الاستيطان.. سياسة اليمين الإسرائيلي للفوز بالانتخابات


٠٩ ديسمبر ٢٠١٩

كتب: د.محمد عبدالدايم

في سبتمبر الماضي، خلال تصريحات لوسائل الإعلام، جدد بنيامين نتنياهو تعهداته بشأن فرض السيادة الإسرائيلية على أراضٍ بالضفة الغربية، وأوضح أنه سيعمل على ضم المستوطنات الإسرائيلية في الخليل عقب الانتخابات، وفي السياق ذاته كان قد أعلن تعهده بإعلان السيادة الإسرائيلية على منطقة الأغوار وشمال البحر الميت في حال تم انتخابه وتكليفه بتشكيل الحكومة الإسرائيلية، وذلك بالتنسيق الكامل مع الإدارة الأمريكية.

لم ينجح نتنياهو في كسب أغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات، لكن السعي الإسرائيلي لتوسيع نطاق الاحتلال والاستيطان لم يتوقف، ففي الأسبوع الماضي أعلن نفتالي بينط، وزير الدفاع الإسرائيلي الجديد في حكومة تسيير الأعمال، عزم إسرائيل بناء حي استيطاني يهودي جديد في الخليل.


الاستيلاء على أرض سوق الجملة

أعطى نفتالي بينط الضوء الأخضر لمنسق الأنشطة الحكومية والإدارة المدنية في الضفة الغربية، كي يشرع بالتخطيط لإقامة الحي الاستيطاني الجديد في منطقة سوق الجملة، سوق الحسبة، المعروف كذلك بسوق الخضار المركزي يقع في منطقة السهلة أحد أهم أسواق الخليل، وكانت تباع فيه أنواع الخضار والفاكهة بالجملة، حتى أغلقته سلطات الاحتلال عام 1994 أمام البيع بالجملة، بعد مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها الإرهابي الإسرائيلي اليهودي باروخ جولدشتاين بحق الفلسطينيين.

ظل السوق يعمل في البيع بالتجزئة على نطاق ضيق، لكن استمرت قوات الاحتلال في وضع العراقيل أمام التجار والمتسوقين، متمثلة في بوابات حديدية، ومنع المتسوقين من الدخول والخروج، حتى اقتربت أوضاع التجار من الانهيار، خصوصًا مع إجبارهم على إغلاق محالهم لفترات طويلة، فانتقل بعضهم إلى مناطق أخرى مثل وادي التفاح وباب الزاوية.

إذا المخطط الإسرائيلي باستمرار الاستيطان في الخليل ليس جديدًا، وإنما تعد له السلطات الإسرائيلية منذ وقت، لذا كانت التحركات في السنوات الماضية تقضي بإبعاد السكان الفلسطينيين عبر التضييق والطرد وقطع سبل الاسترزاق.

تأتي خطة وزير الدفاع بهدف خلق نقطة واصلة بين الحرم الإبراهيمي وبين الحي الاستيطاني "أفراهام أفينو" (أبونا أفراهام) الذي أقيم عام 1979، وتقضي الخطة بالاستيلاء على المنطقة الواقعة فوق سوق الجملة وبناء الحي اليهودي الجديد عليها لمضاعفة عدد السكان اليهود المستوطنين، وهذا يعني هدم مباني السوق.

 الخليل هي أكبر مدن الضفة الغربية من حيث عدد المساحة والسكان، وهي أكبر المراكز الاقتصادية في الضفة، وفي رد فعل على ما أعلنته إسرائيل بشأن الحي الجديد؛ دعت حركة فتح يوم الأحد لمسيرات غاضبة وإضراب عام في الخليل يشمل المدارس والجامعات والمكاتب الحكومية والوكالات ومقار المؤسسات المدنية.



سياسة الاحتلال والفصل

منذ  عام 1967 وحتى نهاية 2017، أقامت إسرائيل أكثر من أكثر من 200 مستوطنة في الضفة الغربية، غير القدس الشرقية، يسكنها نحو 620 ألف مواطن إسرائيل، ومحافظة الخليل الواقعة في الضفة الغربية جنوبي القدس المحتلة؛ هي الأكبر بين محافظات الضفة، وعلى مدى سنوات استولى الاحتلال على أراض منها لبناء بؤر استيطانية وصل عددها إلى 31 مستوطنة، تنوعت ما بين مستوطنات زراعية وسكنية وصناعية ومناطق مراقبة، وبعد انتفاضة الأقصى توسعت إسرائيل في الاستيطان بالخليل، وأقامت نحو عشرين بؤرة استيطانية أخرى، ناهيك عن جدار الفصل العنصري بالخليل.

 إعلان نفتالي بينط عن استمرار الاستيطان في هذا الوقت تحديدًا، كأحد قراراته الأولية وهو وزير للدفاع، وذلك تحت غطاء "الأمن" وإذعانا لعريضة قدمها مستوطنون في أغسطس الماضي لإقامة مستوطنة في موقع السوق، لتستمر سياسة الاحتلال والفصل المعلنة التي تنتهجها إسرائيل منذ 25 عامًا، وتقضي بفرض قيود على تحركات الفلسطينيين في قلب المدينة الكبيرة، بشقها عن طريق شريط متصل يمتد من مستوطنة "قريات أربع" الواقعة شرقًا إلى المقبرة اليهودية في الغرب.


استثمار إعلان بومبيو

المخطط الإسرائيلي، غير المفاجئ، يأتي بعد أيام قليلة من إعلان وزير الخارجية مايك بومبيو بالاعتراف بكون المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 "قانونية لا تنتهك القانون الدولي"، وذلك رغم الخطوة التي أقدمت عليها دول في الاتحاد الأوربي بوسم منتجات المستوطنات اليهودية المُصدرة إلى دول الاتحاد، كي يفرقها المستهلك عن غيرها، نزولا على قرار قضائي أمرت به المحكمة الأوربية.

الواقع أن الإعلان الأمريكي لا يفتح الباب لاستمرار الاستيطان الإسرائيلي، لأنه بالفعل يجري على قدم وساق لالتهام الأراضي الفلسطينية، سواء بالخليل القديمة أو غيرها من المناطق، بهدف السيطرة على الأرض وتفريغها من سكانها الفلسطينيين، لكن الإعلان الأمريكي يأتي كنقطة دعم أخرى لليمين الإسرائيلي، تضاف إلى الدفعات الفاضحة التي استمرت إدارة ترامب في إعطائها لحكومة نتنياهو.

كما جاء إعلان بومبيو متزامنا مع إعلان نتنياهو نيته فرض سيطرة إسرائيل على منطقة غور الأردن الواقعة بين بيسان حتى شمال البحر الميت وصولا إلى عين جدي، وهي منطقة تمثل كنزًا لإسرائيل، حيث تتميز بمناخ مناسب يؤهل للزراعة، وموارد مائية استفادت بها إسرائيل عبر حفر آبار مياه جوفية بالمخالفة للقوانين الدولية، ناهيك عن الدوافع الأمنية التي تجعل إسرائيل مصرة على ضم غور الأردن.

دعاية للانتخابات الثالثة

كان تأكيد نتنياهو قبل انتخابات سبتمبر باستمرار الاستيطان ذا هدف دعائي لنفسه، ورغم فشله في تشكيل حكومة، واتجاه إسرائيل إلى انتخابات ثالثة، في مارس القادم على الأرجح، فإن رئيس حزب هايمين هاحادش (اليمين الجديد)، نفتالي بينط يستثمر موقعه الجديد كوزير دفاع في حكومة تسيير الأعمال للدفع قدمًا بالاستيطان في الضفة، تأكيدًا على ترويجه لأهداف اليمين الصهيوني الذي أعلن غير مرة سعيه لالتهام أراضي الضفة الغربية وإجبار سكانها على تركها، فالثنائي نتنياهو وبينط يستعدان بجولة أخرى من الاستيطان لجولة ثالثة من الانتخابات يهدفان منها اجتذاب مزيد من أصوات اليمين الصهيوني والحريدي الذي يطالب باحتلال كامل الضفة الغربية.


اضف تعليق