أوروبا .. غياب الرؤية الاستباقية والشاملة في محاربة التطرف والإرهاب


١٥ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٦:٤١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

تتفاعل معضلة عودة المقاتلين من جديد، وتحتل أولوية أجندات التحالف الدولي، والمؤتمرات والاجتماعات الدولية، رغم القضاء على معاقل تنظيم داعش في العراق وسوريا خلال شهر نوفمبر من عام 2019، الانقسامات والتصدع ظهر داخل التحالف الدولي، وهذا ما يثير الكثير من المخاوف حول مصير المقاتلين الأجانب في سوريا، الخطر لا يكمن في المقاتلين الأجانب هناك بغض النظر عن مخاطر تنظيم داعش في دول المنطقة وإلى مصير مئات الآلاف من عناصر تنظيم داعش وعائلاتهم.

اجتمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في التحالف العالمي ضد تنظيم داعش يوم 14 نوفمبر 2019 لمناقشة الخطوة المقبلة في مواجهة تنظيم داعش بعد مقتل زعيمه أبوبكر البغدادي، وناقش الاجتماع، الغزو التركي لشمال شرقي سوريا، وتدخل روسيا والنظام السوري، وموقف قوات سوريا الديمقراطية من الحرب ضد داعش، بالإضافة إلى الخطوات المستقبلية من حيث التواجد الأمريكي في شمالي سوريا.

هل التحالف الدولي ضد داعش ما زال فاعلًا؟

التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، بدون شك أنجز مهمته "العسكرية" بالقضاء على معاقل تنظيم داعش في العراق، مدينة الموصل وفي الرقة السورية خلال شهر نوفمبر 2017، لكن هناك إجماع لدى المراقبين والمعنيين في مكافحة الإرهاب والتطرف، بأن القضاء على معاقل التنظيم، و"خلافة داعش المكانية" لا تعني نهاية للتنظيم الأيدولوجية المتطرفة ما زالت فاعلة، ونزعها من عقول أو من ترسخت في أذهانهم، تحتاج سياسات واستراتيجيات دولية وإقليمية ووطنية أوسع من القضاء جغرافيا على هذا التنظيم أو غيره من الجماعات المتطرفة.

شهد التحالف الدولي بعد القضاء على معاقل داعش عام 2017، تراجعًا كبيرًا، وزاد هذا التراجع إلى حد  يمكن وصفه، بــ"العودة إلى نقطة الصفر" عسكريًّا وميدانيًّا، عندما أعلنت الولايات المتحدة، سحب قواتها من سوريا.

لكن شهد التحالف الدولي  تماسكًا قليلًا خلال شهر آذار وأبريل من هذا العام 2019، باستعادة  قرية الباغوز من تنظيم داعش، ليعود وينتكس من جديد عندما أعلن ترامب سحب قواته بشكل نهائي من سوريا والتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية "قسد" خلال شهر أكتوبر من العام الحالي 2019.

الولايات المتحدة تخسر ثقة حلفائها

إن تخلي الولايات المتحدة عن قوات سوريا الديمقراطية، يعكس مدى تقلب سياسات ترامب، وعدم التزامه مع حلفائه، في المنطقة أو دوليا، وهو يبعث رسالة غير إيجابية، بأنه لا يجد ثوابت في سياسات ترامب حتى تلك المعنية في محاربة التطرف والإرهاب.

الانسحاب الأمريكي فتح الباب امام القوات التركية، لتنفيذ عملياتها العسكرية الواسعة "نبع السلام" والتي يمكن وصفها، بانها محاولة من أردوغان لاستعادة تنظيم داعش من جديد. العملية العسكرية، وحملة الحكومة التركية بتنفيذ عمليات إلقاء قبض على قيادات داعش في سوريا وتركيا، ممكن وصفها بأنها محاولة من أردوغان، "لإخفاء" تورطه مع هذا التنظيم، وممكن أن تصب في صالحه لأغراض الدعاية السياسية ومن جانب آخر هي ورقة رابحة بدون شك للضغط على دول أوروبا، لمواجهة الانتقادات ضده في تورطه مع تنظيم داعش ومواجهة الانتقادات الأوروبية ضد عمليات تنقيب تركيا قبالة السواحل القبرصية.

هل يتجه التحالف الدولي نحو غرب أفريقيا

إن مخاوف تمدد وانتقال التنظيمات المتطرفة من سوريا والعراق إلى غرب افريقيا، بعد القضاء على معاقل داعش في سوريا والعراق 2017 زادت؛ حيث  تسعى كل من فرنسا وألمانيا على تشديد الرقابة على منطقة الصحراء انطلاقًا من النيجر، وربما هناك اهتمام أمريكي في غرب أفريقيا. فقد أعلن تنظيم داعش مطلع شهر أكتوبر 2019مسؤوليته عن هجوم في مالي أسفر عن مقتل 53 جنديًا، بالإضافة إلى أحد المدنيين على الأقل.

تحول التحالف الدولي نحو غرب أفريقيا، من شأنه أن ينعكس سلبا على شمال سوريا وعلى منطقة الشرق الأوسط، فالأوروبيون لا يستطيعون سد الفراغ العسكري الأمريكي، وهذا يعني أن روسيا سوف يكون لها حضور أوسع إلى جانب تركيا وإيران، أمام ضعف للوجود العسكري الأمريكي.

ماذا عن تشكيل محاكم دولية في العراق؟

ناقشت دول أوروبا خلال العام الجاري 2019، مقترح، إنشاء محاكم دولية على غرار محاكم نورينبرغ الألمانية ما بعد الحرب العالمية الثانية، أبرزها السويد، لكن هذا المقترح واجه رفضًا من قبل الولايات المتحدة، حتى الأموال التي ممكن أن تقدم للعراق، فيمكن وصفها بالرشى.

المقترح الأوروبي لا يمكن تنفيذه في العراق للأسباب التالية:

ـ تدهور وفساد الوضع السياسي العام في العراق، وعدم استقراره، بسبب ضعف الحكومة وسيطرة الميليشيات.

ـ لا توجد بنية تشريعية قضائية مناسبة تتماشى مع الأحكام القضائية الدولية أو الأوروبية، في الوقت الذي تفرض فيه محاكم العراق أحكام الإعدامات، ترفض أوروبا ذلك وتصر على محاكمتهم في العراق وفق "مقاييس أوروبية" وهذا يمثل ازدواجية في الموقف الأوروبي.

ـ المحاكم الدولية، تحتاج إلى موافقات وقرارات دولية، وهذا ممكن أن يشهد رفضا من بعض أعضاء دول مجلس الأمن الدولي، أبرزها روسيا وحتى الولايات المتحدة.

لا جديد في الموقف الأوروبي باستعادة المقاتلين الأجانب

يبدو أنه، لا يوجد موقف أوروبي واضح أو جديد في استعادة المقاتلين الأجانب، ربما هناك حلحلة في الموقف الألماني باستلام من سبعة إلى تسعة أشخاص يوم 13 نوفمبر 2019 مرحلين من قبل الحكومة التركية. ما تخشاه دول أوروبا، أنها لا تملك شواهد وأدلة قضائية تجرم من التحق بتنظيم داعش والجماعات الأخرى، وهذا يعني أن عناصر داعش  ستكون طليقة في شوارع أوروبا.
 
الخيارات محدودة أمام أجهزة الاستخبارات الأوروبية

إن أجهزة الاستخبارات الأوروبية، هي جهة تنفيذية، ويبدو ما يحصل الآن من عند المحاكم الأوروبية، يختلف عن ما تقوم به أجهزة الاستخبارات، الأحكام القضائية تطلق سراح عناصر داعش، والاستخبارات الأوروبية لا تملك خيارًا غير إخضاعهم للمراقبة المشددة، وهذا ما يعتبر تحديا واستنزافا لأجهزة الاستخبارات الأوروبية، بسبب استنزاف الموارد والطاقات البشرية.

أين تكمن المشكلة؟

المشكلة تكمن في أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية في الغالب تتعامل مع الإرهاب وكأنه قضية جنائية، تحتاج إلى الشواهد والأدلة، ولا تجرم من يسافر إلى سوريا والعراق أو من التحق بالتنظيمات المتطرفة. رغم جهود أجهزة الاستخبارات الأوروبية داخل سوريا والعراق إلى جانب فريق عمل المدعي العام هناك، باتت تنقصها الكثير من الشواهد لإثبات الإدانة القضائية، وهنا تكمن المشكلة.

مخاطر المقاتلين الأجانب

تكمن مخاطر عودة المقاتلين الأجانب إلى أوروبا في نشر التطرف مجتمعيا، من خلال وجودهم في المجتمعات الأوروبية، بعيدا عن الإدانة القضائية، وهذا ما يعتبر تهديدا لأمنها القومي. الخطر لا يكمن فقط في أوروبا، ولكن وجود 800 مقاتل أوروبي، إلى جانب عائلاتهم وأطفالهم -وفق ما جاء على لسان الرئيس ترامب- هذه الأعداد وغيرها من المقاتلين العرب والأجانب التي تقدر بعشرات الآلاف، يمكن أن تتمكن من الهروب خلال أي عملية عسكرية محتملة تقوم بها تركيا من جديد. استعادة تنظيم داعش في سوريا والعراق ودول المنطقة بات محتملا في ظل معطيات الانقسامات داخل دول التحالف الدولي وتراجع دول أوروبا عن مسؤوليتها الأخلاقية والقانونية.

ما هو الحل؟

يجب حل الانقسامات داخل التحالف الدولي، وألا تؤخذ سياسات محاربة التطرف والإرهاب، بجريرة الخلافات بين أوروبا وإدارة ترامب، لا أحد يختلف حول محاربة التطرف والإرهاب. الخيار القائم، هو إيجاد تحالف جديد لمحاربة التطرف والإرهاب، لا يتحدد بالقضاء على تنظيم داعش، بل محاربة التطرف والإرهاب، بشكل شامل، وعلى دول أوروبا أيضا والغرب أن تكون رؤيتها شمولية واستباقية في ردع التطرف ومكافحة الإرهاب ولا تنحصر في جزئية عودة المقاتلين الأجانب. وينبغي أن تقوم دول أوروبا الى جانب دول أخرى باستعادة مقاتليها، وعليها أن تتحمل المسؤولية القانونية، كون هؤلاء نزحوا إلى التطرف من داخل أوروبا ودول أخرى.

هناك خطر يلوح في الأفق يهدد دول منطقة الشرق الأوسط، وينعكس بتداعياته أكثر على دول أوروبا، وهذا ما يتطلب تفعيل تحالف جديد وتعاون دولي لمحاربة التطرف والإرهاب.



الكلمات الدلالية أوروبا عودة داعش

التعليقات

  1. مراقب دولى1 ١٩ نوفمبر ٢٠١٩ - ٠٤:٣٣ م

    فاذن غياب القانون الدولى هنا لمعاقبة من يتلاعب بداعش ارهابيا وغيرها واوروبا تلعب مع النظام الايرانى لاجل مصالحها بالاتفاق النووى الغبى وهى تعلم بانهالنظام هو راعى الارهاب والمليشيات والحشد فى العراق ولبنان واليمن

اضف تعليق