر الصحفي المشترك.

استقبال ملكي ومفاجأة رسمية:-


كان من المتفق عليه أن يكون في استقبال نتنياهو وزوجته وزير الدولة الهندي للشئون الخارجية، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي فوجئ بأن رئيس الوزراء ناريندرا مودي على رأس مستقبليه بمطار نيودلهي.

لم تكن هذه أولى المفاجآت، فرئيس الوزراء فوجئ بأن الهند تستقبله بحفاوة شديدة، كأنه أحد الملوك الكبار، فاصطف نحو مائة جندي هندي كحرس شرف في استقبال نتنياهو، إضافة إلى خيالة رافقت مركبته بعد عزف النشيد الوطني، كما تزين المطار الذي هبط فيه بألوان مبهجة وفقا لتقاليد الهند، وتراصت فرق موسيقية هندية لتعزف له وتقدم عروضا راقصة تقليدية، ووقف مواطنون هنود بمن فيهم من الأطفال في الشوارع ملوحين بعلم إسرائيل الذي كان يرفرف في كل موضع يطؤه الوفد الإسرائيلي، وظهرت الهند وكأنها في احتفال كبير بنتنياهو والوفد المرافق له.

شارك نتنياهو وزوجته مع رئيس الوزراء الهندي في مراسم وضع إكليل من الزهور في موضع حرق جثمان غاندي، كما شهدت الزيارة تأدية مراسم رسمية لتسمية ميدان بنيودلهي باسم مدينة حيفا تخليدا لذكرى جنود هنود ماتوا في حيفا المحتلة إبان الحرب العالمية الأولى.

إضافة إلى المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء الهندي؛ التقى نتنياهو بالرئيس الهندي ناث كوفيند في قصر الرئاسة بنيودلهي، كما التقى وزيرة الخارجية سوشما سواراج، وفي مساء اليوم الأول لزيارته التأم الطرفان الهندي والإسرائيلي في مأدبة عشاء بدعوة من مودي.


أهداف الزيارة الإسرائيلية:-

جاءت زيارة نتنياهو للهند بمناسبة إحياء الذكرى الــ25 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفقا لما أعلنه مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ فإن الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى الهند جاءت لتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين، حيث وقع نتنياهو مع مودي تسع اتفاقيات تجارية شملت مجالات البترول والغاز حيث اتفق الطرفان على تعزيز التعاون في البحث عن الغاز والنفط وأنشطة الإنتاج والتطوير، والعمل المشترك في الشركات الناشئة التي تعمل في مجال البترول والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى إقامة علاقات أكاديمية بين الجامعات والمؤسسات العلمية في البلدين، وكذلك اتفاقية  لتطوير خدمات الطيران وفقا للاتفاقية التي وقعتها الهند مع إسرائيل عام 1994، مع الأخذ في الاعتبار تغير التكاليف والإجراءات الأمنية، والبحث والتطوير الصناعي والسايبر (فضاء الشبكات المحوسبة وأنظمة الاتصالات والمعلومات والتحكم عن بعد) من أجل تطوير برامج للتأهيل والتطوير والتعاون الصناعي والتقني في مجالات الفضاء الإلكتروني، إضافة إلى التعاون في مجال السينما عبر تعزيز التعاون بين صناعة السينما في البلدين من خلال إنشاء صناديق دعم حكومية هندية- إسرائيلية تخصص منح حكومية للأفلام المشتركة بين البلدين، وفي الأخير تم الاتفاق على إعلان نوايا لدفع الاستثمارات المباشرة بين البلدين.

من أجل توقيع هذه الاتفاقيات التجارية رافق نتنياهو في زيارته للهند نحو 150 رجل أعمال إسرائيلي وممثلين عن شركات، ليشكل هذا العدد الكبير أكبر وفد من رجال الأعمال الإسرائيليين الذي يزور دولة خارجية مع رئيس وزراء إسرائيلي حالي، وذلك بعد قرار إسرائيل إبان زيارة رئيس الوزراء الهندي منذ نصف عام أن تستثمر نحو 70 مليون دولار حتى عام 2020 لتوطيد العلاقات مع الهند.

لقاء مع الجالية اليهودية وإحياء ذكرى ضحايا مومباي:-

في إطار زيارته التقى نتنياهو برؤساء الجالية اليهودية بالهند، كما أنه اصطحب في زيارته الطفل الإسرائيلي مويشي هولزبرج (12 عاما) الذي لقي والداه مصرعهما في أحداث تفجير المركز التجاري في مومباي عام 2008، وشارك نتنياهو مع زوجته في مراسم إحياء ذكرى ضحايا التفجير الذي استهدف فندق تاج بالاس والمركز اليهودي آنذاك.


زيارة رسمية وسياحية:-

لم تكن أجندة نتنياهو وسارة للهند حافلة باللقاءات السياسية الرسمية فحسب، بل حفلت أيضا بجولات سياحية في تاج محل بولاية أوتر براديش، ومنزل غاندي في مدينة أحمد آباد بولاية كجرات.

بين إسرائيل وبوليود: سلفي وتعاون:-

في معرض زيارته كذلك شارك نتنياهو وزوجته في أمسية حضرها بعض رؤساء صناعة السينما الهندية وأكبر المنتجين والممثلين والمخرجين ومن بينهم النجوم: أميتاب باتشان وكران جوهر وأيشواريا راي، ووقف نتنياهو في نهاية الأمسية مع بعض النجوم لالتقاط صورة سلفي معه وزوجته.

العلاقات الإسرائيلية الهندية:-

شهدت العلاقات الهندية الإسرائيلية تطورا نوعيا كبيرا في السنوات الأخيرة، منذ بدايات التسعينيات تحديدا، لكنها ظلت لعقود علاقات على الورق فقط، حتى عام 1998 حين وصل إلى الحكم الائتلاف الهندي بزعامة حزب بهاريتا جانتا، وتولي أتال بيهاري فاجبايي منصب رئيس الوزراء.

منذ هذا الوقت أصبحت العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل أقوى من أي وقت مضى، حتى وصلت إلى يوليو من عام 2017، حين قام رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بأول زيارة رسمية لإسرائيل منذ قيامها، ومكث مودي بإسرائيل ثلاثة أيام.

استغل نتنياهو خطابه في منتدى ريسينا للهجوم على ما أسماه "بالإسلام المتطرف بأذرعه الإرهابية المنتمية إلى تيارات مختلفة تقوض مساعي الحداثة والابتكار"، وجاءت الزيارة الإسرائيلية مفعمة بحميمية واضحة تتجلى مع توطيد العلاقات بين الهند وإسرائيل في أعقاب صعود تحالف الأحزاب الهندوسية وسيطرتها على الحكم في الهند، مع تراجع للأحزاب المسلمة.

بدت نبرة نتنياهو وكأنها تضع المسلمين في كفة واحدة، كما لو كان يستغل حالة التوتر بين الهندوس والمسلمين من جهة، وبين الهند وباكستان من جهة أخرى، ليضفي على حديثه وزيارته برمتها بعدا دينيا يستحث فيه تحالفا دينيا يهوديا هندوسيا ضد المسلمين.

مغيب الاتحاد السوفيتي في صالح إسرائيل:-

ربما يكون سقوط الاتحاد السوفيتي قد أعطى للعلاقات الهندية الإسرائيلية بعدا جديدا، فأصبحت الهند في حاجة لمورد سلاح بديل عن الاتحاد السوفيتي، ومن هنا سعت إسرائيل لتوطيد التعاون في مجالات الصناعات الأمنية وتسويق السلاح.

ما أثار القلق الإسرائيلي مؤخرا في مقتبل هذا الشهر الأنباء التي أفادت أن وزارة الدفاع الهندية بصدد إلغاء صفقة شراء معدات تكنولوجية إسرائيلية وصواريخ من طراز سبايك يقدر سعرها بنحو 500 مليون دولار، استنادا إلى قلق الهند من أن تؤدي الصفقة إلى ضرر في الصناعة المحلية الهندية، ولكن أفادت صحيفة هندية كبرى بعد ذلك أن دولة شبه القارة الهندية تراجعت عن إلغاء الصفقة وستعمل على استئنافها.

من هنا تأتي أهمية الهند لإسرائيل كمستورد كبير للمعدات العسكرية والأسلحة، حيث سعت تل أبيب لأن تحل محل الاتحاد السوفيتي وتزود الهند بالسلاح، وأثر ذلك على زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين في مجالات الأسلحة والأنظمة الأمنية، رغم أن الهند كانت تعلن تحفظها على التماهي الكامل مع إسرائيل في مجال تجارة الأسلحة حتى العام 2013، ولكن المؤكد أن العلاقات الإسرائيلية الهندية تتوطد على مستوى تبادل الأسلحة ومعدات الدفاع.


اتفاقية الطيران والمجال الجوي السعودي:-

تحمل اتفاقية الطيران بين الهند وإسرائيل أهمية واضحة للطرفين، فالرحلات الجوية الهندية إلى إسرائيل متوقفة منذ نحو 20 عاما لأسباب اقتصادية، تتمثل في بعد المسافة وزيادة التكاليف، واقتصرت الرحلات بين البلدين على طيران شركة العال الإسرائيلية التي تُسير رحلاتها مومباي عبر مسار طويل، ويبدو أن الحل الأمثل لزيادة حجم الطيران المتبادل بين البلدين يتمثل في تقصير مدة التحليق ومن ثم زيادة عدد الرحلات وتقليل التكلفة، وهو ما ينعكس على زيادة حركة التجارة المتبادلة والرحلات السياحية في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لأن تكون بؤرة جاذبة للسياح بشكل أكبر، لكن هذا الحل يستلزم أن تحلق طائرات إير إنديا وطائرات العال من الهند إلى إسرائيل والعكس عبر المجال الجوي السعودي، وهو الأمر الذي لا يبدو الوصول إليه سهلا في الوقت الحالي، رغم إعلان مسئولو شركة الطيران الهندي إير إنديا عن استعدادهم للتفاوض مع السلطات السعودية حول هذا الأمر.

برجماتية الهند:-

بعيدا عن استقطاب إسرائيل للدعم الهندوسي ومزاعم التحالف لمواجهة المسلمين؛ تبدو الحكومة الهندية في الوقت الحالي وكأنها تتعامل بمنطق أكثر برجماتية، حيث تسعى لتوفير احتياجاتها وتقوية مصالحها السياسية والاقتصادية بعيدا عن الاستقطاب السياسي الذي تؤججه القضية الفلسطينية ومستقبل علاقات الدول العربية مع الهند من جهة، ومع إسرائيل من جهة أخرى.

إسرائيل تعضد وجودها بالتعاون مع الدول الصاعدة:-

جاءت زيارة نتنياهو للهند لتعكس توجها إسرائيليا واضحا باستقطاب التعاون مع الدول ذات الاقتصاديات الناشئة، ففي سبتمبر 2017 قام نتنياهو بزيارات رسمية لعدة دول في أمريكا الجنوبية، شملت الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك ولقاء مع رئيس باراغواي، وكانت هذه الزيارات بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والأمني بين إسرائيل وبين دول أمريكا الجنوبية.

تستغل إسرائيل قوتها العسكرية في تعزيز حجم التبادل التجاري مع هذه الدول في مجالات تجارة الأسلحة والأنظمة الأمنية، انطلاقا من خطة إسرائيلية للتوسع شرقا وغربا عبر علاقات تجارية وديبلوماسية تعود بالنفع على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يبدو أنه في حالة صحوة كبيرة مؤخرا، فالمؤشرات تؤكد أن العام 2017 واحد من أفضل الأعوام بالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، حيث استمر انخفاض سعر الدولار أمام الشيقل، ونجحت حكومة نتنياهو في خفض الدين العام إلى مستوى 60% من الناتج العام، كما ارتفعت نسبة التشغيل ونسبة المشاركة في سوق العمل، ما أدى إلى ارتفاع القوة الشرائية ومن ثم ارتفاع في مستوى المعيشة، خصوصا مع ارتفاع الرواتب، وقيم بعض الخبراء في إسرائيل صعود المؤشرات الاقتصادية باعتبارها معجزة كبيرة حدثت رغم التحديات الكثيرة التي واجهت حكومة نتنياهو.


اضف تعليق