إيران تجر القوات الأمريكية في العراق إلى مستنقع الانتقام والمطالبة بالخروج


١٦ مارس ٢٠٢٠

رؤية

من الواضح أنّ الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في ردع الميليشيات الموالية لإيران عن قتل الأمريكيين، وأن طهران تسعى لزيادة الضغط على القوات الأمريكية في العراق بما يدفعها للخروج من هناك. وكذلك زيادة سوء الوضع الأمريكي عبر زيادة الضغط من المسئولين والنواب العراقيين بالمطالبة بخروج القوات الأمريكية.

فإيران تريد جذب القوات الأمريكية إلى حافة الهاوية باسم الانتقام لمقتل قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، ومن ثم تنتقم القوات الأمريكية للهجمات التي تتعرض لها من المليشيات الموالية لإيران. وبعد إثارة الفوضى بين إيران والولايات المتحدة يطالب العراق بخروج القوات الأمريكية.

الهجوم على معسكر التاجي

في الساعات المبكرة من يوم الثالث عشر من آذار/ مارس، شنت الطائرات الأمريكية والبريطانية عدّة ضربات جوّية على مواقع تخزين الصواريخ التابعة للجماعة الميليشياوية العراقية "كتائب حزب الله" الموالية لإيران، والتي تعرّضت أيضاً لضربات جوّية لم يتبنّاها أي طرف في سوريا في اليوم السابق.

وحتى يوم الأربعاء، عندما قتلَ هجومٌ صاروخيٌّ جنديَين أمريكيَين وجنديًا بريطانيًا على قاعدة مترامية الأطراف شمال بغداد، لم يكن هناك الكثير من الضجيج من جانب طهران منذ انتقامها في أوائل كانون الثاني/ يناير في أعقاب قيام القوات الأمريكية بقتل قاسم سليماني.

إلّا أن ذلك الواقع قد تغيّر بعد هجوم الثالث عشر من آذار/ مارس، الذي استهدف معسكر التاجي، الذي تمّ التخطيط له بدقّة بالغة، ومن الواضح أنه لم يكن عملاً نفّذته البقايا المتداعية لتنظيم "الدولة الإسلامية". فقد اقتربت شاحنة تحمل صفين من أنابيب إطلاق الصواريخ مثبتة بشكلٍ مخفي على المساحة المسطّحة للشاحنة من القاعدة من دون كشفها وأطلقت الصواريخ في رشقة واحدة مفاجئة.

وفي اليوم التالي، أشادت "كتائب حزب الله" - الميليشيا الشيعية العراقية الأقرب إلى إيران - بالهجوم كأحد أعمال “المقاومة” الموالية للجمهورية الإسلامية ضد "الاحتلال" الأمريكي، مما يشكّل علامةً مؤكدة على أن الميليشيات الموالية لإيران كانت وراء الضربة والنسخة الميليشياوية الشيعية من "التفاخر المتواضع".

وردت على إثر هجوم التاجي القوات الأميركية بقصف مواقع لحزب الله العراقي في كل من جرف الصخر والمسيّب والنجف والإسكندرية، مما أسفر عن مقتل ستة عراقيين، بينهم عناصر شرطة.

وبحلول تلك المرحلة، كان الطيران الأمريكي أو الإسرائيلي قد قام بالرد على "كتائب حزب الله" والميليشيات الشيعية الأخرى بعمليات قصف، وإن كان ذلك مجرد عبر الحدود في سوريا في وقتٍ متأخّر من يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل حوالي أربعة وعشرين مقاتلاً وإصابة عددٍ أكبر بكثير.

وذكّرت الضربات، والجولة اللاحقة من الصواريخ التي أُطلقت في وقتٍ مبكرٍ جدّاً من صباح يوم الجمعة، بالهجمات الانتقامية الأمريكية في أواخر كانون الأول/ ديسمبر على "كتائب حزب الله" بعد أن تسببت الجماعة الميليشياوية بحالة الموت الأمريكية الأخيرة في العراق في هجومٍ صاروخي في 27 كانون الأول/ ديسمبر.

يشار إلى أن نحو خمسة آلاف جندي أميركي ينتشرون في قواعد عسكرية بمختلف أرجاء العراق، من بينها قاعدة التاجي.

هجوم ثان

أعلن التحالف الدولي السبت الماضي، عن إصابة ثلاثة من قواته في هجوم جديد استهدف اليوم قاعدة التاجي، التي تضم قوات تابعة له ووحدات للدفاع الجوي العراقي، شمال العاصمة العراقية بغداد.

وكانت قيادة العمليات المشتركة في العراق أعلنت عن سقوط 33 صاروخا من نوع كاتيوشا على القاعدة، مما أسفر عن جرح عدد من منتسبي أفراد الدفاع الجوي.

ووصفت القيادة في بيان لها الهجوم بأنه "عدوان غاشم"، وأكدت أنها ستتخذ كل الإجراءات لملاحقة منفذيه وإلقاء القبض عليهم.

كما شددت على أن أي رد فعل من الجانب الأميركي سيكون بمثابة تغذية لهجمات مماثلة وسيضعف قدرة الدولة العراقية، مما يستوجب المسارعة في تطبيق قرار البرلمان بإخراج القوات الأجنبية من البلاد.
 
من جانب آخر، أعلنت الخارجية العراقية استدعاء السفير الأميركيِ لدى بغداد وتسليمه مذكرة احتجاج.

كما عبرت في بيان عن رفضها وإدانتها لقصف مقار للجيش والشرطة والحشد الشعبي الذي أقدمت عليه القوات الأميركية ليل الخميس واعتبرته انتهاكا لسيادة العراق.

وقررت في وقت سابق رفع شكوى ضد الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن وأخرى إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، متهمة واشنطن بأنها مسؤولة عن قصف مقار حكومية أمنية ومدنية.

كما أكدت أن القصف الأميركي يُقوض جهود مكافحة الإرهاب ويُخل بالاتفاق بين العراق والتحالف الدولي.

في المقابل، أعلنت الخارجية الإيرانية أنها استدعت السفير السويسري راعي المصالح الأميركية وأبلغته أن سياسات واشنطن في العراق خاطئة كليا، وأنها ترفع حدة التوتر بشكل كبير، بحسب تعبيرها.

رؤية إيرانية

خصصت صحيفة "جوان" التابعة للحرس الثوري أول تقرير لها عن هجمات الجماعات العراقية على قاعدة التاجي الأميركية، وكتبت أن الوجود الأميركي أكثر فتكًا من كورونا.

ورحبت "جوان" بالهجوم على القاعدة الأميركية، ووصفته بأنه ضربة أخرى من جبهة المقاومة، أما الآن بعد أنباء عن إرسال الفرقة 101 المحمولة جوًا إلى العراق، فقد شككت بأن الهجوم على قاعدة التاجي الأميركية بفعل قوات الحشد الشعبي، ولكنه مجرد اتهام له.

ونقلت صحيفة الحرس الثوري تحليلات بعض الخبراء الأميركيين بأن تنفيذ هذه الهجمات جاء بهدف تبرير الهجمات على مقرات الحشد الشعبي، بينما أضافت في الوقت نفسه تصريحات جماعات المقاومة العراقية بأنه يجب على الولايات المتحدة أن تغادر وإلا ستشهد تصرفًا آخر.

كما نقلت الصحيفة عن النائب العراقي، منصور البعيجي، قوله إن استمرار وجود الحكومة الأميركية على الأراضي العراقية أكثر خطورة من فيروس كورونا.

زيادة الضغط الإيراني

يقول مايكل نايتس الخبير الأمريكي في الشأن العراقي، في تقرير له نشره معهد واشنطن: قد لا تشكّل الضربات التي شُنّت يوم الجمعة خاتمة الجولة الجديدة من العين بالعين والتي من المحتمل أن تثير صراعاً أوسع نطاقاً. وتلجأ إيران إلى التصعيد عبر ميليشياتها العراقية لأنها تريد زيادة الضغط لطرد القوات الأمريكية من العراق وتهديد القادة العراقيين قبل عملية الاختيار التي ستجري في الأسبوع الثالث من آذار/مارس لاستبدال رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي.

وكما قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر يوم الخميس: “لن يُسمح لكم بإطلاق النار على قواعدنا وقتل الأمريكيين وجرحهم من دون أن تلقوا عقابكم”. لكن كيف يمكن تثبيت قوة الردع بسرعة لإنهاء جولة الهجمات ومنع إلحاق المزيد من الخسائر في الأرواح الأمريكية؟

وما يزيد الأمور تعقيداً هو أنّ الميليشيات المدعومة من إيران مثل "كتائب حزب الله" تسعى إلى الضغط لإخراج التحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة من العراق بأي وسيلة ضرورية، وبِصرف النظر عن مساهمة التحالف في النضال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. وقد سعت الميليشيات مثل "كتائب حزب الله" إلى التخلص من القوات الدولية قبل وقتٍ طويلٍ من قتلها أحد العناصر الأمريكية في 27 كانون الأول/ ديسمبر، قبل أن تتلقّى بنفسها ضربةً في 29 كانون الأول/ ديسمبر، وقبل قيام الولايات المتحدة بقتل اثنَين من أربابها، هما اللواء الإيراني قاسم سليماني وزعيم إحدى الميليشيات العراقية أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني/ يناير في غارة بطائرة بدون طيّار في بغداد.

ما الذي تريده الميليشيات الإيرانية

تُضاعِف الميليشيات حالياً جهودها، التي تشمل إصدار تحذيرات للمسؤولين والجنود العراقيين لإبعاد أنفسهم عن التحالف (وهو ما لم يفعلوه). ففي الأشهر الأخيرة، هدّدت "كتائب حزب الله" نواب عراقيين بأن عليهم التصويت من أجل إخراج القوات الأمريكية (وقد قاوم عددٌ كافٍ منهم هذا النداء لمنع اكتمال النصاب القانوني أثناء عملية التصويت)، وهدّدت الرئيس العراقي برهم صالح إذا ما التقى بالرئيس دونالد ترامب في "المنتدى الاقتصادي العالمي" (لكنه التقى بترامب على أي حال).

وتُصدر "كتائب حزب الله" حالياً أيضاً تصريحات تعترض فيها على بعض المرشّحين لمنصب رئيس الوزراء الجديد الذي سيتم تعيينه قريباً في العراق، وتقترح هي نفسها المرشح الذي يجب اختياره (رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي)، وتُشير صراحةً إلى كيفية وجوب اتخاذ كبار القادة الدينيين في البلاد الحكم في الأمر. ويشكّل كل ذلك أرضيةً غير مسبوقة في العراق، لا سيّما الانفتاح الذي تتّسم به التهديدات، على غرار الانتخابات الأخيرة في إيران حيث منع النظام ترشيح أكثر من 7000 شخص للبرلمان وألغى صلاحية ثلث النواب السابقين في سعيهم لإعادة انتخابهم.


اضف تعليق