غضب البصرة يلتهم الأذرع الإيرانية.. والبقية تأتي


٠٨ سبتمبر ٢٠١٨

هدى إسماعيل

على الرغم من أن العراق شهد عددًا من الاحتجاجات في العاصمة وغيرها من المدن، لكن لأمر الذي يميز هذه المظاهرات أنها انطلقت من مناطق تعتبر معقل الأحزاب الشيعية "البصرة" التي تقود الحكم في العراق منذ سقوط نظام حكم "صدام حسين" عام 2003، فقد صبّ المتظاهرون جامّ غضبهم على هذه الأحزاب، وكان من اللافت أن غضب المتظاهرين لم يقتصر على الأحزاب العراقية المقربة من طهران بل شمل إيران نفسها.

الوضع الميداني




منذ بدء الاحتجاجات في البصرة، 9 يوليو الماضي، وصل العدد الإجمالي للقتلى 26 متظاهرًا،حسب بيان صادر عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة.

وأضاف البيان، إن المفوضية "رصدت استخدام العنف المفرط من قبل الأجهزة الأمنية بحق المتظاهرين السلميين، والذي أدى إلى سقوط 9 قتلى بين صفوف المتظاهرين وجرح أكثر من 100، وإصابة 18 منتسبًا أمنيًّا.
وواصل العشرات من المحتجين غلق الطريق الرئيسي المؤدي إلى ميناء أم قصر على الخليج العربي، وهو ما أوقف حركة دخول وخروج الشاحنات.

كما تجمع العشرات من المواطنين في قضاء المدينة شمالي المحافظة عند حقل غرب "القرنة" الذي يعد من أضخم حقول النفط في العراق وينتج حاليًا نحو 400 ألف برميل يوميًّا.

القصور الرئاسية




لم يتوقف الغضب الشعبي في البصرة عند  الاحتجاجات فقط؛ إذ توجه الآلاف منهم إلى القصور الرئيسية في المدينة، حيث أحرقوا مقرا لميليشيات الحشد الشعبي هناك، كما أحرقوا مقر حركة ما يسمى "البشائر" التابعة لرئيس الوزراء العراقي السابق، "نوري المالكي"، الموالي هو الآخر لإيران.

وتضاف القصور الرئاسية ومقر "البشائر" إلى العديد من المقار الحكومية والحزبية التي اقتحمها المتظاهرون الغاضبون على تردي الأوضاع المعيشية في المحافظة الغنية بالنفط، خلال الأيام الماضية، وتحولت فيها الاحتجاجات إلى مواجهات دامية قتل فيها 10 محتجين.

القنصلية الإيرانية




بالأمس، تعرضت القنصلية الإيرانية لحريق كبير، بعد أن أقدم عدد من المتظاهرين على حرق مقر القنصلية في محافظة البصرة، ما أدى إلى أضرار مادية كبيرة، فيما اعتبرته القنصلية التابعة لطهران "عمل همجي ووحشي بعيد عن الأخلاق".
وأعلنت الخارجية الإيرانية من جانبها، عن استدعاء السفير العراقي بطهران لتسليمه رسالة احتجاج شديدة اللهجة، بشأن ما تعرضت له القنصلية من ضرر.

وقرر إثر ذلك، رئيس الوزراء حيدر العبادي، اليوم السبت، إحالة الوحدات الأمنية المسؤولة عن حماية المؤسسات والقنصلية الإيرانية في البصرة إلى التحقيق.

القنصلية الأمريكية

يقول مصدر عراقي  - يعمل في مطار البصرة الدولي في تصريحات لقناة "السومرية نيوز"- إن 3 قذائف سقطت بالقرب من القنصلية الأمريكية ومطار البصرة الدولي، مبينًا أنها سقطت بعيدًا عن بناية المسافرين ومواقع الطائرات، أي خارج النطاق الفعلي للمطار، ولم تتسبب في أي إصابات أو أضرار، كما لم تؤثر على حركة السفر عبر المطار.

ولفت مصدر عراقي إلى أن القذائف على الأرجح كانت تستهدف القنصلية الأمريكية التي تقع بجوار المطار.

ميليشيات إيران تتدخل




في المقابل، سارعت إيران، عبر ميليشيات "عصائب أهل الحق" إلى إطلاق النار على المتظاهرين، الأمر الذي أدى إلى مقتل أحدهم وإصابة عدد آخر.

وفي وقت لاحق، اندلعت مواجهات مسلحة بين الميليشيا والجيش العراقي الذي تدخل لفض المواجهات بين المتظاهرين ومسلحين في مقر العصائب في منطقة "بريهة" في البصرة.

وخلال الأيام الماضية، اتهم متظاهرون ميليشيات تابعة للأحزاب الموالية لإيران بارتداء زي عسكري، وإلقاء الرصاص والقنابل عليهم.

البرلمان العراقي

اليوم يعقد البرلمان العراقي، جلسة استثنائية بناء على طلب من الزعيم الشيعي "مقتدى الصدر"، لمناقشة تداعيات الأوضاع غير المستقرة في البصرة، ومطالب المتظاهرين لحل مشاكلهم وما رافقها من اضطرابات.

يقول "الصدر"، في تغريدة له على تويتر مساء الخميس، موجهًا كلامه لرئيس الوزراء "حيدر العبادي"، "ظني بك ألا تتصور أن ثوار البصرة عبارة عن فقاعة كما ظن سلفك بغيرهم، فسارع لإطلاق أموال المحافظة وتسليمها بأيادٍ نزيهة لتتم المباشرة فورًا بمشاريع خدمية آنية ومستقبلية".

أما عن حظر التجوال الذي تم فرضه منذ ساعات، أفاد مصدر أمني عراقي اليوم السبت، بأن قيادة عمليات البصرة قررت رفع الحظر المفروض على المحافظة، حتى إشعار آخر.

كارثة المياه

بسبب نسب الأملاح العالية في المياه المحلية تواجه البصرة مشكلة كبيرة في إمكانية الحصول على مياه الشرب الآمنة، ففي معظم الأحيان لا تصلح المياه الموجودة إلا لأغراض التنظيف.

أما مياه الشرب فعادةً ما يتم شراؤها من الأسواق، وتعاظمت المشكلة مع قطع إيران لنهر "الكارون" فزادت نسبة الملوحة أربعة أضعاف عن النسبة الطبيعية التي حددتها منظمة الصحة العالمية، وهذا يعني تحول المياه إلى سم قاتل.

وكشفت شعبة الرقابة الصحية في دائرة صحة البصرة، عن ارتفاع نسبة التلوث بمياه الإسالة في المحافظة بشكل كبير جدا، وقالت: إن التلوث الكيميائي في مياه الإسالة بلغ 100%، والتلوث الجرثومي 50%.

وتسببت المياه الملوثة، التي تعاني منها محافظة البصرة، بتسمم المئات من السكان الذين اكتظت بهم مستشفيات المحافظة خلال الأيام الماضية.

مشكلة مزمنة

أما الحدث الثاني فهو وقف إيران مد العراق بالكهرباء بسبب تخلف الحكومة العراقية عن دفع مستحقات الجانب الإيراني، ولم تستطع الحكومة العراقية اقناع إيران باستئناف هذه الإمدادا وقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية إنها "فشلت في إقناع الجانب الإيراني باستئناف بيع الطاقة الكهربائية".

وبعد نحو 15 عاما من سقوط النظام السابق لا تزال مشكلة الكهرباء في العراق بلا حل، حيث تصل درجات الحرارة إلى ما يقارب 50 درجة مئوية في الصيف، وذلك رغم صرف عشرات المليارات من الدولارات على هذا القطاع.

آلة للنهب




حذّر الكاتب البريطاني "باتريك كوبيرن"، من مغبّة التهاون مع الاحتجاجات المشتعلة في البصرة بجنوب العراق، معتبرًا أن تلك الاحتجاجات هي الأكثر خطرًا في العراق منذ سنوات، وأنها يمكن أن تمتدّ إلى المنطقة.

وقال الكاتب -في مقال له بصحيفة "الإندبندنت" البريطانية- إن هذه الاحتجاجات لو أنها وقعت قبل الربيع العربي لكانت تصدّرت نشرات الأخبار في جميع أنحاء العالم، غير أنها إلى الآن لا تحظى بتغطية في وسائل الإعلام الدولية التي تركّز على مستقبل إدلب في سوريا.

الاحتجاجات المستمرّة في البصرة منذ عدة أيام، كما يرى الكاتب، تأتي في لحظة تغرق بها البلاد في أزمة سياسية؛ بسبب الصراع بين كتل شيعية لتشكيل الكتلة الكبرى التي تسمح لها بتشكيل الحكومة.

واعتبر الكاتب أن عدم الاهتمام من قبل الحكومات الغربية ووسائل إعلامها بما يجري في البصرة يشبه تمامًا ما جرى قبل 5 أعوام؛ عندما تم تجاهل مطالب أهالي المناطق الغربية والشمالية، لتتقدم داعش وتستولي على الموصل.

ويرى الكاتب، أن أسباب الاحتجاجات في البصرة واضحة؛ فالعراق تحكمه طبقة سياسية مهلهلة تُدير جهاز الدولة العراقية بوصفه آلة للنهب والسرقة.

وقال: "صحيح أن الفساد منتشر في كثير من الدول، ولكن على الأقل هناك ما تقدّمه تلك الحكومات لمواطنيها، أما في العراق فإن ذلك لا يحدث بحدّه الأدنى، فبعد 15 عامًا من السرقة تحوّلت البصرة التي كانت تُعرف بفينيسيا الخليج إلى مجارٍ مفتوحة، وصار ماؤها ملوّثًا وسامًّا".


اضف تعليق