الإمارات في معركة كورونا.. استراتيجية حكيمة ونموذج مشرف


٢٥ مايو ٢٠٢٠

كتبت - علياء عصام الدين

في بلد كان صعوده قصة نجاح استثنائية، كانت جائحة كورونا فرصة كبيرة لاختبار القدرة على مواجهة الأزمات والنكبات الطارئة وكيفية التعامل معها بغية الخروج منها بأقل الخسائر وأخف الأضرار.

نجحت دولة الإمارات العربية نجاحًا لافتًا في مواجهة فيروس كورونا والحد من مخاطره الصحية وتطويق تداعياته الاقتصادية منذ البداية، الأمر الذي سينعكس لا محالة على فترة ما بعد الجائحة، حيث من المتوقع أن تدير الإمارات تلك المرحلة بذات الكفاءة والشفافية التي واجهت بها الوباء مستفيدة من جهود سنوات من العمل الاستباقي المبني على خبرات استشرافية.

ومن العوامل التي ساعدت الإمارات على تنفيذ خطط المجابهة للجائحة بفعالية وتميز، نجد القرارات السياسية الفعالة والسريعة وكفاءة الإدارة الحكومية فضلًا عن التخطيط الاستشرافي للطورائ.

إجراءات استشرافية واستباقية

كانت الإمارات في مقدمة الدول العربية التي سارعت منذ انتشار الجائحة عالميًا إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الاستباقية لتأمين مخزونها الغذائي والحفاظ على مستواها المعتاد في تزويد أسواقها الداخلية بالمواد الغذائية، وتضمنت تلك الإجراءات إصدار قانون للمخزون الاستراتيجي للسلع الغذائية لتعزيز منظومة الأمن الغذائي في رفع الاحتياطي من السلع الرئيسية، لاسيما في حالات الطوارئ والكوارث والأزمات.

قامت قيادة دولة الإمارات وفريق إدارة الأزمة في المؤسسات المعنية بوضع خطط استباقية لاحتواء الجائحة والحيلولة دون انتشارها؛ فقامت برصد متطلبات التنفيذ الإدارية والمالية بشكل سريع.

منذ 2014 أقرت حكومة أبو ظبي استراتيجية خاصة لتطوير القطاع الصحي والارتقاء بمستوى خدماته، والملفت أن التحوط والجاهزية لحالات الطوارئ المختلفة كانت ضمن الاستراتيجيات السبعة التي حددتها الحكومة، حيث أولت أهمية خاصة لتهيئة القطاع الصحي للتعامل مع حالات الطوارئ والمخاطر المستقبلية وعلى رأسها تهديدات انتشار الأوبئة والجوائح.

وأخذت القيادة الإماراتية على عاتقها -منذ بداية الأزمة- الحفاظ على التوازنات المجتمعية وتقديم الرعاية لجميع السكّان دون استثناء وتوفير الغذاء والدواء بالكميات اللازمة.

اختارت الإمارات في هذا السياق أن تجعل من تدعيم أمنها الغذائي جزءا أساسيا من استراتيجيتها المتكاملة في مواجهة الفيروس التاجي، آخذة في الاعتبار احتمال مواجهة طويلة الأمد ضد الجائحة التي لا يُستبعد أن تطال آثارها السلبية عمليات إنتاج الأغذية ونقلها وتوزيعها.

واعتبر الشيخ محمّد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي أنّ الدواء والغذاء في الدولة "خط أحمر"، ويجب تأمينهما إلى ما لا نهاية بغض النظر عن أي تحديات.

بنية تقنية ومنظومة طبية متطورة

تمكنت الإمارات من اختبار فاعلية بنيتها التكنولوجية والرقمية التي عملت على تأسيسها منذ سنوات عديدة في ظل جائحة كوفيد 19، وبفضل تلك البنية لم يواجه الإمارتيون أي مصاعب في التحول لأسلوب العمل عن بعد في كثير من القطاعات والمجالات التي سمحت بذلك.

في بداية الأزمة افتتحت الإمارات مختبرًا متطورًا لتشخيص الإصابة بالفيروس التاجي أطلقته مجموعة جي 42 الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، والتي تتخذ من أبوظبي مقرا لها، ومجموعة بي.جي.آي الرائدة في مجال حلول الجينوم، يوفّر إمكانية القيام يوميا بإجراء عشرات الآلاف من الاختبارات بتقنية “بي سي آر، آر تي” التي تعتمد على تفاعل البوليمرز المتسلسل اللحظي، لتلبية احتياجات فحص وتشخيص الإصابة بالفيروس.

وكان إعلان مركز أبوظبي للخلايا الجذعية مؤخرا تمكنه من الوصول إلى علاج عن طريق الخلايا الجذعية ونجاح تجربة العلاج على 73 حالة مؤشرًا إيجابيًا على التطور الطبي والتكنولوجي الذي انتهجته الدولة.

وبالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة تمكنت الإمارات من توسيع دائرة إجراء الفحوص والاختبارات اللازمة للكشف عن المصابين بالفيروس لتشمل أكبر عدد ممكن من الأفراد من مختلف الشرائح الاجتماعية، وأظهرت البلاد استعدادا لتقديم الإضافة كذلك في هذا المجال، حيث أعلن مختبر كوانت ليز في الإمارات تطوير أداة تقنية جديدة تتيح إجراء فحوص جماعية فائقة السرعة خلال ثوان لاكتشاف الفيروس باستخدام أشعة الليزر، ما يسمح بتوسيع دائرة الفحوصات على نحو غير مسبوق.

ووفقًا لمركز الأبحاث البريطاني "دي كيه جي" فقد احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً والـ18 عالميا بين دول المنطقة والعالم في مواجهة جائحة كورونا كوفيد-19، وفقا لمركز أبحاث بريطاني.

مبادرات وجهود إنسانية

كانت دولة الإمارات في مقدمة الدول التي كانت مساعداتها الإنسانية في مقدمة عناوين الصحف والأخبار اليومية منذ بداية الجائحة.

ومما يستحق الإشادة -في تجربة دولة الإمارات- موقف القيادة الأخلاقي والإنساني في الأزمة في الداخل والخارج، وما اتخذته من قرارات ومبادرات حملت كثيرًا من النبل والمسؤولية الأخلاقية والإنسانية، فقد امتدت أيادي الخير لدعم جهود دول أخرى لمواجهة الوباء.

وسجّل العطاء الإنساني الإماراتي الكثير؛ فقد شمل إجلاء 215 شخصًا من رعايا دول مختلفة من مقاطعة كوبي الصينية إلى مدينة الخدمات الإنسانية في أبوظبي، وتوفير الرعاية الصحيّة لهم، ومن ثمَّ إيصالهم إلى أوطانهم، وإجلاء الطلاب السودانيين واليمنيين من المدن الصينية، فضلًا عن تقديم مساعدات زادت على 550 طنّا من المعدات والمواد الصحية إلى أكثر من 49 دولة

كما أظهرت الدولة حرصًا استثنائيا على حماية العمّال وحقوقهم وسط جائحة كورونا فضلأ عن مبادراتها للعناية بأسر المتوفين بالفيروس وتلبية كافة احتياجاتهم

وعن المساعدات التي قدمتها الإمارات للعشرات من الدول، فحدث ولا حرج؛ فقد كانت في أوائل الدول التي قدمت مساعدات طبية لكثير من بلدان العالم الوباء في مختلف القارّات متخطية عوامل الدين والعرق والخلافات السياسية فساعدت كل من إيطاليا وكازخستان وإيران وكولومبيا وأوكرانيا وغيرها من الدول.

وكان إنشاء مستشفى ميداني في بريطانيا إحدى المبادرات المميزة للدولة، حيث حولت الإمارات أحد المعارض المملوكة لإحدى شركاتها إلى مستشفى ميداني بسعة 4000 سرير في العاصمة البريطانية لندن.

كما كان الدعم الإماراتي لسوريا وتعهد الشيخ محمد بن زايد بأن سوريا لن تبقى وحدها في هذه الظروف الحرجة خير مثال على تغليب البعد الإنساني على الخلافات السياسية.

استراتيجية ما بعد كورونا

دخلت الإمارات مرحلة التفكير في ما بعد أزمة كورونا وطرق الخروج منها بشكل آمن، بعد أن أتاح لها تعاملها السريع والحازم والمرن في آن مع الوباء، إبقاء الدولة ومجتمعها خارج نطاق الأخطار الكبيرة للجائحة وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية التي طالت الكثير من بلدان العالم.

قامت حكومة الإمارات بوضع استراتيجية استباقية لفترة ما بعد كورونا في تحرك سريع اعتمد على اتخاذ سياسات وقرارات وإجراءات ووضع خطط عمل وآليات تغطي القطاعات الاقتصادية والمجتمعية والخدمية الأكثر إلحاحًا في المستقبل القريب فضلًا عن وضع مقاربات مستقبلية للآفاق التنموية والاقتصادية.

وحسب وكالة أنباء الإمارات "وام"، جاءت حزمة المبادرات الاقتصادية الداعمة لشركات القطاع الخاص للحد من تداعيات أزمة كورونا التي ضربت كثير من القطاعات الاقتصادية في العالم في مقتل في مقدمة تلك الاستراتيجيات الرائدة التي انتهجتها الدولة، حيث رصد المصرف المركزي الإماراتي أكثر من 27 مليار دولار لتمويل خطة لدعم الاقتصاد.

وإن تشابهت سياقات إدارة الأزمة الوبائية والإجراءات الصحية التي اتبعتها دولة الإمارات مع دول أخرى إلا أنها انفردت بسمات مميزة، كان أهمها سرعة الاستجابة والتكامل والتدرج، والاعتماد على تفاعل أفراد المجتمع واستجاباتهم ووعيهم، فضلًا عن الحسم والمرونة والإنسانية.


اضف تعليق