وسط رياح كورونا.. كيف استفادت المافيا الإيطالية من الأزمة؟


١٥ أبريل ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

في إيطاليا التي سجلت أكثر من 162 ألف إصابة بفيروس كورونا المستجد وتجاوزت فيها الوفيات سقف الـ21 ألف حالة، وتعطل فيها الاقتصاد بفعل إجراءات مواجهة الجائحة، وجد الفقراء حليفا لم يكن في الحسبان، مد يد العون لهم بسخاء غير مسبوق لكن ما الثمن؟

خلال الأيام القليلة الماضية، قامت عصابات المافيا الإيطالية الشهيرة بتوزيع مساعدات غذائية على سكان الأحياء الأكثر فقرا، كما قامت بمساعدة الشركات المتعثرة سواء عبر تقديم قروض ميسرة لها أو التدخل لرفع فوائد القروض عنها.

هبات المافيا ليست بلا مقابل
لمواجهة جائحة كورونا، أغلقت الحكومة الإيطالية كافة الأنشطة الاقتصادية تقريبا منذ أكثر من شهر، وكانت الفئة الأكثر تضررا فئة العمال الموسمين وعمال المطاعم والمقاهي، وهم يقدرون بالملايين، فوفق المكتب الإحصائي الأوروبي يعيش في إيطاليا أكثر من 18 مليون شخص من أصحاب الدخل المنخفض للغاية أو بدون وظيفة ثابتة.

فيما يقدر عدد العائلات الإيطالية التي تعيش في فقر شديد بأكثر من 1.7 مليون عائلة، أي أكثر من 5 ملايين فرد، أمام هذا  العدد تقف الحكومة شبه عاجزة عن تأمين هذه العائلات ضد الأثر الاقتصادي للجائحة، لذا شهدت مناطق مثل جزيرة صقلية احتجاجات ضد الحكومة بسبب المماطلة في صرف المساعدات العاجلة، فيما تزاحم سكان مدينة باري على البنوك المحلية طلبا لقروض صغيرة للغاية لا تتجاوز الـ100 يورو.

وسط هذه الأزمة، نشطت بالمناطق الجنوبية مثل كامبانيا وصقلية وكالابريا عصابات المافيا وقامت بتوزيع مساعدات غذائية على الأسر الفقيرة المقدر عددها بأكثر من مليون أسرة.

وقال روبرتو سافيانو -وهو أحد أكبر المناهضين للمافيا الإيطالية، في تصريحات نقلتها "ديلي ميل"- إن المافيا تقوم بتوزيع السلع الأساسية على فقراء الإيطاليين، لضمان تقديمهم لخدمات مستقبلية بمجرد انتهاء أزمة "كورونا"، مشيرا إلى أن المافيا تعمل على مساعدة الشركات المتعثرة مقابل خدمات مقدمة أو ستقدم لاحقا.

وذكر أن المافيا تقوم بتوقيع عقود مقابل هذه الخدمات أو الأموال، والتي ستضع المواطنين وجها لوجه أمام المافيا مستقبلا.

كانت وزيرة الداخلية لوتشانا لامورجيزي حذرت في بداية الأزمة من احتمالات استغلال المافيا لهذه الظروف، وقالت: يمكن للمافيا الاستفادة من الفقر المتزايد بسبب كورونا، والانقضاض لتجنيد الناس للعمل لحسابها مستقبلا.

وخلال الأيام القليلة الماضية، كثفت "الداخلية" من دورياتها في الأحياء الفقيرة بالمناطق الجنوبية، للقبض على عناصر المافيا أثناء توزيع المساعدات الغذائية، واستجوابهم.

من المعروف أن المافيا في إيطاليا تتمتع بنفوذ واسع ولديها شركات تعمل لحسابها، كما أنها تدعم رجال أعمال وسياسيين في مناطق نفوذها، لكن دائما هناك مقابل لهذا الدعم، يتم تسديده بشكل أو بآخر، وبالنسبة للفقراء الذين قامت وتقوم حاليا بمساعدتهم، فهي لا تتصدق عليهم بلا مقابل، بل ستتطلب مقابل ذلك خدمات مثل الانخراط في أنشطتها المتعلقة بتجارة المخدرات أو تهريب السلاح أو ما شابه ذلك.

المافيا وغريزة الحكم والسيطرة
فيديريكو فاريزي، أستاذ علم الجريمة في جامعة أكسفورد، أوضح -في تصريحات لـ"الجارديان"- أن المافيا ليست مجرد منظمات إجرامية عادية، إنما هي منظمات تتطلع إلى بسط سيطرتها على الحياة السياسية والأسواق وحياة الناس عموما، مؤكدا أن قوة المافيا في إيطاليا مصدرها تمتعها بقاعدة محلية تعمل من خلالها.

تعد المافيا الصقلية هي الأشهر بين عصابات المافيا الإيطالية، وتعرف باسم "كوزا نوسترا" الذي يعني "ملكنا"، ويعود تاريخ ظهورها إلى منتصف القرن التاسع عشر، وهي عبارة عن تحالف بين عصابات إجرامية، وقديما تمكنت من بسط سيطرتها على أجهزة القضاء والعدالة بإيطاليا، وحتى يومنا هذا لديها فروع تنشط في دول آخرى كالولايات المتحدة، ولها وجود في صقلية وتظهر بقوة في النزاعات التجارية، وتشتهر بجمع الأتاوات "البيزو" مقابل الحماية.

أما في نابولي، فتنشط مافيا كامورا التي تشتهر بتجارة المخدرات، وبجمع الأتاوات من الشركات والمتاجر، ويقدر عدد عناصرها بنحو 4 آلاف شخص، ولديها نشاط في إسبانيا وعدد من الدول الأوروبية.

 وفي كلابريا تنشط المافيا المعروفة باسم "ندرانغيتا" والذي يعني "الولاء والشجاعة"، وهي فرع من مافيا صقلية، ويقدر عدد عناصرها بنحو 6 آلاف شخص، وهي تسيطر على 80% من تجارة الكوكايين في العالم، ولديها صلات بعصابات شهيرة في المكسيك وكولومبيا.

وفي إيطاليا تعد المافيا المسؤول الأول عن جرائم القتل على مستوى البلاد، فبحسب دراسة للمعهد الوطني للإحصاء، خلال الفترة من 1983 إلى 2018، تم اكتشاف 6681 جريمة قتل تُعزى إلى منظمات المافيا،  ونحو 95% من جرائم القتل "المافيوية" تركزت في مقاطعات كامبانيا، صقلية، كالابريا وپوليا، ذات الجذور التاريخية المرتبطة بأسر مافيا كامورّا، وكوزا نوسترا، ندرانغيتا وساكرا كورونا يونيتا.

بسبب إغلاقات كورونا تراجع معدل الجريمة في إيطاليا، فخلال الفترة من  الأول من مارس إلى 22 مارس، وقعت 53 ألف جريمة فقط، بتراجع على أساس سنوي بنسبة 64%، وبالنسبة لجرائم القتل فتراجعت بنسبة 65% والمخدرات بنسبة 46%.

لكن بعد انتهاء إغلاق كورونا وإعادة فتح الاقتصاد، من المتوقع أن ترتفع معدلات الجريمة وتعود المافيا لمزاولة نشاطها بقوة معتمدة على دماء جديدة، حيث ستطالب الفقراء بتسديد ثمن ما حصلوا عليه من مساعدات وقروض على هيئة خدمات وإثبات ولائهم الخالص لها وإلا سيواجهون الموت أو المطاردة مدى الحياة.



اضف تعليق