أزمة جديدة بلبنان.. رياض سلامة في مرمى نيران حزب الله


٢٦ أبريل ٢٠٢٠

كتبت - ولاء عدلان

في الوقت الذي يجتهد فيه العالم لمكافحة وباء كورونا المستجد والسيطرة عليه لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد العالمي ووقف نزيف الخسائر في أقرب أجل، تنفجر أزمة جديدة في لبنان الغارق في الديون إلى رأسه، لكن عنوانها وحده كفيل بأن يزيد ضبابية المشهد المالي والاقتصادي في هذا البلد المنقسم على نفسه، هذه المرة الأزمة عنوان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

 بعد نحو 25 عاما من إدارة البنك المركزي ولعب دورا رئيسيا في الحفاظ على استقرار الليرة، وجد سلامة نفسه في مرمى نيران رئيس الحكومة حسان دياب وحزب الله، التصعيد ضد الرجل أخذ أعنف منحى له الجمعة الماضية، عندما قال دياب: ثمة معضلة تتمثّل بغموض مريب في أداء حاكم مصرف لبنان، والمصرف عاجز أو معطل بقرار، وهذا ما يؤدي إلى تسارع تدهور سعر صرف الليرة الذي ينعكس سلبًا على كل شيء في البلد.

"كبش سياسي"
دياب لوح بالسعي لإقالة سلامة قائلا: ليخرج حاكم مصرف لبنان وليعلن للبنانيين بصراحة ما يحصل وهناك فجوات كبرى في أداء المصرف، الأرقام تكشف خروج 5.7 مليار دولار من ودائع المصارف خلال يناير وفبراير، مؤكدا أن الحكومة حازمة في قرارها بحماية البلد ولن تسمح بالمساس بمصالح اللبنانيين ولقمة عيشهم، ولن نتهاون في قمع كل عبث بالاستقرار المالي والدولة ستضرب بحزم.

لكن السعي شيء والقدرة على تنفيذ الأمر شيء أخر، بحسب القوانين اللبنانية لا يمكن إقالة حاكم المصرف المركزي من وظيفته إلا لعجز صحي مثبت حسب الأصول أو لإخلال بواجبات وظيفته، وكلا الشرطين من الصعب تحقيقهم في الوقت الراهن، وحتى إن تحقق الشرط الثاني "الإخلال بالواجبات" فقرار الإقالة يتطلب موافقة ثلثي مجلس الوزراء، وهو أمر مستبعد.

تشير التسريبات الصحفية إلى رغبة قوية في التخلص من سلامة لدى فريق حزب الله، ويؤكد الأمر أكثر تحركات لمناصري الحزب سبقت جلسة مجلس الوزراء الأخيرة واستهدفت المصرف المركزي وعددا من المصارف في شارع الحمراء، حيث تمّ تحطيم واجهاتها وأجهزة الصرّاف الآلي، لتصوير الحملة ضد سلامة على أنها مطلب شعبي، ناتج عن تدهور سعر صرف الليرة إلى أن وصل إلى حدد 4 آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد!

صحيفة الأخبار -القريبة من تيار حزب الله- بدأت منذ أيام التصعيد ضد سلامة، واتهمته بالتسبب في أزمة الليرة وعدم التدخل لوقف تدهور أسعار الصرف، وقالت: مهما كانت ضريبة إقالة سلامة من الغضب الأمريكي، تبقى أقلّ كلفة من تركه لحظة واحدة في سدّة التحكّم بمصرف لبنان ومستقبل البلد.

لماذا الغضب الأمريكي؟ سلامة رجل يتمتع بسمعة واسعة لدى المنظمات المالية الدولية والتي عمل معها لسنوات سواء كعضو مشارك أو كمحافظ للمركزي اللبناني، والبعض يطلق عليه عراب استقرار الليرة، لنجاح سياسته لسنوات في الحفاظ على استقرار الليرة في أصعب الظروف، لكن الأمر لدى حزب الله "سياسي بحت" والعداء لسلامة سببه الرئيس التزامه بالعقوبات "الأمريكية" التي فرضت خلال السنوات الأخيرة على حزب الله وبعض رموزه وبعض المتعاونين معه.

من جهة أخرى، حزب الله الآن يحرك الشارع ويحرض دياب وأذرعه في الحكومة ضد سلامة، لغرض واحد هو تقديم الرجل كـ"كبش فداء" فالأزمة المالية التي غرق فيها لبنان ووصلت إلى ذروتها مارس الماضي عندما أعلنت الدولة عدم قدرتها على سداد ديونها الخارجية، جانب كبير منها يعود إلى العقوبات المفروضة على حزب الله، وهذه الأزمة الآن تفاقمت بفعل جائحة كورونا وما أنتجته من إغلاق وقيود على السفر والتجارة تحد من قدرة الدولة اللبنانية من الوفاء بأقل التزاماتها حيال المواطنين.

انهيار الليرة والرد المطلوب
من المنتظر أن يعقد مجلس الوزراء، جلسة الثلاثاء المقبل، للبحث في إقرار النصوص والصيغ النهائية المتعلقة بعدد من المواضيع التي سبق وأن وافق عليها مبدئيا في جلسات سابقة، أهمها فتح تحقيقات لتحديد الحسابات التي أجريت منها تحويلات مالية كان أخرها مبلغ "5.7 مليار دولار" واتخاذ إجراءات بحق أصحابها، ومشروع قانون إعادة الأموال التي تمّ تحويلها إلى الخارج بعد 17 أكتوبر الماضي، كما يفترض أن تفصل هذه الجلسة بشأن ما أعلن عنه دياب بخصوص تكليف شركات بالتدقيق المحاسبي في أداء مصرف لبنان.

في المقابل يتوقع أن يصدر سلامة -الذي التزم الصمت حتى اللحظة- بيانا قريبا ربما قبل موعد الجلسة، ويتوقع أن يكون البيان مفصلا وبالأرقام للرد على اتهامات الحكومة وتعليل عدم تدخل المصرف لوقف انهيار الليرة الدراماتيكي، كما يتوقع أن يصب سلامة غضبه على حزب الله، مبتعدا عن مهاجمة فريق الرئيس عون تحديدا "الصهر" رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، الذي لا يخفى على أحد أنه يسعى للإطاحة بسلامة خصمه الأول في الطريق إلى سدة الرئاسة، بل أن البعض يؤكد أن لدى باسيل قائمة جاهزة بأسماء لمرشحين لخلافة سلامة، وخلال الأيام الماضية انخرط التيار وموقعه الالكتروني في الحملة ضد حاكم المركزي واتهامه بالكذب وتزييف الحقائق بشأن الوضع المالي للبلد.

بالعودة إلى الانهيار الذي حدث أخيرا لـ"الليرة"، يقول وزير المالية غازي وزني -في تصريح لـ"الجمهورية"- هذا الأمر لا يمكن تفسيره لا ماليا ولا اقتصاديا، إن ما حدث هو مضاربة قوية وتلاعب في السوق.

بحسب موقع "ليبانون ديبايت"، افتعل حزب الله أزمة الليرة عبر تحريك سوق الصرّافين، ردًّا على تعاميم للمصرف المركزي خربت عليه سياسته الخاصة بالسيطرة على سوق العملة الصعبة، إذ وضع مصرف لبنان خلال الشهر الأخير قواعد جديدة تحد من تداول النقد الأجنبي بين الأفراد تتعلق بالتحويلات القادمة من الخارج.

المشهد في لبنان معقد لدرجة أنه لا يمكن لأي من رجال الطبقة السياسية الحصول على صك البراءة فيما يتعلق بالمسؤولية عن الأزمة المالية الراهنة، الجميع متورط بشكل أو بآخر سقف الدَّين وصل إلى 90 مليار دولار والبلد تستورد 80% من احتياجاتها الأساسية من الخارج وبالدولار، والفساد ضارب في كافة المؤسسات تقريبا إلى النخاع، والتصويب الآن على مصرف لبنان وحاكمه -ولا نعني أنه لم يخطأ في إدارة الأزمة-  غرضه الوحيد ربما هو التشويش على حقائق أهمها دور حزب الله المتجاوز لكافة الحدود السياسية والجغرافية، ولا نبالغ في القول بأن الحزب يحتكر القرار اللبناني، في وقت يغلي فيه الشارع منذ أكثر من نصف عام مطالبا بالتغيير الجذري للنظام السياسي وكافة رموزه وعلى رأسهم حزب الله، وفي وقت تدرس فيه واشنطن فرض حزمة جديدة من العقوبات.


اضف تعليق