"أردت أن أموت"..عراقي يفضح ممارسات الأمن الإجرامية ضد المتظاهرين


١٩ فبراير ٢٠٢٠

كتبت - أسماء حمدي

للشهر الخامس لم يتوقف العراقيون عن المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية، وسط هتافات تندد بالفساد، واستمرار نزيف الدماء الذي لم يتوقف، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى، بالإضافة إلى الاعتقالات والقمع المستمر بشكل يومي.

وسلطت صحيفة "الجارديان" البريطانية، الضوء على ما يتعرض له النشطاء والمتظاهرون من قبل الأجهزة الأمنية، ويكشف كيف تستخدم "عمليات الاختطاف، والقتل لإسكات النشطاء العراقيين.

مثل الآلاف من الشباب العراقيين، نزل الشاب حيدر الذي يعمل مسعفا، إلى الشوارع قبل شهرين في 1 أكتوبر، مرددًا شعارات تطالب بتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل، لكن كان رد قوات الأمن العراقية هو الرصاص وقنابل الغاز وخراطيم المياه، ما تسبب في سقوط عددا من القتلى والجرحى من المتظاهرين.

في اليوم التالي، عبأ "حيدر" حقيبته بالضمادات والأدوية وعاد إلى الشوارع، وعندما كان المحتجون يحتلون ساحة ميدان التحرير، كان حيدر يقود فريقًا من الممرضات، حيث عالجوا ضحايا قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص وكذلك الذخيرة الحية.



جحيم

في مساء 14 ديسمبر غادر الشاب حيدر، ساحة التحرير في بغداد، وذهب لتناول العشاء مع أصدقائه في حي الكرادة القريب، ولم يعد عقب ذلك إلى خيمته في ميدان التحرير كما يفعل عادة، وإنما قرر أن يذهب إلى منزله ليطمئن على والدته وزوجته الحامل.

يروي حيدر ما حدث في تلك الليلة، قائلا: "وصلت إلى البيت بعد منتصف الليل، وكان جالسا في الخارج -حيث كان استقبال الإنترنت أفضل-  فجأة توقفت أمامه سيارة تقل ثلاثة مسلحين، وسألوه: "أنت حيدر؟"، فأجاب الشاب "لا أنا أخوه محمد"، وتظاهر بأنه دخل إلى المنزل لينادي أخيه حيدر، لكن الحيلة لم تنطل على المسلحين، الذين اقتادوه معهم إلى السيارة، بعد أن عصبوا عينيه، وأوثقوا يديه ودفعوه إلى أرضية السيارة تحت أقدامهم، بعد نحو ساعة، وصلوا به إلى مكان بعيد مجهول وحبسوه".

في صباح اليوم التالي، عندما استيقظ حيدر، وجد نفسه مستلقيا على أرضية غرفة مظلمة صغيرة عاريا، كان هناك خطاف في السقف وحوض استحمام متسخ مليء بالمياه البنية والأسلاك الكهربائية.

دخل الغرفة رجلان ملثمان يرتديان زيا أسود يحملان العصي والكابلات السميكة، وقاما بعصب عينيه مرة أخرى، وبدون طرح أي أسئلة، بدأوا في ضربه حتى فقد الوعي.

بعد بضع ساعات دخل رجال ملثمون وطلبوا منه فتح هاتفه، وكشف صور وأسماء شبان يقودون المظاهرات، عندما أصر على رفضه، استمروا بتعذيبه، وبشكل خاص بضرب ذراعه التي تحمل آثار إصابة حديثة خلال المظاهرات، وسألوه عن السفارة التي تموله هو وأصدقائه المتظاهرين.

بكى ثم أقسم لهم أنه لم يذهب إلى أي سفارات وتظاهر بأنه قد نسي كلمة المرور على هاتفه، استمر تعذيبه لمدة ساعتين أو ثلاث، وعندما فقد وعيه، ألقوه في حوض الاستحمام، وعندما استيقظ، علقوه من الخطاف في السقف، وقاموا بتوصيل الأسلاك بأصابعه وأصابع قدميه وبدأوا بصعقه بالكهرباء، كما عرضوا عليه صور أمه وزوجته، وهددوه باغتصابهما.



"أردت أن أموت"

بعد ثلاث ليال من التعذيب فتح حيدر هاتفه، استعرض الرجال الصور وطلبوا منه تحديد قادة الاحتجاج في بغداد والمحافظات، عندما قال إنه لم يكن هناك قادة، وضعوه في مياه مثلجة في حوض الاستحمام، ووضعوا كتل خرسانية على صدره.

يقول حيدر "بحلول نهاية الأسبوع الأول ، كنت أتوق للموت، أردت منهم أن يقتلوني، أردت فقط أن أموت وأن يتوقف التعذيب".

كانت جلسات التعذيب تحدث خلال الليل، لكنه إذا حاول النوم أثناء النهار يقوم الحراس بصب الماء البارد فوقه أو ضربه بعصا، واستمر التعذيب حتى اليوم الرابع عشر من اختطافه، حيث أمره الحراس بارتداء ملابسه وعصبوا عينيه وأخرجوه من الزنزانة.

"كنت أعلم أنهم سيأخذونني إلى الإعدام، وكنت سعيدا؛ أردت أن أموت، قادوني إلى سيارة، وذهبنا إلى مسافة بعيدة لبعض الوقت عندما توقفوا كنت أعلم أن الموت قادم، لكنني توسلت إليهم أن يدعوني أتصل بزوجتي، أخبرني أحدهم أن أنتظر وهددني بإطلاق النار إذا قمت بإزالة العصابة من على عيني وسمعت خطواته تبتعد".

بعد وقت من الانتظار، وعندما لم يعد الحارس، قام بنزع العصابة ليجد نفسه في مكب نفايات مهجور، ولم يكن يعرف الوقت أو المكان الذي يقف فيه، كان رد فعله الأول هو الركض، لكنه شعر فجأة بألم أسبوعين من التعذيب وبدأ في الارتعاش من البرد والألم، وقال حيدر: "اعتقدت أنني ميت، وأن روحي هي التي تركض".

يضيف: "رأيت المنازل على مسافة بعيدة، ذهبت وطرقت الباب الأول لكن لم يرد أحد، ثم طرقت ثلاثة أبواب أخرى، ومن الباب الرابع جاء طفل صغير، توسلت إليه للحصول على الماء والهاتف للاتصال بأسرتي، سألني الصبي: "ماذا بك؟"، وعندما أدركت أن الصبي يراني، أدرك أنني على قيد الحياة وبدأت في البكاء".



ترويع النشطاء

يقول ناشط حقوقي لـ"الجارديان": إن الهدف من عمليات الاختطاف مثل حيدر، هو إثارة الخوف حتى يشعر النشطاء الآخرون بالخوف ويهربون، ولقد نجحوا إلى حد كبير؛ فمعظم الذين تم إطلاق سراحهم يهاجرون ويغادرون، ويرفضون التحدث أو تقديم شكوى، والكثير منهم لا يذكرون من قام باختطافهم".

تشير الصحيفة إلى إن السلطات العراقية دأبت على الترويج لوجود طرف ثالث هو الذي يقوم بعمليات اختطاف الناشطين، أو تعذيبهم أو قتلهم، لكن التقرير يكشف أن الأجهزة الأمنية العراقية، دست عناصرها بين المتظاهرين لتقصي أخبارهم والتجسس عليهم.
 
يروي حسام وهو أحد ضباط الأمن التابعين للداخلية لـ"الجادريان"، إنه تلقى أوامر بالاندساس بين المحتجين والمشاركة بالمظاهرات، لكي يتسنى له التجسس عليهم، مضيفا: "لدينا كاميرات، ويمكننا أن نراقب المداخل إلى الساحة، ونعرف من يدخل ومن يغادر، كما أننا نستغل صغر سن وقلة خبرة المتظاهرين ونتحدث إليهم، ونعرف أسماءهم، ونتابعهم لكي نتوصل إلى قادتهم، كما نستهدف بشكل خاص الذين يقومون بتوزيع الطعام على المتظاهرين، والذين يقدمون لهم الخيام والأغطية".

وبحسب الصحيفة، فإن عناصر المخابرات المتنكرين والتابعين لوزارة الداخلية يملؤون ساحة التحرير، بل ولديهم أيضاً خيامهم، ويراقبون الداخل والخارج.

وخلال الأربعة أشهر الماضية، قتلت قوات الأمن 669 مدنيا وأصابت أكثر من 25000، وتم احتجاز حوالي 2800 شخص، وفقا للجنة حقوق الإنسان العراقية والمنظمات الحقوقية غير الحكومية ونشطاء.


اضف تعليق