بين التكريم والإهمال.. ابن حجر العسقلاني تاريخ عظيم خارج تصنيف "الآثار"


١٥ يناير ٢٠٢٠ - ٠٨:٤٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - هدى إسماعيل وعاطف عبداللطيف

إهمال التراث وعدم تقدير قيمة الآثار الإسلامية ديدن وزارة السياحة والآثار المصرية، إما بالنسيان والتخاذل أو عدم التصنيف، وهو جزء من العبث بإنجازات السابقين ونكرانًا لفضل أهل العلم السابقين، وفي السطور التالية نتحدث عن غياب التطوير الذي داست خطواته قيمة التاريخ ولم تقدرها حق قدرها، حلقة اليوم ضمن سلسلة الحديث عن التراث والتاريخ الأثري المهمل في مصر، تتناول مقبرة القاضي والعالم العلامة "ابن حجر العسقلاني" من داخل المقابر المجاورة لمسجد الإمام الشافعي بالقاهرة التاريخية.

تعرضت مقبرة "ابن حجر العسقلاني" لهدم أسوارها وأرضيتها وتناثر سقفها الخشبي وبقايا الألواح التي أكلتها شمس الصيف المحرقة ولم يتبق منها إلا شاهد القبر الحجري ولافتة مدون عليها اسم القاضي الشهير، فيما أعيد بناء الأسوار والترميم بعد أن هدمتها بلدوزرات مهدت لبناء قواعد أحد الكباري الجديدة.

ويزور قبر ابن حجر العسقلاني المئات من محبيه والقارئين لكتبه والمعجبين باجتهاده العلمي ومؤلفاته القيمة رغم أن القبر غير مصنف أثرًا حتى الآن!



المولد

ولد شيخ الإسلام والإمام المفسر والحافظ الفقيه الأصولي والمتفنن في علوم الشريعة، شهاب الدين أبوالفضل أحمد بن علي، الشهير بابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية، وقتئذٍ، عام 773/ 1372م من الهجرة وتوفي بها سنة 852 هجرية/ 1449م وصلي عليه بمصلى "بكتمر المؤمني" أسفل القلعة، وكانت جنازته مهيبة بحضور السلطان الظاهر جقمق وأكثر من 50 ألف شخص، وهو صاحب الكتاب الشهير: "فتح الباري بشرح حديث البخاري" والمكون من 15 مجلدًا، واستغرق تأليفه 20 عامًا وكتاب "الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة" متحدثًا فيه كعالم تاريخ موسوعي.

فضلًا عن العديد من المؤلفات الهامة والقيمة، حتى أن كتابه "شرح الباري" كان يباع بـ300 دينار، وهو مبلغ ضخم آنذاك، وكان الكتاب يهدى للأمراء والملوك، وتولى منصب قاضي قضاة مصر لفترة تقارب الـ21 عامًا، كما كان مؤرخًا كبيرًا، ومن أشهر تلاميذه شمس الدين السخاوي أشهر وأهم مؤرخ تراجم في تاريخ مصر الإسلامية.

وابن حجر العسقلاني، أصوله من مدينة عسقلان بفلسطين، لكنه مصري المولد والنشأة والممات، وهاجرت أسرته هربًا من بطش الحملات الصليبية على أرض الشام وفلسطين واستوطنت مصر.


نبوغ ابن حجر

وحسب ما يروي الباحث التاريخي في الآثار الإسلامية، يوسف أسامة: مات أبويه وهو طفل صغير وتكفلت أخته "ست الركب" بتربيته – كانت تكبره بثلاث سنوات - حتى حفظ القرآن الكريم كاملًا في التاسعة من عمره، امتاز بالنبوغ والذكاء الشديد، كما تداولت روايات كثيرة، حتى قيل إنه كان يحفظ ما يقرأه من المرة الأولى.

اهتم به أحد أشهر تجار مصر وقريبه، وهو زكي الدين الخروبي، واصطحب ابن حجر العسقلاني معه في رحلة إلى بلاد الحجاز، ومن هنا تبدأ انطلاقة ابن حجر مع علم الحديث، وتنقل من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وزار اليمن ومدن فلسطين قاطبة.

عاصر ابن حجر الكثير من علماء مصر في عصره، مثل التنوخي عالم القراءات، والهيثمي عالم المتون، وابن الملقن عالم التصانيف، وتتلمذ في علم الحديث على يد عبدالرحيم العراقي.


إهمال محزن

تعرض ضريح ابن حجر العسقلاني -غير المصنف أثريًا- إلى صنوف شتى من التعديات والإهمال من عقود طويلة، بدأت بسرقة اللصوص للباب الحديدي للضريح، ما أجبر سكان المقابر على غلقه بالحجارة والطين ومنع الزيارة والدخول من مدخل جانبي.

ففي شارع عقبة بن عامر الجهني والممتد إلى ما يزيد عن كيلومتر كامل بالمقابر، ينعقد سوق الجمعة الأسبوعي بمصر القديمة. وحسب ما قال سكان المقابر، لـ"رؤية": قبل تهدم الضريح التاريخي بفعل البلدوزرات التي جرفت قبر وشاهد ابن حجر العسقلاني مع مئات القبور الأخرى قبل أن تمهد لبناء قواعد أحد الكباري العملاقة بالمنطقة، كان نصيب الضريح أن تحول لمعلف للبهائم ودورة مياه للمتواجدين بالسوق؛ دون مراعاة لحرمة الميت وقيمة صاحب المدفن التاريخية!

وبعد إعادة بناء حوائط قبر ابن حجر العسقلاني ورفع الأنقاض في لافتة محمودة والترميم جزئيًا، حيث رمم عدد من الطلبة الوافدين بالأزهر الشريف من سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا ضريح الإمام الحافظ بن حجر، على نفقتهم الخاصة.

بات المطلوب من وزارة السياحة والآثار في مصر إدراج المكان ضمن الخريطة السياحية للزيارة، وتصنيفه كأثر إسلامي فريد يتمتع بحب وإعجاب وتقدير الكثيرين خاصة طلبة العلم في الأزهر الشريف.












اضف تعليق