كيف نجحت ألمانيا في الحد من وفيات فيروس كورونا ؟


٣٠ مارس ٢٠٢٠

كتب ـ جاسم محمد

تواجه ألمانيا، إلى جانب دول أوروبا والعالم "كارثة" فيروس كورونا المستجد، ورغم ما تبذله هذه الحكومات من جهود، فإن الإجراءات التي اعتمدتها ألمانيا ودول أوروبا والغرب كانت متأخرة وكذلك ضعيفة، الآن هناك جهود حثيثة في محاربة، كورونا، ربما تظهر نتائجها أفضل في الحد من الإصابات والوفيات في الأسابيع المقبلة، هذا لو تحدثنا عن الحالة الألمانية.

أظهرت بيانات لمعهد روبرت كوخ للأمراض المعدية يوم 29 مارس 2020، أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في ألمانيا ارتفع إلى 52547 وأن 389 شخصًا توفوا جراء الإصابة بالمرض. وأوضحت البيانات أن حالات الإصابة ارتفعت بواقع 3965 حالة مقارنة باليوم السابق في حين قفز عدد الوفيات بواقع 64 حالة.

لم تنجح رسالة المستشارة الألمانية ميركل في طمأنة المواطن الألماني، بسبب تفشي فيروس كورونا في ألمانيا والعالم، إلى حد أن يكون أكبر بكثير من قدرة الحكومات الأوروبية.

كلمة ميركل منتصف مارس الجاري 2020، التي ذكّرت فيها بأن أكثر من 60% من الشعب الألماني سوف يصابون بفيروس كورونا، تتناقض مع كلمتها الاخيرة.

المواطن في ألمانيا وكذلك في دول أوروبا، يشعر بالهلع، بسب عجز قدرة المختبرات من إيجاد لقاح ولو مؤقت للحد من ارتفاع الإصابات، ما عدا ذلك طلب الحكومة الألمانية من المصابين اعتماد الحجر الذاتي والبقاء في بيوتهم، أفضل من مراجعة المراكز الصحية، كون ذلك يمثل"ضغطًا" على تلك المؤسسسات من وجهة نظر الحكومة، أفقد المواطن بقدرات الحكومة بتوفير الرعاية الطبية اللازمة.

الحكومة الألمانية من جانبها تعمل ما بوسعها، هناك تحسن بطيء في الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، ربما هي غير صارمة، لكن ممكن أن تكون أكثر شدة مستقبلًا. لم تأت نتائج في الوقت الحاضر لكن ممكن خلال الأيام العشرة القادمة أو أسبوعين تظهر نتائج أفضل.

اتخذت ألمانيا جملة إجراءات لتقليل كارثة وباء كورونا وهي:

ـ مشاركة الجيش الألماني: إن مشاركة الجيش، كانت خطوة إيجابية استثمرتها ألمانيا بطريقة مختلفة وغير تقليدية، أي عدم عسكرة الشارع، بل بتعزيز الدعم اللوجستي للمؤسسات الطبية مثل نقل المصابين وبناء المستشفيات الميدانية وربما الفحص السريع، إلى جانب مشاركة الأطباء من داخل الجيش. وأن كل طلب مساعدة من الهيئات المدنية يتم تحويله والبت فيه عن طريق مراكز القيادة المحلية إلى قيادة المهام الإقليمية للجيش في العاصمة برلين.

ـ إعلان التعبئة: استدعت ألمانيا المتقاعدين من الأطباء والممرضين، وكذلك زجت بطلبة الطب والتمريض بالعمل، إلى جانب دعوة احتياط الجيش الذي يصل تعداده إلى 70 ألف شخص، التقارير كشفت عن تكليف ( 15 ألف) جندي في الأعمال اللوجستية لدعم المؤسسات الصحية.

ـ إغلاق الحدود البرية: أغلقت الحدود البرية مع الدول الأوروبية المجاورة، من بينها فرنسا وسويسرا وبولندا وجمهورية التشيك والدنمارك، ولم يُسمح بعبور إلا الشاحنات التي تنقل السلع والمواد الأساسية إلى جانب المواطنين الألمان أو الأشخاص المقيمين الدائمين في البلاد.

ـ ضخ الأموال: كانت ألمانيا سباقة، في وضع خطة طوارئ عاجلة لمواجهة تداعيات كورونا الاقتصادية، بوضع "ترليون يورو" لتعويض الشركات وفاقدي العمل، ودعم المؤسسات الطبية والتحليللات في المختبرات لمواجهة كورونا أو البحث عن لقاح من خلال معهد"كوخ" للأبحاث والتحليلات المختبرية الطبية.

ـ استخدام نظام  GPS: الجدل بشأن استخدام تقنية الهاتف للمحمول للوصول إلى المصابين طرح موضوعًا جوهريًا مثل حماية البيانات .. المفوض الفيدرالي للخصوصية أولريش كيلبر، قال يوم 27 مارس 2020 إنه في أزمة مثل كورونا لا معنى للحديث عن حق حماية البيانات، وأنه يجب الكشف عن بيانات الهاتف الخلوي للشخص المصاب.

التقديرات تقول إن ألمانيا على الأغلب توافق على اعتماد نظام التتبع عبر الهاتف الذكي، اليوم هناك أولوية لمواجهة كورونا أكثر من اعتماد الخصوصية للأفراد.

ـ الرعاية الصحية: تعتبر الرعاية الصحية في ألمانيا متقدمة مقارنة بدول أوروبا، يحصل المواطن على الرعاية والفحوصات الوقائية، قبل وباء كورونا، وهذا يعني أنه يتمتع بصحة أفضل.

ـ مراكز الطوارئ وأسرة الإنعاش: الحكومة الألمانية تمتلك مراكز  طوارئ أوسع في دول أوروبا منها الإنعاش تصل إلى أكثر من 20 ألف مركز، بينما باقي دول أوروبا معدل ما تملكه خمسة آلاف مركز.

ـ توفير قدرات مختبرية: إن توفير قدرات مختبرية ومعدات حماية طبية مثل الأقنعة والمعاطف بالإضافة إلى دعم الأطقم الطبية المتخصصة".

ـ  نقاط دعم لوجستي: الجيش الألماني عمل أربع نقاط دعم لوجستي على عموم ألمانيا لنقل المصابين ودعم الجهود في محاربة كورونا.


ألمانيا تستقبل مرضى من إيطاليا وفرنسا لغرض العلاج

استقبلت ألمانيا مصابين بفيروس كورونا من كل من إيطاليا وفرنسا لعلاجهم في مشافيها". هذه الخطوة وإن جاءت متأخرة لكنها تبعث رسالة تعاضد من ألمانيا إلى إيطاليا وفرنسا. نجح سلاح الطيران الألماني بنقل بضعة من المصابين في إيطاليا وفرنسا لغرض معالجتهم في مستشفياتها.

وهنا تجدر الإشارة إلى نموذج دولة الإمارات في محاربة كورونا والتعاضد داخل دول مجلس التعاون الخليجي، فقد أظهر أنموذج مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تعاضدا بين أعضائه خلال أزمة كورونا،وأسهمت بنقل مصابين مواطنين خليجيين من الصين وإعادتهم إلى دولة الإمارات وتقديم الرعاية الصحية.

هل تنجح ميركل بإدارة أزمة كورنا؟

نجحت ألمانيا وبقيادة ميركل بإدارة أزمات أوروبية سابقة، منها الأزمة المالية عام 2008، أزمة اليونان، أزمة اللاجئين 2015، أزمة بريكست، فهل نجحت في مواجهة فيروس كورونا؟

إن المستشارة ميركل عام 2020 هي غير ميركل عام 2008، الآن خسرت الكثير من شعبيتها، وضعفت كثيرًا وهذا أيضا انعكس على الحكومة الألمانية الحالية، الائتلاف الحاكم، والذي يعتبر ائتلافًا هشًا، خطر كورونا، جاء مفاجأة أو ربما لم تكن هناك تحضيرات. خطر كورونا متعدد، أوسع من أزمة 2008 الاقتصادية، لتنعكس على ثقافات شعوب أوروبا ومستقبلها.

نجت ألمانيا نسبيًا في محاربة كورونا التي عصفت بإيطاليا وفرنسا وإسبانيا لكن هذا لا يعني أن تنفرد بقيادة أوروبا ما بعد كورونا أبدا.

فألمانيا لا يمكن أبدا أن تلعب دور القيادة، دوليا أو أوروبيا، وربما هذا يتعلق بعدم وجود رغبة عند الطبقة السياسية، لذلك التقديرات تقول إن ألمانيا، لا يمكن أن تقود أوروبا بدون فرنسا لتمثل المحور الأوروبي الفرنسي.

يبدو أن أزمة فيروس كورنا، من شأنها أن تضع المستشارة الألمانية على المحك في إدارة الأزمة، الاستطلاعات الأخيرة تشير أكثر من 50% من الشعب الألماني يرى أن الإجراءات التي تتخذها الحكومة هي في الاتجاه الصحيح. من المتوقع أن تكون هناك نتائج إيجابية في الحد من الإصابات والوفيات في ألمانيا في غضون الأسبوعين القادمين، أي بعد أن تظهر نتائج الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الألمانية. وإن صح ذلك، فمن المتوقع أن يرفع سقف شعبية ميركل من جديد.


اضف تعليق