تعقيدات التهدئة في غزة


١٠ نوفمبر ٢٠١٨

كتب - محمد عبد الكريم

غزة – لا يخفى جهد حماس في فرض التهدئة في مسيرات العودة على السياج الفاصل ما بين قطاع غزة والكيان الصهيوني، وهم يمنعون المتظاهرين من الاقتراب أكثر من السياج، وكل أشكال المواجهات المرافقة للمسيرات الأسبوعية، مثل إطلاق الطائرات الورقية الحارقة، وعمل مجموعات الإرباك الليلي وغيرها، ان التهدئة هي بحكم الضرورة اكثر منها انجاز، في القطاع المنهك والمحاصر.

في المقابل، سمحت إسرائيل بإدخال الأموال لـ "حماس" لدفع رواتب موظفيها، واصطف آلاف من موظفي الحركة أمام فروع البريد في أنحاء قطاع غزة لتسلُم رواتبهم، برغم أنه يوم العطلة الأسبوعية (الجمعة)، وأتى هذا التطور بعد فترة اختبار سمحت خلالها إسرائيل بإدخال الوقود لزيادة الطاقة الكهربائية في القطاع في مقابل الهدوء.

ولوحظ أمس تراجع حدة المواجهات عند السياج الفاصل مع إسرائيل خلال "مسيرات العودة"، كما انخفض عدد الإصابات برصاص جيش الاحتلال، رغم أن المواطنين توافدوا على مخيمات العودة الخمسة المنتشرة على الحدود الشرقية للقطاع، من أجل المشاركة في فعاليات الجمعة الـ 33 للمسيرات تحت عنوان "المسيرة مستمرة".

قطر تركب الموجة

وتعرض موكب السفير القطري محمد العمادي تعرّض للرشق بالحجارة بشكل كبير من المتظاهرين الغاضبين خلال زيارته مخيم العودة شرق غزة مساء أمس، ما ألحق أضراراً بسيارته الخاصة، ودفع الوفد القطري إلى مغادرة المكان.

وتأتي زيارة العمادي غزة في ظل استمرار صرف أموال المنحة القطرية الخاصة بموظفي "حماس" في القطاع ودفع أثمان الوقود، الأمر الذي تعارضه السلطة الفلسطينية بشدة، معتبرة أنه يصب في كفة انفصال الحركة في قطاع غزة عن بقية الأرض الفلسطينية، ومؤكدة أن هذه الأموال بمثابة "ثمن" تقبضه حماس في مقابل دماء الفلسطينيين التي سالت على الحدود في "مسيرات العودة".
 
ونشرت السلطة بياناً على موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) أمس جاء فيه: 15 مليون دولار دفعة تحت الحساب وصلت الى حماس كثمن بخس للدماء الغالية لأبناء شعبنا في قطاع غزة، والتي استغلّتها قيادة حماس لتواصل مؤامرتها التي تتماشى مع المؤامرة الصهيو- أميركية الهادفة إلى فصل قطاع غزة عن الضفة.

ونقل البيان عن وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن "الأموال، وتبلغ 15 مليون دولار، أدخلت في 3 حقائب في مركبة السفير القطري عبر معبر بيت حانون (إيرز) شمال القطاع، وبالتنسيق الكامل مع إسرائيل".

وقال بيان السلطة الفلسطينية: "المواقع (الحمساوية)، التي هلّلت للنبأ، معتبرةً إياه (انتصاراً) لقيادتها، لم تتنبه إلى أن قيادتها باتت مستعدة للتحالف مع الشيطان للإبقاء على حكمها وضرب مشروعنا الوطني بإقامة دولة فلسطين المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، غير آبهة بالدعوات المتواصلة من القيادة الفلسطينية الشرعية برئاسة الرئيس محمود عباس، إلى إنهاء الانقسام وتمكين حكومة الوفاق الوطني من العمل في قطاع غزة، انطلاقاً من أن نقطة ارتكازنا في مواجهة المخطط الصهيو-أميركي تكمن في وحدتنا".

السلطة تهاجم

نفى عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح عزام الأحمد الإشاعات التي تداولتها وسائل اعلام إسرائيلية، بأن القيادة الفلسطينية وافقت على التهدئة مقابل إدخال الأموال الى غزة عن طريق اسرائيل، وقال إنه لا أساس لها من الصحة.

كما نفى الأحمد في "تصريحات لإذاعة صوت فلسطين، بالمطلق ان تكون قضية دفع الأموال لإسرائيل لتمد قطاع غزة ببعض الاحتياجات قد تم تناولها من قبل الرئيس محمود عباس ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي".

واضاف، أن اسرائيل حاولت ذلك في السابق في إطار الضغط على القيادة الفلسطينية، وعملت على ادخال الأموال الى غزة، وصرفت جزءا منها على السولار والرواتب، واصفا ذلك " بالتصرف الخطير".

وتابع: قضية إدخال الاموال الى غزة بغرض صرف الرواتب وادخال الوقود هو شأن داخلي فلسطيني، مشددا على أن من يريد أن يساعد شعبنا يساعده عن طريق سلطته الشرعية، وعن طريق منظمة التحرير، وليس بتفسيخ الموقف الفلسطيني.

وقال الأحمد، "منذ عدة أشهر تدور اتصالات متعددة من قبل أطراف مختلفة بشأن التهدئة مع حماس، من بينها: قطر، والمبعوث الأممي لعملية السلام نيكولاي ميلادينوف".

وأضاف، أن مصر أيضا كانت تتحرك بعيدا عن قطر وميلادينوف، فيما كانت حماس تتكلم بعدة لغات، مشددا على مبدأ القيادة الواضح وكل الفصائل والرئيس المصري الذين أكدوا جميعا  "أن التهدئة والهدوء وحقن الدماء شيء وما تتحدث عنه حماس شيء آخر" .

وتابع الأحمد: التهدئة بمعني "اتفاق" يتولاها الكل الفلسطيني ممثلا بمنظمة التحرير كما جرى عام 2014، لكن كمبدأ تهدئة وهدوء والمحافظة على سلمية المسيرات في إطار المقاومة الشعبية السلمية هذه مسألة أخرى تماما، ونحن باستمرار مع عدم إراقة الدماء بلا مبرر، لأنه كان هناك أخطاء كثيرة وقعت وما يدور الآن يؤكد هذا الموضوع.

واعتبر أن التهدئة في إطار الشروط التي تضعها حماس تسييس للموضوع، مبينا ان ميلادينوف ايضا سيّسه، ونجح في ذلك، وأنهما ربطا قضية أموال تدفع إلى إسرائيل لتمد غزة ببعض الاحتياجات بالتهدئة، وهذا الأمر لا يجوز إطلاقا.

وتوعد الرئيس محمود عباس، مراراً وتكراراً، بوقف مخصصات السلطة للقطاع، البالغة قيمتها 96 مليون دولار شهرياً، فيما تخشى إسرائيل أن يتسبب قطعها في تفجر الأوضاع وإشعال حرب بينها وبين الفصائل المسلحة في القطاع.

وكان عباس فرض عقوبات تم بموجبها حسم 30 في المئة من رواتب موظفي السلطة في القطاع لمدة عام واحد، ثم زادت نسبة الحسم إلى 50 في المئة، علاوة على عقوبات أخرى، تهدف إلى إرغام حركة �حماس� على تسليم القطاع "من الباب للمحراب وفوق الأرض وتحتها" للسلطة، ما ترفضه الحركة حتى الآن.

بلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر وسيط له الحكومة الاردنية بانه وفي ظل الوضع الحالي لن يقبل اطلاقا التواصل مع الادارة الامريكية وتحت اي ظرف متوقعا من الاشقاء العرب تعزيز موقفه في هذا الاتجاه لحماية ما اسماه بالحد الادنى من حقوق الشعب الفلسطيني  .

"اللجنة الوطنية العليا" التي شكلها رئيس السلطة، محمود عباس، لوضع آليات لتنفيذ قرارات المجلس المركزي الأخيرة، ستقدم جملة من الإجراءات العقابية ضد غزة تنفذها حكومة "الوفاق الوطني"، وتشمل الرواتب وخدمات الصحة والتعليم بالتدريج، كي لا تحدث اعتراضات عربية أو دولية. هذا التوجه يتطابق مع تصريحات عضو "اللجنة المركزية لفتح" حسين الشيخ، الذي قال: ستكون لنا جملة من المواقف والقرارات التي ستتخذها اللجنة لإجبار حماس على أن تأتي لمربع إنهاء الانقسام والمصالحة.

الفصائل

واتفقت الفصائل الفلسطينية على إيقاف فعالياتها الضاغطة على الاحتلال ضمن "مسيرات العودة"، الاتفاق وتوّج الاجتماعات بين الفصائل والوفد بالتفاهم على وقف فعاليات "مسيرات العودة" حتى الأحد في اختبار للجهود المصرية والسلوك الإسرائيلي.

وقال رئيس "اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار" النائب جمال الخضري إن الاحتلال الإسرائيلي "لا يزال يمنع مرور مئتي صنف من حاجات القطاع الصناعي والتجاري لقطاع غزة" عبر معبر كرم أبو سالم، المعبر التجاري الوحيد المفتوح جزئياً، "أهمها المواد الخام اللازمة للصناعة، ما فاقم من معاناة القطاع الصناعي، ورفع معدلات البطالة والفقر، بسبب تراجع كبير في عملية الإنتاج".

وشدد على أن "رفع الحظر عن هذه الأصناف يُمثل مطلباً رئيساً لإنعاش الاقتصاد المنهك بفعل الحصار الإسرائيلي منذ 11 عاماً".
ولفت الخضري في تصريح صحافي ، إلى أن "نحو 85 % من مصانع غزة أغُلقت، جزئياً أو كلياً، بسبب الحصار المستمر" و "بلغت خسائر القطاع الصناعي والتجاري قرابة 50 مليون دولار شهرياً منذ بدء الحصار".

واعتبر أن غزة "في حاجة لضخ 25 مليون دولار شهرياً على الأقل لبدء مشاريع طارئة تتيح فرص عمل لحوالى 50 ألف عامل كمرحلة أولى لإنعاش الاقتصاد".

مصر والتهدئة

ونقلت مصادر فلسطينية نقلا عن الوفد المصري، تأكيده أن العمل في معبر رفح سيتحسن كثيراً الشهر الجاري، مشيرة الى أن مصر حريصة من خلال الجهد الذي يبذله وفدها الأمني، على المشروع الوطني الفلسطيني، والوحدة الوطنية، وعدم فصل القطاع عن الضفة الغربية، وعدم دفع أثمان سياسية في مقابل "الهدوء وعودة الحياة الطبيعية" إلى القطاع، وأن "يشعر سكان القطاع بأنه تم تحقيق شيء في مقابل تضحياتهم في مسيرات العودة" التي انطلقت في 30 آذار (مارس) الماضي.

وأوضحت أنه سيتم توفير تمويل للوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء بقيمة 60 مليون دولار لمدة ستة أشهر، وتقديم رواتب لموظفي حكومة "حماس" السابقة بقيمة 90 مليون دولار لستة أشهر مماثلة.

عن التهدئة

وكشفت المصادر أن التفاهمات تتناول مرحلتيْن من الهدوء، مدة الأولى أسبوعيْن، من ضمنها الجمعة الماضي، والثانية تستغرق ستة أشهر، ويتضمن الاتفاق غير المكتوب، أن تشمل المرحلة الأولى استمرار تدفق الوقود لمحطة الكهرباء، واستمرار تزويد إسرائيل القطاع بالتيار الكهربائي بقدرة 120 ميغا واط، حتى لو لم تدفع السلطة الفلسطينية قيمته المالية، ودفع رواتب موظفي الحركة بقيمة 15 مليون دولار شهرياً، وتنفيذ مشاريع تشغيل موقتة، وإعادة إعمار المنازل المدمرة والبنية التحتية، وتوسيع مساحة الصيد إلى 12 ميلاً بحرياً، وزيادة معدلات التصدير من القطاع، وتوريد الأدوية والمستلزمات الطبية.

في المقابل، يتم "تثبيت وقف النار وفقاً لاتفاق عام 2014، ووقف إطلاق الطائرات والبالونات الحارقة، وعدم اجتياز السياج الفاصل أو قصه وتخريبه".

وأشارت المصادر إلى أن المرحلة الثانية تتضمن زيادة قدرة الكهرباء من خلال تشغيل الخط 161 القادم من إسرائيل (بقدرة 150 ميغا واط)، وتنفيذ مشاريع تشغيل موقتة بتمويل من البنك الدولي وغيره من المؤسسات الدولية، وزيادة مساحة الصيد إلى 20 ميلاً بحرياً، واستمرار تدفق البضائع والحركة التجارية، وزيادة التصدير، وفتح ممر بحري آمن يربط القطاع بجزيرة قبرص.

وأوضحت أن كل ذلك سيتم في مقابل إبعاد المتظاهرين في مسيرات العودة 400 متر عن السياج الفاصل في نهاية الشهور الستة، كذلك نقل الوفد موافقة إسرائيلية على مشروعات إنسانية "حرصاً على منع الانفجار"، علماً أن "حماس" ترى أن الضغط الميداني خلال الأسبوع الماضي رسخ لدى المصريين قناعة بضرورة تجاوز السلطة في شأن غزة.



الكلمات الدلالية التهدئة في قطاع غزة قطاع غزة

اضف تعليق