متجاهلًا الانتقادات.. ترامب يكتب كلمة النهاية بين أمريكا والصحة العالمية


٣٠ مايو ٢٠٢٠

كتب - حسام السبكي

بعد تهديدات وإمهال، وسجال وانتقادات واتهامات، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطع علاقة بلاده -التي تعد الممول الأكبر لأنشطتها- بمنظمة الصحة العالمية، وسط عاصفة من الانتقادات الدولية الواسعة، التي تأتي إبان واحدة من أقسى وأعنف الأزمات الصحية، والتي تسير في طريقها على ما يبدو -وفق تقديرات علمية تتحدث عن موجات ثانية وثالثة من جائحة كورونا- نحو كارثة الإنفلونزا الإسبانية، التي أزهقت أرواح الملايين حول العالم، في عشرينيات القرن الماضي.

قطع العلاقات



أخيرًا، وبعد أشهر من التوتر بين الجانبين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه قرر إنهاء علاقة بلاده بمنظمة الصحة العالمية.

واتهم ترامب المنظمة بالفشل في محاسبة بكين بشأن تفشي وباء فيروس كورونا، على الرغم من عدم التريث بشأن إجراءات المنظمة في التحقيق حول أسباب الانتشار السريع والمكثف للفيروس.

وقال الرئيس الأمريكي: إن "الصين لديها سيطرة كاملة على منظمة الصحة العالمية"، ونجحت في "تضليل العالم" بشأن الفيروس عبر الضغط على المنظمة الدولية، مشيرا إلى أنّ واشنطن ستوجّه التمويل إلى هيئات أخرى تعنى بالصحة العامة.

الولايات المتحدة، التي تعد الممول الأكبر لأنشطة المنظمة الدولية، بأكثر من 400 مليون دولار قدمتها في عام 2019، تعيش إدارتها حالة كبيرة من التخبط، فبينما يسعى رجل البيت الأبيض المثير للجدل، لإعادة انتخابه لولاية رئاسية جديدة، فقد وجد في الهجوم على الصين تارة، ومنظمة الصحة العالمية تارة أخرى، وسيلته المفضلة لتعليق شماعة فشل إدارته في تحجيم نسبة الإصابات، التي باتت الأعلى عالميًا، حيث وصلت حتى كتابة هذه السطور، إلى 1,811,275 حالة، فضلًا عن تسجيل 105,343 حالة وفاة، وفق موقع "وورلد ميتر" العالمي.

توتر محموم



للمرة الأولى، تغاضى الرئيس الأمريكي عن توجيه سهام انتقاده لسلفه أوباما بنظام "أوباما كير"، وكذلك عن خصومه الديمقراطيين، في معركته ضد الفيروس التاجي، ليلقي باللائمة على كلٍّ من الصين ومنظمة الصحة العالمية، بالتناوب، لصرف الأنظار عن فشل إدارته في ملف كورونا.

في أبريل الماضي، وعقب سلسلة من التهديدات والاتهامات لمنظمة الصحة العالمية، أوفى الرئيس الأمريكي بوعوده، معلنا عن إجراء حاسم بشأن المنظمة التي يثور الجدل بشأن أدائها في مواجهة أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد.

وفي منتصف الشهر الماضي، وجه ترامب إدارته بتجميد التمويل الأمريكي للمنظمة الدولية، معتبرا أنها ارتكبت أخطاء تسببت في وفاة الآلاف.

وفي تبريره على الخطوة، قال الرئيس الأمريكي: إن الصحة العالمية حصلت على معلومات خاطئة، من الصين، حول تفشي الفيروس على أراضيها، كما تأخرت المنظمة في التحذير من خطر كورونا، من خلال عدم الحصول على معلومات كافية، ونشرها بطريقة شفافة، على حد وصف ترامب.

وطالب ترامب المنظمة الدولية بإصلاحات داخلية.

وكانت المنظمة قد فندت مرارا اتهامات الإدارة الأمريكية بشأن استلامها تحذيرًا من تايوان في 31 ديسمبر الماضي يشير إلى أن الفيروس المنتشر في الصين ينتقل بين البشر.

بعد ضغوط عدة، قرر الرئيس الأمريكي العدول عن قراره قليلًا، حيث أعطى منظمة الصحة العالمية، قبل أكثر من أسبوع، مهلة 30 يوما لإجراء إصلاحات جوهرية وإلا سيجمد التمويل لها وينظر في تعليق عضوية الولايات المتحدة.

إلا أن العجلة المعهودة على الإدارة الأمريكية الحالية، أبت إلا الإتيان على الأخضر واليابس، ووضع سطر النهاية في العلاقة الأزلية بين الولايات المتحدة الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية، بقرار اليوم.

انتقادات دولية واسعة



انتقادات لاذعة، واجهها الرئيس الأمريكي، خلال الساعات القليلة الماضية، لقراره "التعسفي" بحق أعرق المنظمات الدولية في مجال الصحة، جاءت أولها من الاتحاد الأوروبي.

فقد حثّ الاتحاد الأوروبي ترامب على إعادة النظر في قراره، وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في بيان مشترك مع مفوض الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية جوزيب بوريل: "في مواجهة خطر عالمي، الوقت الآن لتعزيز التعاون والحلول المشتركة، ومن الأفضل تجنّب الأفعال التي من شأنها إضعاف ثمار الجهود الدولية".

بينما وصف وزير الصحة الألماني، ينس شبان، القرار الأمريكي بأنّه "نكسة مخيّبة للصحة العالمية"، رغم إقراره بأنّ المنظمة تحتاج فعلاً إلى "إصلاح".

ودعا الوزير الألماني الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور قيادي في المنظمة، وتوسيع التزاماته المالية فيها.

من جهته، قال رئيس لجنة الصحة في مجلس الشيوخ الأمريكي لامار ألكسندر -ينتمي للحزب الجمهوري مثل ترامب- إنّ التوقيت الراهن لم يكن الأنسب لاتخاذ قرار مغادرة المنظمة. ورأى أن الخطوة قد تعطّل من جهود الكشف عن لقاح لكوفيد-19، مطالباً الرئيس بالعودة عن قراره.

وقال ألكسندر: إنّه من الضروري إلقاء نظرة متمعنة في أداء المنظمة وأخطائها المحتملة في التعاطي مع الجائحة، لكن يمكن لذلك أن يتمّ بعد انقضاء الأزمة، وليس خلالها".

الناطق باسم الحكومة البريطانية من جهته قال: إن "فيروس كورونا تحدّ عالمي، ودور منظمة الصحة العالمية في قيادة جهود الاستجابة للأزمة مهم"، مؤكداً أن بلاده لا تخطط لسحب تمويلها.

في غضون ذلك، غرّدت المرشحة السابقة للرئاسة الأمريكية، اليزابيث وارن، قائلة: إنّ قرار ترامب "يشكل خطراً على صحة الشعب الأمريكي".

الخارجية الروسية، وعلى لسان المتحدثة باسمها، رأت في القرار الأمريكي القرار "ضربة لأسس التعاون القانونية الدولية في مجال الصحة".

وقالت زخاروفا -في تصريحاتها- إن "قرار الإدارة الأمريكية جاء في وقت يحتاج فيه العالم للتضامن في مواجهة تفشي فيروس كورونا المستجد(كوفيد 19)".

وتساءلت زخاروفا: "عما إذا كان بإمكان واشنطن طرح بديل عن منظمة الصحة العالمية؟".

وذكرت في سياق متصل أن "الوضع المأساوي الذي ظهر بالولايات المتحدة خلال تفشي كورونا لا يدع مجالا للحديث حول الدور القيادي لأمريكا في مجال الرعاية الصحية".

المنظمة الدولية ترفض التعليق



على الجانب الآخر، رفضت المنظمة المعنية بالأزمة مع الولايات المتحدة، التعليق بشأن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، إيقاف تمويل بلاده لمنظمة الصحة العالمية، وإنهاء علاقة الولايات المتحدة بها.

ووفق "سي إن إن"، قال المتحدث باسم الصحة العالمية: "ليس لدينا تعليق لنقدمه في هذه المرحلة".


اضف تعليق