حامل المياه والأخبار.. حكاية "السقايين" في شوارع المحروسة


٠١ يونيو ٢٠٢٠

هدى إسماعيل

يعد المعلم "شوشة السقا" بطل رواية يوسف السباعي "السقا مات"، الذي قدمه الفنان "عزت العلايلي" واحد من أشهر الشخصيات السينمائية التي سلطت الضوء على مهنة السقا التي اندثرت الآن بفعل الحداثة وتطور الزمن.

عرفت مصر مهنة السقا في عصر الخلفاء والفتح الإسلامي نظرا لصعوبة الحصول على الماء للبيوت والأسبلة والجوامع كانت الحاجة إلى وسيط يستطيع نقل الماء من النيل أو الآبار أو الخليج المصري الذى كان يصب في ترعة الإسماعيلية فظهرت مهنة السقا.

من هو السقا؟




السقا هو رجل قوى البنية يحمل قربة مصنوعة من جلد الماعز المدبوغ دباغا جيدا جدا لا تحمل أي أصباغ داخلها حتى لا تؤثر على طعم أو لون الماء، يتم اختيار السقا بواسطة شيخ السقايين بأن يقوم الشخص المتقدم للوظيفة بحمل شوال من الرمل يزن 67 رطلا لمدة ثلاث ليال كاملة دون الجلوس أو حتى الانحناء أو النوم.

بمجرد الانتهاء من الامتحان الأول يبدأ شيخ السقايين في الاستعلام عن أخلاق وصفات ومعرفة السيرة الذاتية للمتقدم لوظيفة السقا، فلابد من الأمانة والنظافة الشخصية والاستعداد لتحمل الصعاب وبعدها ينضم السقا إلى طائفة السقايين.

 وبمجرد انضمام السقا يبدأ في البحث عن السكن وهو عادة ما يكون قريبا من مصادر المياه التى ينقلها في قربته، ويبدأ السقا في شراء القربة المصنوعة من جلد الماعز من المدابغ، ويتأكد من نظافتها وعدم وجود أي ثقوب بها.

ومع مرور سنوات، استعان السقاؤون بالبهائم لحمل الماء والتجول به، بدلا من حمله على ظهورهم، فأصبح السقا يتجول في الشارع بحماره الذي أتاح له حمل كمية أكبر من الماء، وبعد ذلك أدخل العربات الخشبية، التي سهلت المهمة أكثر على السقايين، وتبدلت القربة ببراميل المياه المعدنية.

وكان هناك في الشوارع ما يسمى "بسقائي الكيزان" وهي جمع كوز لتقديم المياه إلى العطاشى من المارة، كما كان هناك من يسمى "سقا شربة"، وهو اسم السقا الذي يحمل قربته ويسير في الطرقات وينادي على العطشى ويقول "يعوض الله"، فيسمعه من هو بحاجة للماء.

باب البحر




وفقا لدراسة نشرت فى مجلة "العربية" الثقافية، عدد أكتوبر 2011، تمركز السقاؤون بالقاهرة القديمة، في حي يسمى (باب البحر)، وهو يقع بجانب باب زويلة، وسمي بهذا الاسم عندما قام السلطان صلاح الدين الأيوبي بتشييد باب يطل على النيل سنة (569هـ/ 1174م) في نهاية السور الشمالي الغربي للقاهرة، حيث حرص السقاؤون على التواجد بالقرب من مصادر المياه والمتمثلة في نهر النيل.

وكانت هناك خمس طوائف للسقائين، ولكل منها شيخ طائفة يتولى شؤونها وينظم عملها، منها: طائفتان في باب اللوق، الأولى تقوم بنقل الماء على ظهور الجمال، والثانية تنقل الماء على ظهور الحمير، مع طائفة باب البحر، ثم طائفة حارة السقائين، وطائفة قناطر السباع، وكانت هناك طائفة سادسة تعرف باسم الكيزان، كانوا يطوفون الشوارع والأسواق ويحملون قرب الماء على ظهورهم، ومعهم مجموعة من الكيزان لكي يقدموا المياه للأهالي.

أخصائي اجتماعي




لم تقتصر مهنة السقا على توفير الماء فقط، ولكنه كان يقوم أحيانا بدور رجل الإطفاء أو رش الدكاكين صباحاً بالاتفاق مع أصحابها يوميا نظير الماء والكسوة السنوية، واعتبرت مهنة السقا من المهن المربحة لأصاحبها، بل تجاوز الأمر بيع المياه فأصبح ناقلا للأخبار والمعلومات بحكم انتقاله بين المنازل، بل اعتبره بعض الأهالي الحكيم والناصح لبعض الأمور، فأصبح بمثابة مصلح اجتماعي بينهم، يروون له مشاكلهم لحلها ويسعدونه بنكاتهم ويحزنون معه بمشاكله، كما كان السقا يقوم بعملية رش الأسواق والأزقة الترابية، لتبريدها في فصل الصيف، ويعمل على توزيع الماء للعطشى من المارة مجانًا، واختلف ثمن المياه تبعًا لوفرتها أو قلتها فكان السقا سنة 1830 يتقاضى ثمن قربة المياه التي يحملها مسافة ثلاثة كيلومترات من 10 إلى 30 فضة.

جاء في كتاب إحصاءات عن مصر أن عدد السقايين وصل إلى 3 آلاف و876 شخصا عام 1870، ويعتبر رقما مناسب نسبياً لعدد السكان.

حارة السقايين

ولأنها كانت مهنة ذائعة الصيت ولها مكانها في المجتمع المصري فكان من الطبيعي أن يكون لها حارة تحمل اسم العاملين بها لتأتي "حارة السقايين"، وهي إحدى الحارات الشهيرة بمنطقة عابدين في وسط القاهرة، سميت بهذا لأنها منطقة سكنية لأكبر عدد من السقايين الذين حملوا "قرب المياه" على ظهورهم منذ أكثر من مائة عام، حتى سمي كل شيء في هذه الحارة باسم السقايين، ومنها المقهى الخاص بهم.

جفت حارة السقايين من المياه بعد ما أصبح لدى كل منزل شبكة كبيرة من الحنفيات، ولم يبق من الحارة سوى لافتة "حارة السقايين"، والقليل من الذكريات التي عرفت في حكايات الأجداد أو في قصة "سالم وفكيهة" في فيلم "حارة السقايين".

السقا مات

بعد إنشاء شركة المياه 1865 التي قامت بضخ المياه في أنابيب توزع المياه بالقاهرة وإقامة "حنفية " عامة، أخذت مهنة السقا في الاحتضار قليلاً، ولكنها لم تختف فالكثير من الأماكن العشوائية لم تصل إليه المياه بعد وبقيت الحنفيات والأسبلة تسقي الناس وظل الحارس على السبييل يطلق عليه المزملاتي.



اضف تعليق