توجهات غير مشروعة..كيف تخطط طهران لمواجهة حصار ترامب الاقتصادي؟


٢٦ يناير ٢٠٢٠

رؤية - محمود رشدي 

ثمة مسار غير تقليدي تتعاطى معه إيران للتكيف مع العقوبات الأمريكية المتزايدة على اقتصادها المتهاوي، ذاك الاتجاه البعيد عن سيطرة الحكومات تتكافأ فيه كافة الفرص المتاحة لكل دولة على حدا، بل ولكل فرد يمتلك إمكانيات بسيطة بعالم آخر موازِ تقبع به غالبية المعاملات غير الشرعية والمحظورة بشكل أساسي، إنه "التيب ويب" أو "الإنترنت الأسود".

أثرت العقوبات الاقتصادية على إيران بشكل كبير بنسبة تراوحت بين 10-20% من الناتج القومي الإجمالي، نتيجة للصراع مع الولايات المتحدة الذي تصاعد إبان وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم 2016، ولذا لجأت الحكومة الإيرانية لاستخدام العملات المشفرة مثل البيتكوين -كما يستخدمها الجمهور بشكل متزايد- للتهرب من الحواجز القانونية، وقد أدى ذلك إلى محاولة قمع على تلك العملات من قبل المنظمين الدوليين.

خارج النظام المصرفي التقليدي

لم يكن هذا الأمر إلا اضطراريًا فرضته العقوبات الدولية عليها، وفي خضم تصاعد الصراعات بينها وبين الولايات المتحدة، لجأت طهران لاستخدام العملات المشفرة لدعم التجارة الدولية خارج النظام المصرفي التقليدي. في يوليو 2018، أعلنت إدارة الرئيس حسن روحاني نيتها إطلاق عملة تشفير وطنية؛ بعد شهر واحد، حددت وكالة أنباء تابعة لبنك إيران المركزي ميزات متعددة للعملة الوطنية المشفرة، قائلة إنها ستدعمها العملة الوطنية، كما قام البنك المركزي بالإفصاح عن العديد من مشاريع blockchain- تطوير التكنولوجيا الأساسية للعملات المشفرة- في مؤتمر للمدفوعات الرقمية العام الماضي، أحدها تم اختباره بالفعل من قبل أربعة بنوك إيرانية (ثلاثة منها تخضع لعقوبات).

قطاع العملات المشفرة الإيراني

يعد التعامل بالمعاملات المشفرة سائد لدى الجمهور الإيراني، ووفقًا لتقارير عدة، وصف كثير من الأفراد "البيتكوين" بأنه الطريقة الوحيدة للحصول على أموال من إيران، كما ينشط هناك قطاع تعدين العملة المشفرة- باختصار هو أماكن صناعة تلك العملات بوسائل تكنولوجية متطورة- منذ عام 2018، وبدأ في الانتشار بشكل كبير في العام التالي حسبما أشار استطلاع الرأي، بأن 25% من المستطلعين حصلوا على 500 - 3000 دولار شهريًا باستخدام crypto currency.

ومن المثير للاهتمام، جذبت إيران اهتمامًا من دول أخرى ترغب في التعاون عبر منصات blockchain، في عام 2017، ذُكر أن السويد سمحت لشركة محلية للبدء في الاستثمار في الشركات في سوق الأسهم الإيرانية باستخدام البيتكوين. في نوفمبر 2018، وقَّع موظفو صناعة بلوكشين الإيراني والروسي اتفاقية تعاون في تطوير صناعة بلوكشين الإيرانية بهدف معلن هو مواجهة التحديات الناشئة عن العقوبات.

في عام 2019، أجرت منظمة ترويج التجارة الإيرانية مفاوضات حول استخدام العملات المشفرة في معاملات مالية مع ممثلي ثماني دول، بما في ذلك سويسرا وجنوب إفريقيا وفرنسا وإنجلترا وروسيا والنمسا وألمانيا والبوسنة والهرسك.

هل تهرب إيران من العقوبات؟

على الرغم من هذه التحديات، هناك تطورات جديدة في عالم العملة المشفرة التي قد تفتح إمكانيات جديدة لنظام الملالي والشعب الإيراني للتهرب من العقوبات، وتكمن أحد التطورات المهمة هو صعود العملات الرقمية للبنك المركزي، وهي العملة الحكومية التي تعتمد على العملات المشفرة - البنوك المركزية التي تصدر النقود الرقمية الأصلية.

تعمل الصين وروسيا بشكل خاص في هذه المشاريع منذ فترة، ومن المتوقع إطلاق العملة السيادية الصينية أو "اليوان الرقمي" هذا العام، ويترتب عليها أن هذه المشروعات تعمل حتماً على سلاسل خاصة لا توفر إمكانية تتبع للبلدان الخارجية بالطريقة التي تعمل بها شبكة البيتكوين.

وعلاوة على ذلك، هو أن هذه الأدوات هي خارج نطاق الهيكل المالي العالمي الحالي بقيادة الولايات المتحدة. ولذا يمكن للدول التي لا تزال مفتوحة للتعاون مع إيران استكشاف السبل بسهولة من خلال استخدام هذه العملات السيادية.

هناك تطور أكثر أهمية تقوده الصناعة وهو التمويل اللامركزي، تهدف هذه الفئة الصاعدة من مشاريع العملة على تقديم خدمات مالية تقليدية مثل الخدمات المصرفية والإقراض والتداول عبر الشبكات اللامركزية وبدون وسطاء، كما تتوسع بشكل كبير في الخيارات المالية المتاحة للمواطنين العاديين للخدمات التي تتجاوز المدفوعات فقط، وهو ما تقدمه بيتكوين حاليًا. على سبيل المثال، تواجه إيران ارتفاعًا قياسيًا في التضخم منذ عام 2019، وباستخدام العملات الرقمية يمكن للإيرانيين الاقتراض من الأسواق العالمية بأسعار أقل بكثير من تلك الموجودة داخل إيران.

وعليه، فقد أدركت إيران بوضوح أن العملات المشفرة هي من بين طرق تحدي البنية المالية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، ولذا بإغلاق هذه القنوات بالتنسيق والتعاون مع مزودي خدمة التشفير، سيترتب عليه بالطبع التضييق المنشود على النظام الإيراني، وبالتالي أجندته المتطرفة بمنطقة الشرق الأوسط.



اضف تعليق