القصف الإسرائيلي على العراق.. توسيع دائرة مواجهة إيران


٣٠ أغسطس ٢٠١٩

رؤية - د.محمد عبدالدايم

اتسعت دائرة الصراع المستمر بين إسرائيل وإيران، بعد أن تكررت الهجمات الإسرائيلية الجوية على أهداف شيعية تابعة لطهران بالعراق.

في منتصف الشهر الماضي تعرضت قاعدة عسكرية تابعة للحشد الشعبي الشيعي في آمرلي للقصف الجوي، وهذه القاعدة هي الأقرب إلى سوريا، وكانت تحوي صواريخ موجهة يصل مداها إلى نحو 200 كم.

بعد نفي عراقي؛ خرجت مصادر سياسية تعلن مسئولية إسرائيل عن القصف الذي استهدف مخزن الأسلحة المعروف بالصقر، وأعقبه انفجارات ثانوية للمتفجرات بالمخزن، في الوقت الذي لا تملك فيه القوات العراقية سيطرة كاملة على أجوائها.

الأمر تكرر في 13 أغسطس الماضي، بقصف جوي لمخزن سلاح تابع للحشد الشعبي في جنوب غرب بغداد، ويبدو أن النشاط العسكري الإسرائيلي يتحرك بشكل مستمر، ففي الأسبوع الماضي (20 أغسطس) جرى قصف جوي لمستودعات أسلحة بقاعدة جوية في محافظة صلاح الدين، وأدى القصف إلى سلسلة من الانفجارات الصغيرة بعد انفجار كبير.

تكرار القصف الجوي بطائرات "مجهولة" أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الحشد الشعبي الشيعي بالعراق، وبالتبعية لدى الحرس الثوري الإيراني، ورغم تصريحات وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي بضرورة تحسين القوة الدفاعية للعراق وضرورة تعزيز القدرات العسكرية للجيش العراقي؛ فإن إسرائيل تبدو أكثر نشاطا، وتتعقب التحركات الإيرانية على الأرض، من سوريا إلى العراق.


من سوريا إلى العراق

بعد أن لاقت القوات الإيرانية جراء العديد من الضربات الإسرائيلية في سوريا؛ تحولت قوات الحرس الثوري للتمركز في العراق، لكن إسرائيل كانت لها بالمرصاد، فتعددت هجمات سلاح الجو الإسرائيلي لقصف تمركزات الحشد الشعبي والحرس الثوري، منعا لإنشاء طريق بري لنقل الأسلحة الإيرانية من طهران إلى سوريا ولبنان عبر العراق.


مواجهة عابرة مع حزب الله

فوق لبنان؛ سقطت طائرتان مسيرتان، واحدة طائرة استطلاع، والثانية استطلاع وتفجير فوق الضاحية الجنوبية لبيروت، في تطور لم يحدث منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006.

على إثر إسقاط الطائرتين خرج حسن نصر الله متوعدًا إسرائيل بالرد، معتبرا أن هذا الخرق لن يمر بسهولة.

إسقاط الطائرتين المسيرتين جاء بعيد ساعات من إعلان إسرائيل عبر متحدث جيشها أفيخاي أدرعي عن شنها لضربات جوية في منطقة عقربا جنوبي دمشق بسوريا، لاستهداف تمركزات عسكرية لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

في حين نفت إيران وجود قواتها في هذا الموضع أو تعرضها للقصف الإسرائيلي؛ صرح نصر الله بأن القصف طال مقرا تابعا لحزب الله في دمشق، وأدى إلى مقتل اثنين من مقاتليه، ورغم أن نصر الله قد أعلن الشهر الماضي عن تخفيض أعداد مقاتليه في سوريا بعدما رجحت كفة الجيش السوري التابع لبشار؛ فإنه – نصر الله-هدد بأن الحزب سيرد على مقتل أي من مقاتليه جراء غارات إسرائيلية على سوريا.


إذا هم أحدهم لقتلك فبكر واقتله

واقفا على الجبهة السورية بجانب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي صرح بنيامين نتنياهو قائلا: "من جاء ليقتلك فبَكِّر واقتله" (وهي جملة عبرية متوارثة واردة في التلمود)، وأضاف بأن "العملية التي قام بها سلاح الجو هي بمثابة مجهود مضاعف بنشاط عملي واستخباراتي للجيش الإسرائيلي لتعقب قوة خاصة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، كانت في طريقها لقتل إسرائيليين في الجولان".

قال نتنياهو: "لا حصانة لإيران في أي مكان"، وبالفعل تتحرك إسرائيل لمحاصرة النشاط العسكري الإيراني، بدلا من العكس، فرغم تواجد إيران بالعراق وسوريا ولبنان، بما يعني إحاطتها لإسرائيل؛ فقد استطاع الجيش الإسرائيلي والموساد ضعضعة الوجود الإيراني في الدول الثلاثة، بتكرار العمليات العسكرية في سوريا والعراق، وقطع الإمداد عن حزب الله في لبنان.


البنتاجون يتحفظ.. البيت الأبيض يصمت

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية وكذلك هآرتس الإسرائيلية ما يفيد بأن وزارة الدفاع الأمريكية أبدت تحفظها ورفضها للغارات الإسرائيلية المتكررة على العراق، لأن الأمر يبدو وكأن الولايات المتحدة تسمح لإسرائيل باستباحة المجال الجوي العراقي بتأشيرة منها، في حين لا تريد الإدارة الأمريكية إثارة غضب العراقيين في الوقت الحالي، خصوصا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ومن هنا فإن الكشف عن ضلوع إسرائيل في الغارات الأخيرة كان عن طريق الإدارة الأمريكية نفسها، التي دفعت بالمسئولية بعيدا عن نفسها.

معارضة وزارة الدفاع الأمريكية للغارات الإسرائيلية على العراق ترجع كذلك لخوف الإدارة الأمريكية على أرواح الجنود الأمريكيين في العراق، الذين ربما يتعرضون لانتقام من القوات الموالية لإيران.

يتواجد بالعراق نحو 5300 جندي أمريكي، لا يرغب ترامب في إعادتهم الآن، ولا ترغب إدارته كذلك في إثارة غضب الأحزاب الشيعية التي تسيطر على مجريات الحياة السياسية في العراق.

أما مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي فقد دعا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحكومته للوقوف بحسم ضد المليشيات الشيعية المسلحة، لكن من المعروف أن الحكومة العراقية والجيش عاجزان عن مواجهة المليشيات المسلحة.

من جانبه حذر نوري المالكي الموالي لإيران من "تحول العراق إلى ساحة صراع، إذا استمرت اسرائيل في شن الغارات".


لماذا كشفت إسرائيل عن عملياتها

في تصريحات للقناة الإسرائيلية التاسعة قال بنيامين نتنياهو إن "الجيش الإسرائيلي سينشط ضد أهداف إيران وحزب الله في أي مكان"، وذلك في سؤال له حول ما إذا كانت إسرائيل ستعمل في العراق ضد قوات تابعة لإيران.

أضاف نتنياهو أن "إيران تنادي بتدمير إسرائيل وتحاول إقامة قواعد ضدها في لبنان وسوريا والعراق واليمن".

يبدو أن إسرائيل تعمدت أن تُعلن مسئوليتها عن القصف، لتوصيل رسائل تهديد لإيران، مفادها أنه لا مكان لطهران في محيط إسرائيل، ولن يُسمح لها بنقل الأسلحة أو تخزينها سواء في العراق أو سوريا أو لبنان.

تؤكد إسرائيل على تفوقها الاستخباراتي الذي تستطيع من خلاله تعقب التحركات العسكرية الإيرانية في الدول المحيطة، وفي داخل إيران نفسها.

إسرائيل تواصل ضرباتها الجوية لتمركزات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لتُظهر قاسم سليماني ونائبه إسماعيل قاني فاشليْن أمام المرشد علي خامنئي، وأمام تابعي إيران في العراق وسوريا ولبنان.


كذلك تنقل إسرائيل رسالة لروسيا، مضمونها أنها ما زالت تواجه إيران في سوريا، رغم التحفظات الروسية على العمليات الإسرائيلية بعد إسقاط الطائرة الروسية.

النقطة الأخيرة هي أن بنيامين نتنياهو يدفع للترويج لنفسه، فقبل أيام من إجراء انتخابات الكنيست الـ 22 يبدو أن العمليات العسكرية الناجعة ضد إيران، ووقوف نتنياهو على الجبهة السورية يمنحانه رواجا سياسيا كبيرا، يغطي على سياسته "الفاشلة" ضد قطاع غزة مثلما يهاجمه خصومه.


اضف تعليق