بعد "الإثنين الدامي".. هل من رابح في سوق النفط؟


٢٢ أبريل ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

صباح اليوم الأربعاء، واصلت أسعار النفط الاتجاه الهبوطي، ليتراجع خام برنت لأقل مستوى منذ 1999، وليقلص النفط الأمريكي جانبًا من خسائر "الإثنين الدامي"، وسط استمرار ضغوط انهيار الطلب العالمي، بفعل جائحة كورونا.

بحلول الساعة 04:32 بتوقيت جرينتش، جرى تداول خام القياس العالمي "برنت" بانخفاض 2.70 دولار أو 14 %، متراجعًا إلى 16.63 دولار للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط "الأمريكي" 68 سنتًا ما يعادل 6%، إلى 10.89 دولارات للبرميل.

انهيار دراماتيكي
بالأمس هبط برنت بنحو 24%، وخام غرب تكساس بنسبة 43 %، لكن الهبوط العظيم، كان بنهاية تعاملات الإثنين الماضي، عندما سجلت عقود النفط الأمريكي "خام تكساس" لشهر مايو قيمة سالبة، للمرة الأولى في التاريخ.

عاش المستثمرون في أسواق النفط ساعات قاسية خلال تعاملات الإثنين 20 أبريل، وهم يتابعون حركة المؤشرات وهبوطها الدرامي تحديدا مؤشرات النفط الأمريكي الذي تراجع بأكبر نسبة على الإطلاق، وهوت عقوده لأقرب استحقاق "مايو" بنسبة 306%، ليسجل البرميل سعر  سالب 37.63 دولار، بنهاية التعاملات، فيما هوت عقود يونيو بنسبة 8.7% إلى 2.18 دولار، أما عقود برنت فهوت بنسبة 9.2%، لتغلق عند 25.43 دولار للبرميل.

تقول "بلومبرج": للمرة الأولى في التاريخ، شهدنا البائع يدفع للمشتري اليوم، فمع انهيار الأسعار إلى ما دون الصفر، اضطر بائعو النفط الأمريكي إلى الدفع للمشترين لوقف الانهيار وبيع ما يملكون، بعد أن نفذت مساحات التخزين لديهم.

تسببت قيود السفر والإجراءات الاحترازية التي اضطرت دول العالم منذ بداية العام في الإعلان عنها وتطبيقها تدريجيا لمواجهة خطر انتشار الفيروس التاجي، وصولا للإغلاقات الشاملة مع مطلع مارس، في تباطؤ الطلب على النفط بصورة قاسية، إذ تراجع بنحو 70% منذ بداية 2020، ما دفع النفط عمومًا سواء خام برنت – الذي يتكون من نحو 13 نوعا نفطيا تنتج معظمها بلدان "أوبك"- لخسارة نحو 80% من قيمته.

وعزت "بلومبرج" انهيار خام تكساس بصورة رئيسية إلى اقتراب مستودعات النفط الأمريكية من الامتلاء، حيث قفزت مخزونات الخام في "كوشينغ" مركز التخزين الرئيسي ونقطة التسليم لعقد غرب تكساس الوسيط، منذ نهاية فبراير الماضي بنسبة 48 ٪ إلى  55 مليون برميل، فيما تبلغ طاقة التخزين في المركز 76 مليونا حتى 30 سبتمبر.

وقالت في تقرير لها: هذا الهبوط التاريخي يظهر إلى أي حد وصلت تخمة المعروض في سوق النفط الأمريكية، وسط توقف النشاط الصناعي والاقتصادي عالميا بفعل كورونا، كما أنه يؤكد أن إعلان "أوبك بلس" قبل أسبوع عن اتفاق تاريخي لخفض الإنتاج بنحو 9.7 مليون برميل يوميا اعتبارا من مايو، لم يكن كافيا لمواجهة انهيار الطلب العالمي.

يرى مايكل تران، الخبير في أسواق الطاقة والمدير في "RBC Capital "Markets"، أن السوق ستواصل الحركة داخل المنحى الهبوطي في المدى القريب، مضيفا أن شركات التكرير ترفض استلام المزيد من براميل النفط من جهة، والصهاريج الأمريكية توشك على الامتلاء، فلا شيء يمنع السوق من الانهيار إلا انتهاء الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها في دول العالم.

الخاسرون والرابحون من الأزمة 
السوق باتت رهينة لجائحة كورونا، والخاسرون فيها يحبسون أنفاسهم مع كل ساعة تضاف لساعات الحظر والحجر المنزلي حول العالم.

تعد شركات النفط الصخري أكبر الخاسرين، فهي لا تستطيع بأي شكل من الأشكال التأقلم مع أسعار عند مستويات الـ10 أو 11 دولار للبرميل، فتكلفة إنتاج البرميل الواحد من النفط الصخري تصل إلى قرابة 48 دولارا، لذا هناك توقعات بخروج نحو 500 شركة من السوق.

هذه الشركات لكي تستمر على قيد الحياة في حاجة ماسة لدعم حكومي، بعد أن باتت البنوك ترفض إقراضها وسط ضبابية أزمة كورونا، والأهم أن معظمها مثقل بالديون فعليا.

الرئيس دونالد ترامب أعلن أمس، أنه وجه الحكومة بوضع خطة عاجلة لدعم قطاع الطاقة الأمريكي، وتأمين استمرار الشركات بالسوق لأطول وقت ممكن، فمن المعروف أنه منذ وصول ترامب للرئاسة عمل على دعم شركات النفط لأبعد الحدود، إلى أن أصبحت بلاده اليوم أكبر منتج للنفط بالعالم، كما أن الملف الاقتصادي يعد ورقته الرابحة التي يراهن عليها في الوصول إلى الولاية الثانية.

شركات الطاقة في العموم تواجه توقعات بخسائر قياسية خلال 2020، وأسهم هذه الشركات تراجعت منذ بداية العام بقوة وما زالت نتيجة أزمة الطلب العالمي، ولمواجهة الجائحة أعلن بعضها عن تخفيضات في النفقات وتكاليف التشغيل، كـ"إكسون موبيل"، و"بي بي"، و"توتال"، وذلك بعد أن سجلت خسائر قوية خلال الربع الأول. 

دول أوبك أو الدول المنتجة للنفط بشكل عام، ستكون أيضًا من بين الخاسرين، إذ يعتمد اقتصادها بشكل كبير على مردودات النفط، لكن الأمر في النهاية يتعلق بحجم الدولة واحتياطاتها المالية، فالدول الكبرى مثل السعودية التي تتمتع باحتياطي نقدي مرتفع وتكلفة إنتاج -للنفط - منخفضة ستكون أكثر تكيفًا مع الأزمة إلى حد كبير، أما دول مثل إيران وفنزويلا وروسيا، فستكون الأكثر عرضة للخسارة، فهي دول نفطية بالمقام الأول، وسعر في حدود الـ 20 دولارا للبرميل لا يخدمها في ظل وقوعها تحت طائلة عقوبات دولية، تحد من قدرتها على المناورة.

الرابحون من الأزمة، يمكن تقسيمهم إلى رابحين على المدى القصير ورابحين على المدى البعيد، وكلا الفرقين ربحيته رهينة بآمد استمرار جائحة كورونا.

بالنسبة للفريق الأول، ستكون شركات تخزين النفط والناقلات -التي يتم فيها أيضًا التخزين حاليًا - هي المستفيد الأكبر من انهيار الأسعار وتراجع الطلب وسط استمرار إغلاقات كورونا، فمنذ بداية العام تضاعف الطلب على خدمات هذه الشركات بنحو 500% بحسب "سي إن بي سي"، وسجلت أسهمها ارتفاعات قياسية بلغت 50% في بعض الأحيان، كشركة "تي إتش دي هولدنج" و"فرونت لاين".

على المدى البعيد الدول المستوردة للنفط، ستكون بين الرابحين من الأزمة، وهنا تعد الصين الأكبر استفادة، إذ تستحوذ على نحو 10% من إجمالي الطلب العالمي على النفط، فقبل جائحة كورونا كانت تستورد يوميا نحو 10 ملايين برميل، وبالتالي كان من الطبيعي أن ترفع طاقتها التخزينية خلال الأشهر القليلة الماضية وتلجأ إلى شراء كميات ضخمة من النفط لتخزينها والاستفادة منها لاحقًا مع عودة الحياة إلى طبيعتها، تشير التقديرات بحسب "سي إن بي سي عربية" إلى أن تراجع في أسعار البرميل بمقدار 25 دولارا يؤدي إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة 0.9% أي تقريبا 1%، وهذا يجعلها أكبر رابح من انهيار النفط.

المصانع والشركات المستهلكة للطاقة هي أيضًا ستستفيد بشراء كميات وفيرة من النفط بأسعار زهيدة للاستفادة منها آجلا بمجرد عودة عجلة الإنتاج وسلاسل التوريد إلى العمل بصورة طبيعية، ما سيجعل تكلفة الإنتاج بالنسبة لهذه المصانع أقل مما كانت عليه قبل الجائحة، وبالتالي من المتوقع أن تحقق ربحية مرتفعة في مرحلة ما بعد كورونا.

بعض دول منظمة "أوبك" ستستفيد من أزمة النفط الصخري، التي بدأت تضغط على الشركات الأمريكية المنافسة لتقليل إنتاجها وربما تصل إلى التوقف نهائيًا عن الإنتاج أو الخروج من السوق كما قلنا، وكل خروج أو توقف لحفار نفط أمريكي يصب في صالح دول أوبك بصورة غير مباشرة، إذ يعزز فرصتها في الاستحواذ على المزيد من الحصص السوقية التي فقدتها خلال السنوات الماضية نتيجة دورها الاستراتيجي في الحفاظ على استقرار الأسواق.



اضف تعليق