التخلي عن الأسد.. خيار روسيا وأمل إيران في البقاء


١٢ مايو ٢٠٢٠

كتبت - دعاء عبدالنبي

بعد 5 سنوات من القتال الروسي لدعم وحماية نظام بشار الأسد في سوريا، انقلب المشهد وباتت موسكو تميل للتخلص من عميلها "الأسد" بعدما أثبت عدم قدرته على إقامة دولة جادة وتقربه من الميليشيات الإيرانية، مما أعاق المساعدات والمنح المالية لإعادة الإعمار والتي تنتظرها موسكو ولكن دون جدوى.

هجمات الإعلام الروسي على الرئيس السوري بشار الأسد وما أعقبه من زيارات واتصالات بين دمشق وطهران، يوضح ما آلت إليه العلاقات بين روسيا ونظام الأسد، فهل نترقب حل جديد للأزمة دون الأسد؟ أم سيكون للتسويات والمصالح مواقف أخرى!

روسيا تهاجم الأسد

بعد قتال دام لسنوات لحماية نظام الأسد، يبدو أن موسكو تميل الآن للتخلص من عميلها، بعدما أثبت عدم قدرته ولو شكليًّا على إقامة دولة جادة، مما حوله إلى عبء تفضل موسكو التخلص منه، وهو ما لخصه موقع "ذي ديلي بيست" الأمريكي.

وبحسب الموقع، فإن ما تسعى إليه موسكو من إعادة تأهيل نظام الأسد كرمز للاستقرار قادر على جذب مئات المليارات لتمكينها من إعادة الإعمار، لن يكون ممكنًا بسبب أقارب الأسد ودعمهم للقوات الإيرانية، مما يمنع وصول الأموال التي ينتظر منها دفع فاتورة إعادة إعمار سوريا.

المبعوث الأمريكي جيمس جيفري، قال: إن الأسد لم يفعل شيئًا لمساعدة الروس على تسويق نظامه لا في العالم العربي ولا في أوروبا، لافتًا إلى أن الروس بدأوا يستوعبون مدى سوء الأسد.

وتأتي تصريحات جيفري بعد إطلاق وسائل الإعلام الروسية تقارير عدة تستهدف الأسد وتصوره على أنه فاسد وميؤوس منه وغير صالح للحكم، ولعل أبرزها ما نشر على وكالة "يفغيني بريغوزين"، وهي  إشارة روسية لا يمكن للأسد تفويتها، خاصة أن مصدرها رئيس مجموعة فاغنر التي قاتل مرتزقتها إلى جانب قوات الأسد منذ 2015.

هذا الهجوم الإعلامي الروسي سبقه حديث بين أوساط السوريين، على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أسماء جديدة لشخصيات مغمورة مُقترحة لمنصب رئيس الجمهورية، اعتمادًا على حديث سابق بأن عام 2020 سيكون العام الذي ستُحَلّ فيه القضية السورية، وتنتهي معاناة السوريين المستمرة منذ عام 2011.

إيران متمسكة بالأسد

وسط هذه التغطية، وجهت وكالة تاس الروسية ضربات سريعة إلى إيران، مشيرة إلى أن إيران "ليس لديها مصلحة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة؛ لأنها تعتبرها ساحة معركة ضد واشنطن".

وبالتزامن مع ذلك، نشر رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، الذي جمدت أصوله قبل خمسة أشهر، مقطع فيديو على صفحته الشخصية فيسبوك يتهم فيه نظام الأسد بالفساد، علمًا بأنه أغنى رجل في سوريا وتربطه علاقات ممتازة بروسيا، وسبق أن انتقد بشدة وجود إيران في سوريا.

روسيا الغاضبة من المليشيات المدعومة إيرانيًّا، ليست اللاعب الوحيد على الأرض الذي يريد تصفية حساباته مع تلك المليشيات، ولذلك تجاهلت الضربات الإسرائيلية على القوات الإيرانية، ومن المتوقع أن تزداد الهجمات الإسرائيلية بعد المقالات الروسية التي تهاجم الأسد.

توترات دفعت بوزير الخارجية الإيراني محمد جواز ظريف إلى زيارة سريعة لدمشق في 20 أبريل، في وقت يئنّ فيه العالم أجمع تحت وطأة فيروس كورونا، حيث حملت الزيارة في طياتها رسالة تريد طهران التأكيد عليها، وهي أنها مستمرة في دعم الأسد، وأنها لن تتخلى عنه بسهولة.

وبقدر ما تشكل الهجمة الإعلامية الروسية على الأسد ونظامه مصدر قلق لإيران، فإن إيران تشكل مصدر قلق حقيقي لمشاريع روسيا في سوريا، حيث لا ترغب إيران في التخلي عن نفوذها ووجودها العسكري في سوريا، ولذلك فهي تحاول خلط الأوراق مجددًا بعد إبعادها عن الاتفاق الروسي التركي الأخير.

ومن ثم فمن مصلحة طهران عدم نجاح الاتفاق التركي الروسي الأخير، لاعتقادها أنه سيؤسس لمرحلة لاحقة في مستقبل سوريا قد تستثني منها إيران، خاصة في ظل الرغبة المتزايدة لإخراجها من سوريا وهو ما تصر عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك تدرك أن بقاءها في سوريا مرتبط ببقاء الأسد.

وفي المقابل يحاول النظام السوري اللعب على التناقضات، بحسب ما تقتضيه طبيعة الموقف الدولي، فتارةً يتوجه إلى إيران، وتارةً أخرى يميل إلى موسكو. ولكن المرجّح أن يتوجه بشار الأسد إلى الإيرانيين أكثر، خصوصًا بعد هجمات الإعلام الروسي عليه شخصيًّا وعلى نظامه، على أنها مُقدّمات تشي بتغير الموقف الروسي حول موضوع بقائه في الحكم مستقبلًا.

معضلة التسويات

وأمام تداخل المصالح، تبقى موسكو أمام معضلة حقيقية وهي تمويل مشاريع إعادة الإعمار من أجل خفض تكلفة تدخليها العسكري في سوريا، بتوقيع مزيد من العقود كما فعلت سابقًا في ميناء طرطوس.

ومن أجل ذلك حاولت روسيا إقناع دول الاتحاد الأوروبي بمسألة عودة اللاجئين، بعد انتهاء العمليات العسكرية في سوريا أو توقفها، وأن البيئة ملائمة من أجل عودة اللاجئين من أجل تحفيزهم لدعم إعمار سوريا.

في المقابل، تُصرّ الدول المانحة، كدول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، على عملية انتقال سياسي حقيقية من أجل تمويل مشاريع إعادة الإعمار؛ لأن الإبقاء على النظام -بشكله الحالي- لا يُنهي الصراع في سوريا.

وفي هذه الحالة، قد تستغني روسيا عن بشار الأسد ضمن تسوية سياسية معينة، تحفظ مصالحها بالدرجة الأولى، وما يؤيد هذا التوجه هو الدراسة التي صدرت أخيرًا، عن المجلس الروسي للشؤون الدولية التي تتحدث بأن موضوع تعافي الاقتصاد في سوريا غير ممكن إطلاقًا.

لكن المتابع للشأن السوري يدرك أن روسيا لن تتخلى عن نظام الأسد بسهولة أو من دون مقابل ومن دون ضغوطات، وقد تكون هذه الضغوطات هي محاسبة الأسد وأركان حكمه، عن الجرائم المرتبكة بحق الشعب السوري، والدولة الوحيدة التي تستطيع أن تؤدّي هذا الدور هي الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أن أمريكا لا تبدي اهتمامًا كافيًا لإسقاط الأسد، فإنه لن يتم الاتفاق على شكل الحل النهائي في سورية من دون موافقتها.

ويمكن القول: إن موسكو لن تتخلى عن الأسد في الوقت الراهن رغم كل الانتقادات، وربما يكون الهدف من ورائها ضبط توازن الاستراتيجية الروسية في المنطقة، في وقت تتمسك فيه طهران ببقاء الأسد وينخرطان في تحالف قد يصبح هدفًا روسيا وإن تطلب ضرورة التعامل معه وعدم تصعيد أي خلاف بخصوصه.



اضف تعليق