"هنا إسطنبول" بلسان عربي .. "قابلية الاستعمار" للعثمانيين الجدد


٢٣ أبريل ٢٠٢٠

رؤية - بنده يوسف

"من مدينة إسطنبول"، و"هنا إسطنبول"، و"معكم من إسطنبول"، عبارات بلسان عربي في خدمة مشروع العثمانيين الجدد، الذين يستهدفون السيطرة على العالم العربي بأيد جماعات الإسلام السياسي.

باتت مدينة إسطنبول العاصمة الفعلية للعثمانيين الجدد، استغلوها في جذب أنظار جماعات الإسلام السياسي في العالم الإسلامي؛ لتصبح هذه المدينة لهم بمثابة الكعبة السياسية التي يحجون إليها، وكذلك بمثابة المنبر الذي يطلقون منه سهامهم المسمومة تجاه حكومات وشعوب العالم الإسلامي.

وباسم فكرة الخلافة الخادعة تحولت العثمانية الجديدة إلى فكرة إمبريالية، تروج لشعارات أممية ووحدة إسلامية؛ الهدف منها في النهاية هو خدمة المستعمر العثماني الجديد. فمثلما فعلتها الاشتراكية من قبل، بأن دعت إلى أفكار أممية عابرة للأقطار تحت مفاهيم إنسانية وعالمية؛ في النهاية كان الهدف من هذه الأممية هو الهيمنة على مصير الشعوب لخدمة الأقطاب الاشتراكية الكبرى. وكذلك أيضًا تفعلها اليوم، الأممية الإسلامية بمفهومها تحت مظلة الخلافة الخادعة؛ فهي نداء كاذب يهدف إلى إخضاع الشعوب وإسقاط الحكومات الوطنية. وهو مخطط قديم أعدته الولايات المتحدة الأمريكية باسم "الحزام الأخضر" لاستخدام الإسلام السياسي لإسقاط الحكومات القومية باسم الثورة الدينية والحكومة الشرعية.

في خدمة العثمانيين الجدد

لقد تحولت تركيا، وبالأخص المدينة التاريخية إسطنبول، إلى معقل للإسلاميين من العالم العربي، منذ أن بدأت أحداث الربيع العربي، ومن لحظتها سعت تركيا إلى استثمار أحداث هذه الثورات بما يخدم مصالحها ونفوذها في ظل صعود حكومات الإسلاميين، الذين قدموا أنفسهم بديلًا للحكومات القومية العربية.

هرب الكثير من الإعلاميين المحسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، سيما من دول مثل مصر وسوريا، وفتحت لهم تركيا أستديوهاتها الإعلامية لتوجيه سهامهم المسمومة تجاه بلادهم؛ ليتحولوا بذلك إلى طابور خامس، يعمل تحت إشراف المخابرات التركية وبتمويل الأموال القطرية.

سعت تركيا إلى الاستفادة من هؤلاء الإسلاميين إلى أبعد من ذلك، وهو وضعهم في دائرة مخاطبة العالم العربي للترويج إلى العثمانيين الجدد؛ وبذلك ازداد سقف خيانة الإسلاميين العرب؛ ليتحولوا إلى "عرابين" للوالي العثماني الجديد. إذ إن القنوات العربية الموجهة باتت تستهدف أمن الشعوب العربية؛ وتروج للفتنة والحروب الأهلية.

لقد تحولت استديوهات إسطنبول إلى مركز عمليات لصياغة الغزو الثقافي والفكري التركي في محيط العالم العربي؛ باسم الإعلام العربي الحر والمعارض.

ووفق تقرير لصحيفة "يني شفق التركية"، وهي موالية للرئاسة التركية، هناك أكثر من 3 آلاف إعلامي عربي يعملون في العشرات من المواقع الإلكترونية والفضائيات والمحطات الإذاعية الموجهة باللغة العربية تجاه العالم العربي. وأبرزها قناة الشرق (مصر)، مكملين (مصر)، تلفزيون وطن (مصر)، جسر (سوريا)، بلقيس (اليمن)، الرافدين (العراق)، أحرار ليبيا (ليبيا)، نبأ (ليبيا). وتتبُع محتوى هذه القنوات يكشف أنها تُخدم على السياسة الخارجية التركية تجاه الدول التي تستهدفها هذه القنوات.

لقد سهلت استضافة تركيا للمعارضين، وكذلك المؤتمرات الدورية التي تعقدها لهم، من عمل هذه القنوات التي وجدت مادة ثرية تقدمها للمشاهد العربي، تخدعه بدغدغة مشاعره تارة حين تشاركه آلامه، وبإثارة عاطفته ومشاعره الدينية تارة أخرى؛ حين تحدثه عن دولة الإسلام ومفاخر أبطاله وعلمائه.

لعبة أكبر

لقد استفادت تركيا من المنصات العربية التي قدمتها إلى العالم العربي؛ لتصبح بذلك قِبلة للتجارة والسياحة العربية. ولكن الأخطر من ذلك، هو حركة الإحياء الفكري التي تمارسه هذه المنصات لإعادة تصور الحكم العثماني بأنه الجنة المفقودة، والمكانة والقوة التي أضاعها العرب. وخير شاهد على ذلك، هو مسلسل "أرطغرل" الذي صار وِردًا للإسلاميين كل ليلةٍ. وهو مسلسل مليء بأخطاء تاريخية، هدفت تركيا من صناعته إلى إعادة بعث الروح العثمانية، تحت مفاهيم خادعة كالجهاد وتوحيد المسلمين وتاريخ ماضيهم المشرق.

إن هذا التوجيه الإعلامي المُخطط له بدقة سيؤدي في النهاية إلى "قابلية الاستعمار"، مثلما فعلت شعوب تتوق إلى الهيمنة والحماية الأمريكية تحت خدعة الحريات والمفاهيم الليبرالية.

تخطط تركيا للوصول إلى هذا الهدف، في ظل ما اكتشفته من أهمية الشرق وأهمية ثرواته وأسواقه وقابليته للمحتل التركي. وفي ظل عجزها عن الوصول إلى ضفة العالم الغربي الذي يرفض انضمامها له.

إن التحذير من "القابلية للاستعمار"، لطالما صرخت جماعات الإسلام السياسي على منابرهم، للتنبيه والتحذير منه؛ خشية من موجات الانفتاح الغربي التي تهدد سلطاتهم وبنياتهم الاجتماعية. ولكن هذه المرة هم من يقومون بخدمة المستعمر الجديد باسم خدعة الأممية الإسلامية. بينما حقيقة الأمر، أن هذه الجماعات والأحزاب الإسلاموية السياسية تهدف إلى الصعود إلى سدة الحكم. وتستعين بمقدرات داعميها من الخارج مثل دولتي قطر وتركيا؛ لتحقيق هذا الهدف المشترك.


اضف تعليق