وسط رياح "كورونا".. انهيار اتفاق أوبك "الكبير" وأزمة تلوح بالأفق


٠٧ مارس ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان
سجلت أسعار النفط خلال تعاملات أمس الجمعة، أكبر خسارة يومية في أكثر من 11 عاما، بعد أن أجهضت موسكو مساعي منظمة "أوبك" لضبط الأسعار والحفاظ على استقرار السوق، وسط رياح "كورونا" التي هبطت بالطلب العالمي إلى مستويات 2009، ما أجج المخاوف من أزمة أسعار جديدة تعصف بالأسواق على غرار العام 2014.

في ختام تعاملات الجمعة، سجلت العقود الآجلة لخام برنت أكبر انخفاض يومي منذ ديسمبر 2008، لتنخفض 4.72 دولار "9.4 %" وتبلغ عند التسوية 45.27 دولار للبرميل، وهذا أدنى مستوى إغلاق لبرنت منذ يونيو 2017.

كما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 4.62 دولار "10.1 %" إلى 41.28 دولار للبرميل، وهو أقل مستوى إغلاق منذ أغسطس 2016 وأكبر خسارة يومية بالنسبة المئوية منذ نوفمبر 2014.

تعنت روسي يقوض جهود "أوبك"
منذ بداية تفشي فيروس كورونا مع مطلع العالم الجاري أعلنت منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" أنها تراقب السوق عن كثب لتقييم الآثار المحتملة للفيروس على مستويات الطلب العالمية وحركة الأسعار، وأوصت اللجنة الفنية المشتركة التابعة للمنظمة خلال اجتماع عقد بشكل استثنائي مطلع فبراير بخفض إضافي للإنتاج بـ600 ألف برميل يوميا لمواجهة تداعيات "كورونا"، مع تفشي المرض في الصين –أكبر مستهلك للطاقة والمسؤولة عن 70% من نمو الطلب العالمي على النفط في 2019- وانتشاره على نطاق واسع في عدة بلدان وتأثيره على حركة السفر بصورة تهدد قطاع الطيران بتوقف شبه تام.

حتى أول أمس الخميس، كانت الأنباء تشير إلى اتفاق بين أعضاء "أوبك" بشأن تخفيض إضافي للإنتاج بـ1.5 مليون برميل يوميا في إجراء عاجل لدعم الأسعار ووقف انهيارها، مع تمديد العمل بالتخفيضات المتفق عليها سابقا -2.1 مليون برميل يوميا- حتى نهاية العام، ليصل إجمالي الخفض إلى نحو3.6% من الإمدادات العالمية.

ومع حلول مساء أمس الجمعة في فيينا، جاءت أنباء مؤكدة بأن "أوبك" والحلفاء من خارجها فيما يعرف بـ"أوبك بلس" لم يتمكنوا من الخروج باتفاق في اجتماع دام لأكثر من 6 ساعات وكانت الأسواق تعول عليه كثيرا لتفادي خطر نزول الأسعار إلى مستويات أدنى من 42 دولارا للبرميل، وكلمة السر هذه المرة كانت عند روسيا.

رفضت موسكو -أكبر حلفاء "أوبك" وثاني أكبر منتج للنفط عالميا- تخفيضات الإنتاج بشكل شبه قاطع، وقال وزير الطاقة ألكسندر نوفاك -للصحفيين في فيينا عقب المحادثات- اعتبارا من أول أبريل، ليست هناك قيود سواء على أوبك أو المنتجين من خارجها، مؤكدا أنه لم يعد هناك اتفاق مع "أوبك" وأن مجموعة "أوبك بلس" ستواصل مراقبة تطورات السوق.

ولم يصدر تعليقا واضحا من قبل السعودية –أكبر مصدر للنفط عالميا- ردا على التعنت الروسي، فيما رفض أمين عام المنظمة محمد باركيندو تصريحات البعض من داخل المنظمة بأن تحالف "أوبك بلس" قد مات، وقال إنّ المباحثات ستتواصل من أجل التفاهم على اتفاق.

لأكثر من ثلاثة أعوام نجح تحالف "أوبك بلس" في دعم السوق المتخمة بالمعروض النفطي مع زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وذلك عبر الاتفاق على تخفيض الإنتاج اليومي لدول أوبك بالإضافة إلى 10 دول من خارجهات أبرزهم المكسيك وروسيا بمقدار 1.2 مليون برميل يوميا، ورغم أن بعض الدول لم تلتزم بشكل قاطع بهذا السقف، إلا أن الأمر نجح حتى اللحظة.

ساعد على هذا النجاح حاجة الدول المنتجة والمصدرة للنفط وقتها لأسعار فوق مستويات الـ45 دولارا للبرميل لدعم ميزانياتها، ولم يكن مستغربا أن ترفض روسيا المزيد من الخفض الإنتاجي، فقبل أيام قال الرئيس فلاديمير بوتين: إن المستوى الحالي لأسعار النفط مقبول لأنه فوق 42.1 دولارا للبرميل برنت المستخدم كمرجع لاحتساب الموازنة في إطار سياساتنا للاقتصاد الكلي.

ماذا سيحدث؟
وسط استمرار أزمة كورونا، وتقديرات الوكالة الدولية للطاقة لتراجع النمو على الطلب النفطي هذا العام 2020 إلى أدنى مستوى منذ 2011 عند  825 ألف برميل يوميا، وتقديرات صندوق النقط لتباطئ النمو العالمي بأكثر من 0.1% سيكون على "أوبك" التدخل سواء بشكل منفرد أو بالاتفاق مع بعض الحلفاء بدون روسيا، لمنع انهيار الأسعار بعيدا عن مستوى الـ 45 دولارا للبرلمين، كما لا يستبعد أن تتراجع موسكو عن موقفها.

موسكو معتادة على المماطلة بشأن تعهدات الخفض الإضافي، فهي ترى أن كل برميل يتم سحبه من السوق يمثل خسارة لميزانيتها المعتمدة على النفط بسعر مرجعي عند 42.4 دولارا للبرميل، كما أنه يعزز في المقابل حصة الولايات المتحدة من السوق ، باعتبارها أكبر منتج للنفط وليست عضو بـ"أوبك بلس".

بعض وزراء "أوبك" صرحوا بأنه من المحتمل أن يساهم المنتجون من خارج المنظمة بواقع 500 ألف برميل يوميا من إجمالي الخفض الإضافي "1.5 مليون برميل"، لذا قد تحاول "أوبك" خلال المرحلة المقبلة إقناع الروس بهذا الحل باعتباره حل وسط، ومن المتوقع أن تستجيب روسيا ليس فقط للحفاظ على علاقاتها مع المنظمة، لكن أيضا للحفاظ على علاقاتها الأوسع مع السعودية تحديدا على الصعيد الاقتصادي.

وفي حال لم تستجب روسيا فباقي الدول من خارج المنظمة على الأرجح أنهم سيرحبون بخفض إضافي بمقدار 500 ألف برميل يوميا فقط، وقد تتدخل السعودية كما ساهمت من قبل بخفض تطوعي لدعم الأسعار، مع التزام دول "أوبك" بخفض إضافي أقل بقليل من المقترح "1.5 مليون برميل يوميا" بالإضافة إلى تمديد التخفيضات السابقة.

وأسوأ سيناريو هو أن تخفق أوبك في التوصل إلى اتفاق قبل نهاية الشهر، ووقتها سيكون مسموح لجميع المنتجين من دخلها وخارجها بالإنتاج بدون سقف محدد، إذ من المقرر أن ينتهي العمل باتفاق خفض الإنتاج بحلول أول أبريل.

تخفيضات "أوبك" المقترحة كان من شأنها حماية الأسعار من تقلبات كبرى في ظل استمرار أزمة كورونا، وتوقع الخبراء هبوط النفط إلى 40 دولارا للبرميل، وبحسب تعليق بيورنار تونهاجن المحلل بـ"ريستاد إنرجي" لـ"رويترز"، يعتبر الرفض الروسي تطورا لم يكن في الحسبان، وسيوجد واحدة من أكبر الأزمات في تاريخ أسعار النفط.



اضف تعليق