داعش في العراق.. من الترهيب المحلي إلى هجمات أكثر تعقيدًا


٠٧ مايو ٢٠٢٠

رؤية - جاسم محمد

استطاع تنظيم داعش استعادة بعض أنشطته في العراق مع مطلع العام الجاري 2020، وذلك من خلال تنفيذ عمليات تختلف عن عملياته السابقة "الكر والفر" وقطع الطرق، بشن عمليات شبه واسعة ترتقي إلى تشكيلات يتجاوز عددها 50 شخصًا، بعد أن كان يتحرك على شكل مفارز لا تتجاوز عشرة عناصر.

نجح التنظيم، في مهاجمة أهداف ليست رخوة، مواقع للجيش وللحشد الشعبي، واستخدم فيها أسلحة وذخيرة كثيفة، ما يعني أن التنظيم ما زال يحصل على الدعم اللوجستي والتمويل. مصادر المعلومات من داخل العراق، كشفت عن حصول تنظيم داعش فقط من الإتاوات وقطع الطرق بما يعادل ثلاثة ملايين دولار سنويا، إلى جانب ما يملك التنظيم من استثمارات تجارية ومالية تحت "واجهات" في العراق.

تقديرات الاستخبارات العراقية وكذلك البنتاغون كانت تقدر أن عدد تنظيم داعش في العراق وسوريا لا يتجاوز ستة آلاف مقاتل، أما بعد خسارة الباغوز في مارس من عام 2019 . تقول التقارير الاستخباراتية إن عدد مقاتلي داعش في العراق يُعتقد أنه يتراوح بين 2500 و3000 .

قال مسؤولون في المخابرات العراقية خلال شهر أبريل، إن التنظيم استغل جائحة كورونا ما دفع إلى فرار  نحو 500 مقاتل من سجون سوريا تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، تسللوا مؤخرًا إلى العراق، مما ساعد على تصاعد العنف هناك. في العراق، يستغل التنظيم أيضًا الثغرات الأمنية في وقت النزاع الإقليمي المستمر وخفض القوات الأمريكية.

جغرافية تنظيم داعش في العراق

ـ محافظة بغداد: مناطق شمال بغداد (التاجي، الطارمية) باتجاه الكرمة ومناطق  جنوب بغداد باتجاه شمال جرف الصخر في بابل.

ـ محافظة ديالى: جنوب بعقوبة,حوض حمرين, أمام ويس, نفط خانة, ومناطق غرب وشمال غرب قضاء خانقين.

ـ حوض حمرين : وهي منطقة للدعم وللعمليات الاستثنائية وتشمل مدن (جلولاء,السعدية, قرة تبة, خانقين) والأراضي المحيطة بهم, ومرتكزات الدعم الرئيسية هي في قرى غرب جلولاء ومناطق شمال غرب وجنوب غرب السعدية ومناطق  جنوب وجنوب غرب" قرة تبة" باتجاه سلسلة جبال حمرين وتتوسط المناطق أعلاه  بحيرة حمرين.

ـ محافظة كركوك: الحويجة والمناطق المحاذية لها باتجاه سلسلة جبال حمرين.

ـ محافظة الأنبار: الفلوجة وعامرية الفلوجة.

ـ محافظة صلاح الدين : قضاء بيجي والمناطق والقرى الغربية منها وكذلك التلال والجبال المتاخمة لها.

ـ محافظة الموصل: مدينة الموصل ,وبعض مناطقها الشرقية (مثل كوكجلي)وكذك جبل بادوش.

ـ محافظة بابل: جرف الصخر وبعض مناطق شمال المحافظة باتجاه بغداد.

ـ صحراء الجزيرة: المناطق الصحراوية على طول الحدود العراقية- السورية (أغلب المناطق والقرى والقصبات الواقعة جنوب غرب الموصل  وغرب الأنبار وصلاح الدين).

قال مسؤولون عسكريون عراقيون إن داعش يتحول من الترهيب المحلي إلى هجمات أكثر تعقيدا. ركزت العمليات في السابق على اغتيال المسؤولين المحليين والهجمات الأقل تعقيدًا.  وفقا إلى تقرير وكالة الأسيوشيتد برس يوم 4 مايو 2020 باللغة الإنجليزية  بعنوان""داعش يصعد عملياته في العراق وسوريا في ظل فيروس كورونا" وينفذ تنظيم داعش الآن بتنفيذ المزيد من الهجمات بالعبوات الناسفة وإطلاق النار وكمائن الشرطة والجيش.

قرية مطيبيجة

 تقع إلى شرق سامراء بمسافة 50 كم على ضفاف نهر العظيم وهي منطقة وعرة وأراضيها مستنقعات مائية وأدغال يصل ارتفاعها أكثر من مترين قصب وبردي وليس في مقدور الشخص العادي السير بها .

فيها هضاب داخل هذه المستنقعات يتم استثمارها من قبل المسلحين لحفر أنفاق على شكل مدن تحت الأرض يلجأ المسلحون من داعش وحتى المجرمون الفارون إليها، ومطيبيجة قرية تابعة لناحية حمرين.

تشير مصادر الحكومة بأنه يتواجد في مطيبيجة أكثر من ثلاثة آلاف مسلح بدون عوائل ويتسلل الداعشيون منها للقيام بعمليات محدودة في سامراء وإلى الجنوب منها على بعد 20 كم في مكان يسمى المعتصم للقيام بعمليات إرهابية ومن مطيبيجة يتسلل داعش إلى كركوك وديالى للقيام بعمليات إرهابية.

مطيبيجة ترتبط بقضاء الدور إداريًا يتعذر على الحكومة السيطرة عليها بسبب عدم قدرة الآليات على السير في مناطقها الطينية وإن قصفها بالمدفعية والطيران غير مجد، وإن محاصرتها من الخارج متعذر لوجود طرق مؤدية إلى تلال حمرين.

خبراء عسكريون من مدينة ديالى العراقية يقولون : إن ثلاثة أهداف تقف وراء العمليات العسكرية في منطقة المطيبيجة العسكرية هي تأمين كامل للحدود بين ديالى وصلاح الدين، وإنهاء أي بؤر ساخنة قريبة من القرى المحررة ضمن قاطع العظيم وتعزيز أمن الطريق الدولي بغداد - كركوك، بالإضافة إلى منع تحول المطيبيجة والمناطق المحيطة بها إلى ملاذات آمنة لداعش وفلوله. وهي عبارة أخرى، توضح أسباب اتخاذ تنظيم داعش إلى منطقة مطيبيجة، ملاذًا ونقطة انطلاق لعملياته.

ناحية الجلام ـ محافظة صلاح الدين ناحية العلم

 أرض زراعية واسعة ومنها صحراوية قريبة من مدينة سامراء وتمتد من قضاء الدور وحمرين إلى ديالى وهي منشأ تنظيم داعش وقد انعدم تواجد مقاتلين للتنظيم فيها منذ تحريرها عام 2015 باستثناء بؤر تقوم بعمليات محدودة معدومة التأثير والفعالية مستغلة سعة المساحة مما يجعل أحكام سيطرة الحكومة العراقية صعبة أمام عصابات قادمه للإجرام .


ناحية المعتصم


تقع ناحية المعتصم جنوب شرق سامراء بمسافة 20 كم ومطلة على الطريق العام في الضفة اليسرى من نهر دجلة. الحدود : شمالا على الطريق العام سامراء ـالضلوعية ويتجه باتجاه الشمال الغربي وبمسافة 370 م حتى وغربًا باتجاه الجنوب الغربي وبمحاذاة نهر دجلة وبمسافة 565م حتى نهر دجلة. وجنوبًا على نهر دجلة قرب البستان ويسير باتجاه الجنوب الشرقي بمحاذاة الشارع المار أمام البستان وحتى الشارع العام سامراء ـ الضلوعية  وشرقا بمحاذاة الشارع العام  سامراء ـ الضلوعية .

هذا الموقع أعطاها أهمية ليعمل التنظيم على السيطرة عليها لأسباب: عزل سامراء من جهة الجنوب الشرقي عن محيطها و قطع الحركه بين سامراء ومناطق الضلوعية ومطبيجة وصولا إلى ديالى.

والانطلاق منها للقيام بعمليات تهدد أمن بغداد بقطع الطريق الدولي بين بغداد ومناطق شمالها تسهيل إيصال الإمدادات إلى مقاتيلهم في مطبيجة والعظيم وحمرين والرثار والمملحة مستمثرين أشجار بساتينها في الاختفاء والحركة وصعوبة الرصد . تبعد ناحية المعتصم عن مطيبيحة سوى 30 كم شرقا والطرق المؤدية إلى مطبيجة أوحال وبزول وقصب بارتفاع عال من هذا العرض تأتي أهمية المعتصم وهي خالية من الدواعش حاليا وتحت سيطرة الحكومة.

قضاء مدينة الحويجة 

تقع شمال العراق ومركز قضاء الحويجة  التابع لمحافظة كركوك حيث تقع جنوب غرب مدينة كركوك بحوالي 30 ميلا. غالبية سكان المدينة هم من عشائر الجبور والعبيد وشمر والدليم. تكمن أهمية الحويجة في أنها غنية بآبار ومصافي البترول، بالإضافة لكونها مدينة مركزية وإستراتيجية على الطريق الرابط بين الولايات التي كان أعلنها تنظيم الدولة في تكريت وبيجي، ومنها إلى الموصل ثم الحدود العراقية مع سوريا وتركيا. وفي يونيو 2014 سيطر مسلحو تنظيم الدولة على الحويجة وشنوا منها هجمات باتجاه مركز محافظة كركوك ومناطق أخرى متاخمة لمحافظة صلاح الدين.

عوامل استعادة تنظيم داعش عملياته :

ـ خفظ عدد قوات الجيش العراقي، بنسبة 50٪ بسبب إجراءات الوقاية من الفيروسات.

ـ الخلافات الإقليمية بين بغداد والسلطات من منطقة الحكم الذاتي الكردية الشمالية أجزاء من ثلاث محافظات دون إنفاذ القانون. المشهد الوعر صعب للشرطة.

ـ انسحاب قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من قواعد في غرب العراق ومحافظات نينوى وكركوك تماشيا مع الانسحاب المتوقع في ديسمبر2020، أبرزها قاعدة القيارة.  وقال المتحدث باسم التحالف الكولونيل "مايلز ب. كاجينس": "قبل ظهور الفيروس وقبل الانسحاب الأمريكي ، كانت العمليات لا تذكر ، حيث يبلغ عددها عملية واحدة فقط في الأسبوع". إن قوات الأمن تشهد الآن 20 عملية في الشهر. وإن هجمات داعش تتزايد كرد فعل على العمليات ضد مخابئها في الجبال والمناطق الريفية في شمال وسط العراق.

ـ تعزيز نفوذ زعيم التنظيم الجديد : يعتقد المسؤولون العسكريون العراقيون أن الطبيعة المنظمة للهجمات تعمل على تعزيز نفوذ زعيم تنظيم داعش الجديد أبو إبراهيم الهاشمي القريشي، الذي سُمي بعد مقتل سلفه البغدادي خلال عام 2019. وقال مسؤول عسكري إنه من المتوقع إجراء المزيد من العمليات خلال شهر رمضان لإثبات قوة الزعيم الجديد.

وكشفت تقارير من مدينة الموصل، أن بعض التجار اشتكوا مؤخرًا من أن عناصر داعش تفرض عليهم الإتاوات مرة أخرى، بعض التجار يستجيبون لمطالبهم بسبب عدم ثقتهم في قدرات الحكومة العراقية في محاربة التطرف والإرهاب وتفشي الفساد السياسي والمالي  إلى جانب الخلافات القائمة ما بين الحشد الشعبي والحشد العشائري أو الحكومات المحلية، التي تعتبر وجود الحشد الشعبي تهديدًا لمناطقهم.

إن تنظيم داعش استغل أيضا، الفراغ السياسي، الذي يشهده العراق في الوقت الحاضر، إلى جانب الانسحابات الأمريكية أو إعادة تموضع قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة وانسحاب بعض قوات التحالف الدولي، خاصة في مناطق شرق وشمال بغداد، في محافظة ديالى وكركوك وصلاح الدين والموصل، شجعت تنظيم داعش على استعادة عملياته العسكرية.

إن العمليات التي نفذها التنظيم خلال شهر أبريل وشهر مايو الجاري 2020، تعكس قدرة التنظيم على استعادة بعض من قدراته في مجال، التمويل والدعم اللوجستي والتخطيط لتنفيذ عمليات شبه واسعة يشترك بها أكثر من خمسين عنصرًا، مؤشر على أن التنظيم نجح نسبيا باستعادة اتصالاته، وتنظيم صفوفه في العراق. 

وتعتبر مناطق حوض حمرين وأطراف محافظة صلاح الدين خاصة منطقة "مطيبيجة" ملاذًا آمنًا ونقطة انطلاق للتنظيم. ويستغل تنظيم داعش طبيعة المناطق النائية وأطراف المدن، وهذا ما يصعب عمليات التطهير أمام القوات العسكرية، التي يختفي خلالها التنظيم ليعود من جديد. الأهم في عمليات مكافحة الإرهاب هو مسك الأرض ما بعد العمليات العسكرية، وهذا ما لا تتمكن منه القوات العراقية في المناطق النائية خاصة حوض حمرين.

التقديرات تقول إن استمرار تنظيم داعش في حوض حمرين وتحديدا "مطيبيجة" سوف يستمر، وخارج قدرات الجيش العراقي، وربما يتعلق الأمر أيضا بالوضع السياسي في العراق، وهذا يعني أن تهديدات تنظيم داعش سوف تبقى قائمة، وسوف تشهد هجمات أكثر تنظيمًا من سابقاته، لكن على أي حال، لا تصل إلى مسك الأرض، بقدر اتخاذها ملاذات آمنة ونقاط انطلاق لتنفيذ عمليات إرهابية.

ما يحتاجه العراق في الوقت الحاضر، إيجاد حل لـ"الفوضى" السياسية التي يعاني منها، وحسم أمر تعاونه مع قوات التحالف الدولي، وتعزيز الحكومات المحلية وقوات الشرطة المحلية هناك والحشد العشائري، من أجل مسك الأرض، إلى جانب تنفيذ القواعد الأساسية في محاربة التطرف، حزمة إصلاحات تتعلق بالتنمية الاقتصادية وإعادة البنى التحتية والمناصحة الفكرية.

تعزيز الجهد الاستخباري الى الجهد العسكري،يعتبر عاملًا همًا، في تعقب قيادات التنظيم، والحصول على معلومات من داخل التنظيم إلى أي تفاصيل حول بنية الجماعة والخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.


اضف تعليق