قمة بدون طهران .. روسيا تستخدم ورقة "خروج إيران" للتفاوض حول "إعادة الإعمار" في سوريا


١٨ أغسطس ٢٠١٨

رؤية - بنده يوسف
 
تطمح طهران إلى لعب دور رائد في استعادة الاقتصاد السوري. بل تسعى إلى حماية ما استثمرته في هذا البلد خلال سنوات الصراع العسكري.
 
ومع اندلاع الصراع في سوريا، كانت إيران الراعي الوحيد للسلطات السورية. في الوقت نفسه، تتساءل وسائل الإعلام الإيرانية بصورة متزايدة عن جدوى ما تستثمره طهران في سوريا، خاصة على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب في إيران نفسها.
 
ففي العام 2018، بدأت تظهر، بين شعارات المحتجين في الشارع الإيراني، يافطات مثل "غادروا سوريا، واهتموا بنا". والآن، تريد السلطات الإيرانية أن تثبت أن الاستثمارات الإيرانية في سوريا لم تكن عبثًا.
 
وعندما يصل الأمر إلى ملف إعادة الإعمار في سوريا، فقد تبدأ الخلافات بين المشاركين في عملية أستانا. حيث يرى الإيرانيون أن روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا قد بدأت فعلياً، عملية جديدة مرتبطة بإعادة إعمار سوريا. وطهران تكثّف جهودها لكي لا تبقى على الهامش.
 
قمة بدون إيران
 
تعتزم روسيا عقد قمة رباعية بشأن سوريا في المستقبل القريب، يشارك فيها زعماء روسيا وفرنسا وتركيا وألمانيا.
 
وأعلنت الخارجية الروسية، أن وزير الخارجية سيرجي لافروف، سيزور أنقرة يومي الاثنين والثلاثاء لبحث الاجتماع الرباعي مع نظيره التركي.
 
واختتمت روسيا وتركيا وإيران والأمم المتحدة الشهر الماضي مباحثاتها، في مدينة سوتشي الروسية، وسط ترحيب الدول الضامنة لمسار أستانا، باستعداد النظام والمعارضة السورية لتبادل محدود للمحتجزين فيما بينهم.
 
مخاوف إيرانية
 
تأتي قمة روسيا مع الدول الأوروبية، وسط مخاوف إيرانية من خطة للإطاحة بإيران من داخل سوريا، سيما من ملف إعادة الإعمار الذي تعتبره طهران الدافع الأكبر لتأخير أي اتفاق حول خروجها من سوريا وتسوية الأزمة.
 
كذلك هناك مخاوف لدى طهران، من تحويل روسيا ورقة خروج إيران إلى ورقة تفاوض في ملف إعمار سوريا. فمن الواضح، أن روسيا تستخدم الورقة الإيرانية، كمحاولة لإقناع الدول الغربية، بأن الوضع في سوريا مستقر وآمن وبات جاهزاً لبدء عملية إعادة الإعمار، بالرغم من نشاط تنظيم "داعش" في شرقي سوريا. كما أن الروس يحاولون وفق ما تؤكده بعض المؤشرات، أن يحولوا قضية النفوذ الإيراني في سوريا، لورقة يفاوضون الغرب عليها، إذ إن موسكو تملك مقومات تقليص أو دعم هذا النفوذ الإيراني، سيما أنها القوة الأبرز على الأرض في سوريا، وتتشارك فعلياً في منطقة نفوذ واحدة مع طهران، والتي يصطلح على تسميتها بـ"سوريا المفيدة" وتشمل دمشق ووسط سوريا الغربي ومدينة حلب وحماة إضافة إلى الساحل السوري.
 
فالروس يحاولون استثمار ورقة التواجد الإيراني في سوريا، فهم من جانب استخدموا القوات الإيرانية وما يتبعها من مليشيات بالإضافة إلى حزب الله اللبناني كقوة مقاتلة على الأرض حتى فرضت سيطرتها على مساحات واسعة، واستنزفت تلك المليشيات في العديد والعتاد، في ظل تراجع عديد قوات النظام خلال السنوات الماضية.
 
وكذلك استثمرت موسكو الورقة الايرانية في مفاوضتها مع القوى الدولية والإقليمية، إذ كان جزء من تفويض الروس بالملف السوري، هو الحدّ من التمدد الإيراني في المنطقة وضمان أمن الاحتلال الإسرائيلي، وهي أحد أهم العوامل الضابطة لإدارة ملفات ليس سورية فقط بل الشرق الأوسط.
 
وتعلم روسيا أن الدول الغربية ودول الخليج العربي لن تلج إعادة الإعمار إلا بتسوية جاذبة لهم، والتي يعتبر إقصاء إيران أبرز صورها. وهذا ما يعمل الروس على تطبيقه، إذ يوافق الغرب على ضمان مصالح الروس في سوريا، في مقابل ضمان أمن إسرائيل وإقصاء دور إيران من الساحة أو تحجيمه وإبقائه تحت المراقبة على أقل تقدير
 
وكانت وسائل إعلام إيرانية، قد أعربت عن خيبة أملٍ في طهران، بالنظام السوري وبالروس، معتبرين أن ما أبرمه النظام مع الروس من صفقات استبعد إيران وشركاتها من ملف إعادة الاعمار، وسيفرض على الإيرانيين التفاوض مع الروس حول أي إجراء تريد القيام به في سوريا.
 
وكان وزير الخارجية محمد جواد ظريف، أعرب في تصريح له، مطلع فبراير الماضي عن عدم رضى طهران عن استحواذ روسيا على مشاريع واسعة لإعادة الإعمار في سوريا على حساب إيران، معتبراً أنه لا توجد حاجة لكي يكون البلدان متنافسَين.
 
مهمة صعبة
 
لكن عمليًا سيكون ذلك صعب، سيما أن هناك حاجة لإيجاد منطقة لوجستية ومعابر للقيام بعملية إعادة الإعمار، ولا يمكن تنحية إيران عن ذلك، حتى لو تمت الاستفادة من الأراضي الأردنية بدلًا من العراقية والإيرانية في تحقيق ذلك.
 
فحسب وكالة رويترز، كشف مسؤول بالإدارة الأميركية أن الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين اتفقا -خلال قمة هلسنكي بفنلندا الشهر الماضي، من حيث المبدأ- على ضرورة خروج الإيرانيين من سوريا، لكنه أضاف أن روسيا ترى في الأمر مهمة صعبة.
 
إيران تستعجل الإعمار
 
أمام الضغوط الدولية والإقليمية، سيما بعد عودة العقوبات الأمريكية على إيران؛ يبدو أن طهران تستعجل الوصول إلى إتفاقيات استراتيجية مع دمشق، تضمن بها ملف إعادة الإعمار، حتى لا تدخل في أي مساومة حول الخروج من سوريا، إلا بعد أن تحصل على مكاسبها الإقتصادية من ملف إعادة الإعمار في سوريا.
 
فقد أعلن وزير الطرق وإعمار المدن الإيراني أمير أميني، أن إيران وسوريا بصدد التوقيع على اتفاقية اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد، تساهم في توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين.
 
وقال أميني -على هامش زيارته لدمشق أمس الجمعة- "تم الأخذ بعين الاعتبار مصالح البلدين في الاتفاقية الاقتصادية لكي يستفيد كل منا من طاقات الآخر".
 
وأضاف: "سوريا على أعتاب فصل جديد من إعادة إعمارها من الحرب التي أنهكتها لـ8 سنوات، والقطاع الخاص الإيراني يمكنه أن يساعد في ذلك بالقدرات والخبرات العالية التي يمتلكها".
 
ولفت إلى أنه بموجب الاتفاقية ستقوم شركات إيرانية خاصة بإعادة إعمار ما لا يقل عن 30 ألف وحدة سكنية متضررة في المناطق المحررة أو تلك التي ستحرر، مضيفا أن تلك الشركات ستقوم كذلك بترميم الأماكن التاريخية السورية وإعادة بناء البنية التحيته المدمرة، مثل خطوط النقل وخطوط المياه والكهرباء في سوريا.
 
وأشار إلى أنه يدخل في الاتفاقية كذلك التعامل بالعملة الوطنية بين البلدين بدلا عن العملات الأجنبية، موضحا أنه سيتم التوقيع على الاتفاقية الاستراتيجية خلال اجتماع سيعقد برئاسة النائب الأول للرئيس الإيراني ورئيس الوزراء السوري خلال الأيام القادمة.
 
واشنطن على الخط
 
يبدو أن واشنطن لا تريد أن تكون لروسيا اليد الطولى في ملف إعادة إعمار سوريا، ولذلك فقد أعلن القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد ساتيرفيلد، أمس الجمعة، أن بلاده تعتقد بأن التوصل لاتفاق دولي بشأن إعادة إعمار سوريا ممكن فقط بوجود عملية سلام تحت إشراف الأمم المتحدة، وأنهم في الولايات المتحدة يعلنون عن ذلك خلال مباحثاتهم مع روسيا.
 
وقال ساتيرفيلد في إحاطة بهذا الصدد: "يكمن السؤال هنا، في مدى استعداد روسيا لتحمل نصيبها من المسؤولية والمساعدة في تحرك ذي أهمية حاسمة في عملية سياسية يدعمها مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي. ولن يكون هناك اتفاق دولي بشأن المساعدة لإعادة إعمار سوريا، ما لم تؤكد الأمم المتحدة، وليس موسكو، أو واشنطن أو أية عاصمة أخرى، أن هناك عملية سياسية جدية مستقرة ولا رجعة فيها".
 
وأضاف ساتيرفيلد "وهذا سيفتح الباب لمعرفة ما تريده السلطات السورية وروسيا، من أجل قدوم المساعدات الدولية للأنقاض، التي تمثلها سوريا اليوم".
 
هذا، وأكدت وزارة الخارجية الأمريكية، في وقت سابق من أمس الجمعة، على عزمها تحويل 230 مليون دولار سبق تخصيصها "لتحقيق الاستقرار في سوريا"، لأغراض أخرى.
 
وكان مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد ساتيرفيلد، قد أعلن في وقت سابق، أن إعادة إعمار سوريا بعد النزاع يتطلب ما لا يقل عن 200- 300 مليار دولار، مشيرا إلى أن بلاده لن تساعد روسيا وإيران والسلطات السورية في إعادة الأعمار ما لم يحصل "تحول سياسي" في البلاد.



اضف تعليق