اليمين المتطرف في ألمانيا.. عمل ممنهج وتنامٍ في التهديدات


٢٩ مايو ٢٠٢٠

رؤية ـ جاسم محمد

تواجه ألمانيا تحديًا كبيرًا من قبل اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية، بالتوازي مع التطرف الإسلاموي. ورغم ما تتخذه الحكومة الألمانية من خطط وسياسات، فإن الخطر ما زال قائمًا ومرتفعًا، وربما يعود ذلك، إلى تغلغل اليمين المتطرف في مؤسسات الدولة الألمانية وفي المجتمع، مما يجعل الكشف عنه والحد من مخاطره أمرًا صعبًا، يحتاج مزيدًا من الجهود في محاربته مجتمعيًا.

أعلنت "إيفا هوغل" مفوضة شؤون الدفاع الجديدة في البرلمان الألماني "بندستاغ" تقديم مشروع مناقشة التطرف اليميني داخل مؤسسة الجيش الألماني يوم 28 مايو 2020، تأتي جهود "هوغل" بعد اكتشاف عدد من حالات التطرف خاصة التطرف اليميني في صفوف الجيش الألماني.

وذكرت صحيفة "ديفيلت" الألمانية أن لجنة الرقابة البرلمانية خلصت بعد تحقيق مدقق لـ"اتهام الجيش بالإهمال الكبير والممنهج في ملف اليمين المتطرف وأن التقرير المنبثق عن التحقيق ذكر أيضًا أن "وحدات الجيش المختلفة لا تبلغ الاستخبارات العسكرية (إم إيه دي (MAD) (German: Milit�rischer Abschirmdienst ) في المعظم بالحالات التي يشتبه في انتمائها لليمين المتطرف".

خرق الجيش الألماني من قبل اليمين المتطرف

التقرير ذكر أيضًا أنه في الحالات التي تتصدر فيها الاستخبارات العسكرية المشهد وترصد انتماء عناصر بالجيش لليمين المتطرف وتسريحهم، لا تخبر هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية"  (BfV) (German: Bundesamt f�r Verfassungsschutz بهوية المسرحين، رغم أن الهيئة هي المسؤولة عن رصد ومراقبة اليمين المتطرف في الحياة المدنية.

سلمت الاستخبارات العسكرية الألمانية تقريرها السنوي الأول للبرلمان الألماني "بوندستاغ"  Deutscher Bundestag، والذي حصلت وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) يوم 03.03.2020 ، على نسخة منه. وجاء في التقرير أن اثنين ينتميان لما يسمى حركة مواطني الراين الذين لا يعترفون بألمانيا الحديثة كدولة شرعية ويصرون على أن "الرايخ الألماني" (Deutsches Reich)  ما زال قائمًا.

وقدمت الحكومة إلى اللجنة 100 ملف تضم وثائق عن اليمين المتطرف في الجيش الألماني، كما ستقدم اللجنة تقريرها للبرلمان قريبًا، وفق الصحيفة. 

ويرصد الجيش سنويًا 300 حالة انتماء لليمين المتطرف بين صفوفه، منذ إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية عام 2012.  وتقدر السلطات الألمانية عدد الأشخاص المدنيين المنتمين لليمين المتطرف بـ25 ألف شخص في عموم البلاد.

قوائم "قتل"

أصبحت تهديدات القتل في ألمانيا بالنسبة لبعض الشخصيات العامة أمراً اعتيادياً  ويقول "وروبن نويغباور" الذي عمل لصالح منظمة "سي ووتش" التي تنقذ اللاجئين من الغرق في البحر الأبيض المتوسط وتجلبهم إلى أوروبا، إن كون اسمه على قائمة "القتل" اليمينية أمرًا دارجًا في ألمانيا !

ويقول خبير الشؤون السياسية هايو فونكه إن واضعي هذا النوع من القوائم يهدفون لتحقيق عدة غايات: "ما يقومون به بالطبع هو نشر الخوف والفزع، وعلى الأقل النية توحي بذلك" كما يقول فونكه، الذي أشار إلى أن السياسي فالتر لوبكه، مدرج على قائمة أعداء اليمين المتطرف، وتم إطلاق النار عليه من طرف يميني متطرف مفترض. وقد تكون تلك القوائم، حسب فونكه استعداداً لما يُسمى "يوم التنفيذ" الذي يأمل فيه اليمينيون المتطرفون السيطرة على السلطة.

النتائج

إن خرق اليمين المتطرف مؤسسة الدفاع الألماني وكذلك مؤسسات الأمن، بدون شك يعتبر أمرًا خطيرًا، كون عناصر اليمين المتطرف، يمكنها الحصول على السلاح، والتجهيزات ومواد محظورة ممكن أن تستخدم في تنفيذ عمليات إرهابية إلى جانب حصولها على التدريب، وهذا ما تخشاه الحكومة الألمانية.

ـ هناك غض نظر وتعاطف من قبل المسؤولين والقيادات في الجيش الألماني، وهو منحى خطير، وهنا يجب الفرز ما بين العمل اليميني الممنهج داخل قوات الجيش وما بين الخرق أو الإهمال، ما تشهده المؤسسة العسكرية الألمانية، يعتبر مؤشرًا خطيرًا ربما لم تنتبه له الحكومة الألمانية إلا مؤخرًا، في أعقاب تصاعد عمليات اليمين المتطرف عملياتيًا وسياسيًا.

ـ يكمن الخطر، أن كبار المسؤولين في الجيش الألماني لا يتعاونون مع الاستخبارات العسكرية الألمانية المعنية في هذا الشأن، وهذا يعتبر تقصيرًا متعمدًا، تسريح الجنود من الجيش غير كاف، بل الأجدر إبلاغ الاستخبارات العسكرية من أجل إدراجهم على قائمة العناصر اليمينية المتطرفة حتى بعد تسريحهم، تكون مسؤولية متابعتهم بعد ذلك من قبل الاستخبارات الداخلية الألمانية.

ـ إن تصاعد أعداد العناصر المتطرفة بشكل طردي داخل الجيش الألماني يعتبر تهديدًا للنظام السياسي والديمقراطية في ألمانيا، وهذا يعني أن الجهود المبذولة من قبل الحكومة الألمانية في متابعة عناصر التطرف داخل الجيش خلال السنوات الخمس الأخيرة كانت غير كافية. تشير الإحصائيات إلى أنه يحسب  على اليمين المتطرف أقل من 25 ألف شخص، بينهم 2.500 شخص ينشطون بشكل منتظم، وتستقطب المسيرات المناهضة للأجانب أعدادًا أكبر من الناس.

ـ  ما زالت الطبقة السياسية في ألمانيا والمواطنين، يشعرون بالخوف، بعد أن ظهرت قوائم "قتل" لليمين المتطرف، عليها عشرات الآلاف من الألمان ومن الأجانب، أن يحدث هذا في بلد مثل ألمانيا، يثير الكثير حول مدى كفاية الخطط الأمنية في محاربة التطرف.

ـ إن الحكومة الألمانية، بالفعل بذلت جهودًا إضافية خلال مطلع هذا العام، لكنها متأخرة ومحدودة، وهي تدرك جيدًا مخاطر اليمين المتطرف، الاستخبارات الداخلية الألمانية هي الأخرى حذرت كثيرًا على لسان وزير الداخلية "هورست زيهوفر" من أن خطر اليمين المتطرف أكبر من المتوقع.

ـ ربما المشكلة تكمن في الموارد البشرية والمالية المخصصة لوزارة الداخلية أكثر من  وزارة الدفاع، والتي تعتبر أقل مما هو مطلوب أمام تغلغل اليمين المتطرف في المجتمع الألماني وداخل الأحزاب السياسية.

ـ ما تشهده ألمانيا في الوقت الحاضر، يعتبر تهديدا للنظام الديمقراطي، أمام "اجتياح" اليمين المتطرف والتيارات الشعبوية المشهد السياسي والمجتمع الألماني. ولو تحدثنا عن مخاطر التيارات الشعبوية وتمددها في ألمانيا، فيعد ذلك مؤشرًا خطيرًا في تاريخ ألمانيا السياسي، يؤكد تمدد اليمين المتطرف شمال غرب أوروبا: ألمانيا، إيطاليا، النمسا، فرنسا وهولندا وغيرها من عواصم أوروبا.

ـ المشهد السياسي والأمني في ألمانيا للأسف يتجه إلى صالح التيارات الشعبوية اليمينية المتطرفة، العمليات التي نفذها عناصر من التيارات اليمينية، كانت انتحارية، وفي الغالب هي تكتيك "الذئاب المنفردة"، لا يمكن إيقافها أو منع حدوثها، وهذا ما يزيد حالة الخوف في الشارع الألماني وحتى عند الطبقة السياسية، ويتطلب من الحكومة الألمانية، تعزيز جهودها في متابعة اليمين المتطرف.

يبدو أن حجم مخاطر اليمين المتطرف في الوقت الحاضر أكبر من قدرات الحكومة الألمانية، وهذا يعني أن خطر وتهديدات اليمين المتطرف ممكن تستمر لسنوات أطول في منظور المستقبل القريب.

ما ينبغي العمل عليه من قبل الحكومة الألمانية، تصعيد جهودها أكثر في محاربة التطرف، وهنا المقصود التطرف اليميني، والكشف عن حجم مخاطر اليمين المتطرف وعن أنشطته، وهذا ممكن أن يعزز الثقة ما بين أجهزة الأمن والمواطن، في مواجهة أنشطة اليمين المتطرف.


اضف تعليق