انتخابات الكنيست 2019 .. علاقات المال والجنس والنفوذ تحدد مسار السياسة الإسرائيلية


٣١ يناير ٢٠١٩

رؤية - محمد عبدالدايم

على مدى شهور طويلة ظل الجمهور الإسرائيلي مشغولا بمتابعة قضايا الفساد المتهم فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قضية جريدة يديعوت أحرونوت، وقضية موقع والا، وقضية الغواصات، وقضية إصلاحات منزله الخاص، تجاوزات زوجته وابنه يائير، رشى وابتزاز وتحايل واستقطاع من ميزانية الدولة لصالح أسرة نتنياهو، كانت كل هذه القضايا وغيرها كافية لتحدث زخما كبيرا في الأوساط خلال الأسبوعين الأخيرين، وفي خضم التحضير المتسارع لانتخابات الكنيست، كُشف النقاب عن قضية ابتزاز خطيرة في إسرائيل، والآن، بعد قرار برفع حظر نشر اسم المتهم، أصبح الجميع في إسرائيل يعرفون "قضية آفي نافيه"، لإسرائيلية، السياسية والمجتمعية.

ما لوحظ بشكل واضح في هذه القضايا هو الخلط بين المصالح الشخصية وبين المسئولية السياسية والقانونية، وكذلك نقطة واضحة للغاية، وهي التأثير المباشر للعلاقات الشخصية بين الأصدقاء على المسار السياسي العام.

في أغلب حافظات القضايا المُتهم فيها بنيامين نتنياهو يبدو واضحا كيف خلط رئيس الوزراء، وزوجته وابنه، بين مصالحهم الشخصية وتطلعاتهم الخاصة وطموحاتهم، وبين المسئولية السياسية للرجل الأول في إسرائيل، وتبدى هذا الخلط في تحركات مستمرة لاستغلال المال العام لإشباع الأغراض الخاصة، والنقطة الأخرى تتمثل في الاستعانة بالأصدقاء والمقربين من أجل الحصول على مكاسب أو مزيد من النفوذ والسلطة، في مقابل تقريب هؤلاء الأصدقاء أكثر إلى المواقع القيادية في السلك السياسي.



تاريخ قصير زاخر بالفساد

في واحدة من أكثر دول العالم تشدقا بشعارات الديمقراطية؛ تبدو إسرائيل دولة طافية فوق بحر من الفساد السياسي والمالي، بل والفساد الجنسي من أجل المال والسياسة، فعلى سبيل المثال في عام 1976 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يتسحاق رابين استقالته من رئاسة حزب هاعفودا (العمل)، وكذلك استقالة الحكومة الإسرائيلية، بعدما تم الكشف عن حساب مصرفي له ولزوجته في أحد البنوك الأمريكية، ومنذ سنوات  قليلة حُكم على عُمري ابن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون بالسجن لتورطه في تهمة الحصول على مساعدات مالية من الخارج لدعم حملة والده الانتخابية، ومؤخرا خرج رئيس الوزراء إيهود أولمرط من السجن بعد قضائه عقوبة بسبب تلقيه رشى، وقبله، في 2016، خرج الرئيس الإسرائيلي الأسبق موشيه كاتساف من السجن بعد قضائه عقوبة على خلفية اتهامه بالتحرش والاغتصاب.

بنيامين نتنياهو، من جانبه، يرفض الخضوع حتى الآن للتحقيقات بشأنه، في البداية كان يتجاهل التحقيقات، ثم بدأ يهاجمها، ويتهم المبادرون بها بأنهم يسعون لهدم الدولة، ثم زادت وتيرة هجومه مع تراكم قضايا الفساد، حتى أصبح الآن يهاجم علنا المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت، ودفع حزبه هاليكود بالكامل لتسخير وقت كبير من حملته الانتخابية للهجوم على مندلبليت بدعوى أنه يرضخ لضغوط اليسار المعارض بهدف إسقاط رئيس الوزراء "الناجح"، ومؤخرا هذا الأسبوع تحولت بوصلة الصراع إلى القائد العام للشرطة روني الشيخ، حيث تبادل معه نتنياهو الهجوم بالتصريحات اللاذعة على خلفية ملفات الفساد التي كشفتها الشرطة.



فضيحة الجنس مقابل التعيين

الآن على بعد شهرين من انتخابات 2019 تظهر فجأة، في خضم التحالفات السياسية والانشقاقات، قضية إفي (إفرايم) نافيه، رئيس نقابة المحامين بإسرائيل، والذي أعلن تركه لمنصبه مؤخرًا الأسبوع الماضي بعد الكشف عن الفضيحة التي تورط فيها.

تتلخص قضية نافيه في الكشف عن الابتزاز الجنسي الذي مارسه، حيث افتضح أمره بأن مارس الجنس مع محامية شابة في مقابل ترقيتها قاضية، إضافة إلى زوجة قاض في مقابل نقله إلى المحكمة المركزية.

القضية مثيرة وأحدثت ضجة كبيرة على جميع المستويات، لعدة أسباب، أولها أن إشكاليات الجنس تثير شهوة الناس لتتبعها، خصوصا على مستوى الفضائح، كما أن المتهم هنا ليس موظفًا عاديا، بل نقيب المحامين في إسرائيل، والمعروف عنه أنه أحد الشخصيات السياسية الصاعدة بقوة، كما أن القضية تمس جوهر العدالة، حيث استغل المتهم منصبه لتعيين قضاة يحكمون في مصائر المواطنين، والأكثر من ذلك أن القضية يتم الكشف عنها في الوقت الذي تنشط فيه أييلت شاقيد وزيرة القضاء للترويج لنفسها قبيل الانتخابات، بعدما أعلنت هي وشريكها نفتالي بينط وزير التعليم انشقاقهما عن حزي هابيت هايهودي وتدشين حزبهما اليمين الجديد.
 
العلاقات الخاصة ومسار الديمقراطية في إسرائيل

الضربة الموجعة لشاقيد جاءتها من صديقها ورفيق درب الكفاح إفي نافيه، فجأة وجدت وزيرة القضاء أمامها حربًا ضروسًا باعتبارها المسئولة الأولى عن وزارة القضاء وباعتبارها صديقة مقربة للمتهم بالابتزاز وممارسة الجنس مقابل استغلال نفوذه ومنصبه، فشاقيد تحدثت في وقت سابق من العام الماضي عن علاقتها مع نافيه بأنها: "بدأت على قاعدة مصالح مشتركة ثم تطورت إلى علاقة صداقة"، وأصبح نافيه بمثابة الحليف الأهم لشاقيد في وزارة القضاء، حيث عملت الوزيرة لأجل تحييد نفوذ القضاة كي تمرر القوانين اليمينية،

وتمثل نشاطها في تعيين قضاة ذوي ميول يمينية محافظة، واحتاجت إلى حليف لها في الوزارة التي كانت قبل تعيينها وزيرة بصدد إحداث "ثورة تصحيح"، فوجدت غايتها في نافيه الذي تعين نقيبا للمحامين في العام نفسه 2015 الذي أصبحت هي فيه وزيرة للقضاء.

ليست شاقيد وحدها المتضررة من الأفعال الجنسية لنقيب المحامين السابق، بل كذلك اهتزت صورة المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت، لأنه هو الآخر كان يرتبط بعلاقة صداقة وثيقة مع نافيه، في الوقت الذي يتحضر فيه نتنياهو وحزبه للانقضاض على مندلبليت إذا ما قرر توجيه لائحة اتهام لرئيس الوزراء.
 
هنا يبرز مدى التأثير العميق لعلاقات الصداقة والمصالح الخاصة على مسار الحياة السياسية في إسرائيل، فمن الخارج تظهر كدولة "ديمقراطية" بها تعددية حزبية، وتفوق سياسي وعسكري، لكن من الداخل الفساد المالي والجنسي ينخر منذ سنوات في جسد الدولة الشابة.

البحث عن "معايير أخلاقية"

الأكثر إثارة في قضية نافيه أنه في خضم الضجة والصخب الناتجين عن انكشاف تفاصيلها بدأ البعض في الحديث عن "المعايير الأخلاقية" للسياسة والقانون، فانتصب البعض في إسرائيل يدافعون عن أييلت شاقيد باعتبارها "كادر" سياسي مجتهد، تمثل مستقبلا جيدا للسياسة الإسرائيلية، ولا يجب إسقاطها بسبب علاقة صداقة وعمل مع إفي نافيه.

هذه المعايير الأخلاقية انبرى للحديث عنها بعض المحللين والصحافيين المحسوبين على تيار اليمين الحاكم، والمتحدثين باسمه، حتى أن من بينهم من شبّه الوضع الحالي لشاقيد بوضع رئيس الوزراء نتنياهو، الذي يواجه هو الآخر حربًا لإسقاطه لأنه "ناجح".

هذه الأحاديث عن معايير أخلاقية حولت مسار قضية نافيه إلى مكان آخر، فالصحفية الإسرائيلية هداس شاتيف التي فجرت القضية أصبحت الآن في مرمى النيران، بعدما اتهمها نافيه في بلاغ رسمي بأنها تجسست على محتوى هاتفه الشخصي، وهو الهاتف الذي كانت تفاصيل ألاعيبه الجنسية مسجلة عليه.

أصبحت القضية برمتها محاطة بشعارات الأخلاق، أخلاق المسئول السياسي ونقيب المحامين، وأخلاق الصحفي، وارتفعت الأصوات من هنا وهناك، فمن جانب يزداد الغضب من تكرار حوادث متعلقة بالجنس في أوساط السياسة الإسرائيلية، ويتحدث البعض عن محاولات لطمس القضية وإلصاق التهم للصحفية باعتبارها تعدت الخط الفاصل بين تحقيق صحفي وبين اختراق الحياة الشخصية للآخرين.

على أية حال؛ أيا كانت نهاية قضية التعيينات مقابل الجنس، ستظل واحدة من أكثر قضايا الفساد التي شهدتها إسرائيل في تاريخها القصير، وهو على ما يبدو تاريخ موصوم بـعلاقات المصالح المشتركة التي تتحول إلى علاقات صداقة تجمع مثلث المال والسلطة والقضاء.


اضف تعليق