بانتظار مرحلة ما بعد "أبو مازن" ونتنياهو


٠٦ يناير ٢٠١٨

رؤية - محمد عبد الدايم

مع كل يوم جديد يمر يتأزم الوضع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر وبشكل متسارع، ومع كل حدث يجري أو تطور سياسي مستحدث يتضح رويدا رويدا أن مقدرات الطرفين لم تعد بيد "أبو مازن" ونتنياهو وحدهما، بل يمكن القول: إن كل منهما ينازع الآن في رمق أخير قبل أن يفقد السلطات من يديه.

نتنياهو لم يستطع حتى الآن تغيير خطابه المبتذل بأن "فشل عملية السلام يأتي لرفض الأطراف الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي"، بينما أبو مازن لم يثبت حتى الآن، وبعد ما يقرب من 25 عاما على اتفاقية أوسلو، أنه استثمر خيار المسار السياسي ليحقق من ورائه مكسبا للفلسطينيين.

رغم أنهما ما يزالا في صدارة الحكم، كل في موقعه، نتنياهو رئيس لحكومة إسرائيل، وأبو مازن المنتهية ولايته رئيسا للسلطة الفلسطينية؛ فإنه على ما يبدو أن يديهما صارت أكثر تراخيا، وغدت مقاليد السلطة في إسرائيل وفلسطين في أيدي أطراف أخرى.

في حزب هاليكود يدور الحديث حول مرحلة ما بعد نتنياهو، مع تزايد الضغوط السياسية على رئيس الوزراء لتقديم استقالته على خلفية التحقيقات في قضايا الفساد، والتي تهز عرش نتنياهو رغم ما يبدو عليه من استهانة بأنباء التحقيقات، واتهامه لخصومه السياسيين بمحاولة إسقاطه، لكن صدى الفساد في إسرائيل هذه المرة يبدو أعلى من ذي قبل، سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى الشعبي.




يواجه نتنياهو مصيرا مشابها لمصير إيهود أولمرت، أول رئيس وزراء إسرائيلي يدخل السجن بعد الحكم عليه في قضايا رشى، خصوصا وأن القضايا التي يتم التحقيق فيها منذ أكثر من عام تتعلق برئيس الوزراء وزوجته وأبنائه والعديد من المقربين إليه كذلك.

على جانب آخر؛ لا يمكن ضمان استقرار حكومة إسرائيلية ينضوي تحت قيادتها حزب ديني، ولذلك ليس خافيا على أحد التوترات السياسية داخل حكومة اليمين الإسرائيلي، مع زيادة الخلافات بين نتنياهو وحزب هاليكود من ناحية، وأعضاء الحكومة من الأحزاب الدينية من ناحية أخرى، وتنعكس هذه التوترات بدورها على الشارع الإسرائيلي، وبات واضحا أن الحريديم في صعود مستمر كقوة دينية تستغل حشودها، وتستند إلى أذرعتها في الحكومة، لتسيطر على مقاليد الأمور في إسرائيل، وتدفع بالوضع نحو مزيد من الصراع مع القوى العلمانية من جهة، والجانب الفلسطيني من جهة أخرى.




من جهة أخرى؛ يطل يائير لابيد من جديد ككابوس يهدد نتنياهو وحزب هاليكود، بعد أن أظهرت استطلاعات رأي أن نجمه السياسي يسطع من جديد، مما دفع ببعض أعضاء من هاليكود لبحث كيفية الوقوف أمام لابيد وحزبه ييش عاتيد في الانتخابات المقبلة، سواء كانت انتخابات مبكرة إذا ما تم حل الحكومة مع تصاعد الخلاف بين نتنياهو واليمين الديني، أو اضطر رئيس الوزراء للاستقالة مع سيل التحقيقات ضده.




الولايات المتحدة تعلن نفسها شريكا في الاحتلال

أعلن الرئيس الأمريكي ترامب اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لبلاده، ومؤخرا هدد الفلسطينيين بقطع المساعدات ما لم يعودوا للمفاوضات مع إسرائيل، ورغم ما يبدو عليه هذا التوجه الأمريكي المنفرد من تعضيد للكولونيالية الإسرائيلية؛ فإنه على جانب آخر يعري الولايات المتحدة من آخر وريقات التوت التي جعلتها تتصدر المشهد العالمي باعتبارها الوسيط الأهم في عملية السلام، فالآن ترامب ينحو ببلاده بعيدا عن دور الوسيط، ولو شكليا، ليتمثل بوضوح كطرف شريك لإسرائيل في احتلالها العنصري، ورفضها المضي قدما في أية تسوية سياسية سلمية.

التحركات الأخيرة، من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، أثبتت للمجتمع الدولي أن المشكلة ليس في "غياب شريك فلسطيني بعملية السلام"، ولكن تكمن في السعي اليميني الحثيث للتخلص من المشكلة الفلسطينية بابتلاع الأرض والقضاء على الشعب الفلسطيني سياسيا أو عسكريا إذا تطلب الأمر، ولذلك كان الرد السريع من 128 دولة بالأمم المتحدة أعلنت رفضها لقرار ترامب بخصوص القدس، وجاء رد الفعل الإسرائيلي مسعورا ضد هذا القرار التاريخي.

هاليكود يعارض زعيمه

وبعدها استمرت إسرائيل في مسعاها لإنهاء المشكلة الفلسطينية بإعلان اللجنة المركزية لحزب هاليكود عن مشروع قرار يدعو لفرض السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل المحتلة منذ العام 1967، والسماح ببناء مستوطنات إسرائيلية جديدة، بينما غاب نتنياهو عن جلسة التصويت على القرار لمعارضته هذا الإجراء، مما يشير إلى أن ملك إسرائيل أصبح متهيئا لفقدان صولجانه، وفقدان السلطة في حزبه الحاكم.

أبو مازن خارج المعادلة




لا يبدو أن أحدا يستشعر مستقبلا للسلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة محمود عباس، فالرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته منذ عام 2009 يفقد شعبيته السياسية مع كل يوم يمر عليه في السلطة، مع تأخر الإعلان النهائي عن اتفاق المصالحة الجديد بين فتح وحماس برعاية المخابرات المصرية، ومع تكرار الاحتجاجات الشعبية على الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمد الله.

عهد التميمي تصفع الجميع






لم تبرز الفتاة الفلسطينية من قرية النبي صالح مؤخرا فحسب، بل لفتت أنظار العالم بتحديها لجنود الاحتلال الإسرائيلي منذ 2012، وفي ديسمبر 2017 عادت لتتصدر المشهد مجددا، بعد أن اعتقلتها قوات الاحتلال على خلفية اتهامها مع ابنة عمها نور التميمي بصفع جنديين إسرائيليين مسلحين، ما أدى لاعتقالهما، ومؤخرا أفرجت محكمة إسرائيلية عن نور التميمي بكفالة 10000 شيقل، بينما ما تزال عهد سجينة لأن هذه الفتاة تجاسرت وفعلت ما لم يفعله كثير من الرجال.

صفعة عهد التميمي لم تكن على وجه الجندي الإسرائيلي وحده، لم تكن على وجه الاحتلال الذي يستعد لابتلاع القطع الأخيرة من الوجبة الفلسطينية، لكنها كذلك كانت صفعة على وجه السلطة الفلسطينية العاجزة، وعلى وجه أبو مازن الذي لم يعد لديه ما يقدمه للقضية، وعلى وجه حماس التي تتعامل بصلف مع الشركاء الفلسطينيين، وكأنها تصدق أن احتجازها في غزة يجعل منها بديلا ثوريا، بينما يئن الشعب الفلسطيني في القطاع، وتلتهم إسرائيل الأرض حولها بانتظار أن تفرغ منها في الأخير.

مرحلة ما بعد أبو مازن ونتنياهو قادمة لا محالة، بغض النظر عمن يتوارى أولا؛ يبدو أن مسلسل الصراع على الأرض سيضم أبطالا جددا.


اضف تعليق