معبد "بن عزرا" في مصر.. الابن المنبوذ بين إخوة مجمع الأديان


٠٣ يونيو ٢٠٢٠

أماني ربيع

يبدو مجمع الأديان بمنطقة مصر القديمة أشبه بنقطة لقاء بطلها المعمار، ربما - بل مؤكد - هذا اللقاء غائب عن واقعنا الفعلي، فهذه الحجارة أسمح منا نفسًا وأكثر انفتاحًا وقبولًا للآخرين المغايرين في الفكر أو العقيدة.

وبمجرد دخولك أرض المكان الذي يجمع بين الأديان السماوية في مزيج فريد، تجد في نفسك راحة  تخلصك من رياح العنصرية البغيضة التي كست نسيج مجتمعنا الذي اتسم دومًا في الماضي بالقدرة على احتضان التعدد دون أن يفقد خصوصيته، فتجد بين أحضان مجمع الأديان روحانية تذيب كل الخلافات، وقبل أن تدخل اخلع عن قلبك كل رفض وتعصب تجاه من يخالفونك، واعبره جسرًا يربطك بالوطن.

تخيل اللحظة حين تمتزج مناجاة المؤذن مع رنين أجراس الكنيسة، وأنغام بوق الشوفار اليهودي في كورال جماعي، يبتهل إلى الله بثلاثة طقوس مختلفة لكن في النهاية الغاية واحدة هي مناجاة السماء.

يستحوذ كل من الكنيسة المعلقة ودير مارجرجس بعمارتهما الشاهقة، مع جامع عمرو بن العاص بتاريخه كأول مسجد في مصر على المشهد، حتى ليبدو المعبد اليهودي أشبه بطيف ضبابي يتوارى على استحياء.

ومعبد "بن عزرا" اليهودي في مجمع الأديان كان أكبر منبر لليهود في مصر إلى أن تم تهميشه، وإهماله، ربما أكثر ما يميزه الآن هو حلقة الأمن الكثيفة التي تحوطه وتصرف المواطنين والسواح عن زيارته.


لم يكن معبد "بن عزرا" في الأساس مخصصًا للديانة اليهودية، فكان - وفقًا لما ذكره المقريزي - في الأصل كنيسة قبطية اسمها "كنيسة الشماعين" اضطرت الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت تعاني من ضائقة مالية وقتها إلى بيعها لليهود، لدفع الضرائب التي فرضها أحمد بن طولون في ذلك الوقت على دور العبادة، وسمي بعد ذلك بـ "معبد عزرا" نسبة إلى عزرا الكاتب أحد أحبار اليهود الكبار، ويقال أيضًا إن الكنيسة تم  بيعها بـ 20 ألف دينار ليهودي من الشام اسمه برهام بن عزرا، لذلك كان المعبد يسمى أحيانًا بمعبد الشوام.

لكي تدخل المعبد عليك أن تمر بحارة جرجس، وهي حارة حجرية، تأخذك في رحلة جميلة عبر جدرانها المزينة بالكتب التي تحكي عن الحضارة المصرية في عصورها المختلفة، والصور الجذابة  بالأبيض والأسود التي تروي تاريخ مصر، ويبدو كل شيء هادئًا حتى تقابلك إجراءات الأمن المشددة أمام بوابة المعبد.

والمعبد الآن مجرد مزار سياحي، لا تتم فيه أية طقوس، يبدو لك عند دخوله أشبه بالكنيسة، لكن بدلا من الصليب ستجد نجمة داوود والشمعدان السداسي.

يوجد داخل المعبد "أطلس موسى"، والذي يقال إنه هو التابوت الذي وضعت فيه أم موسى وليدها بأمر الله ليسري في النيل حتى يصل إلى قصر فرعون، نقضت على الصندوق كتابات يزعم اليهود أنها مناجاة موسى لربه على جبال الطور.

يقابلك "البيما" وهي بلكون صغير يشبه المنبر عند المسلمين، تحتها سلالم وآخرها سور عليه نسخة من التوراة.



هيكل المعبد يوجد في الواجهة وهو مكون من ثلاثة أجزاء، أوسطهم هو الأكبر عليه شمعدانان بكل واحد ست شمعات ومكان فارغ، يمثل هذا الشمعدان أيام الأسبوع، وهو عبارة عن 3 شمعات على اليمين و3 شمعات على اليسار ونجمة داوود في الوسط، التي ترمز إلى يوم السبت وهو يوم إجازة اليهود.

ويحتوي المعبد أيضًا على غرفة للعبادة تسمى قدس الأقداس، لا تفتح إلا في عيد الفصح، معلق على بابها "المازورة" التي تشبه سعف النخيل، وتعلق على الأبواب لتحل البركة في المكان، كما  توجد "الجنيزة" وهي أشبه بالسجل المدني هذه الأيام كانت توضع فيها صور عقود  الزواج والأملاك والعقارات.

ويوجد في مؤخرة المعبد بئر عميقة، يزعم اليهود أن أم موسى خبئته فيه طفلا خوفا من بطش فرعون الذي كان يقتل أبناء بني إسرائي خوفًا من نبوءة قالت إن هلاكه على يد واحد منهم.

ويقال إن المعبد كانت به وثائق سرية، كتبها اليهود باللغة العربية لكن بحروف عبرية، وهي عادة انتشرت في القرون الوسطى، تروي هذه الوثائق كل شيء عن حياة اليهود وأحوالهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إبان فترة الحكم العربي الإسلامي لمصر، ليس هذا فحسب بل تطرقت أيضًا إلى علاقاتهم بفئات وطوائف الشعب من غير اليهود، وقد كتبت في عهد الدولة الفاطمية.

يبدو المعبد منبوذًا وسط أقرانه الكنيسة المعلقة ودير مار جرجس ومسجد عمرو بن العاص، حيث يمنع فيه التصوير منعًا باتا، رغم أن هذا ليس قائمًا بالنسبة لباقي آثار مجمع الأديان، لكنهم يتحججون بأن جدران المعبد مزخرف عليها آيات من التوراة قد يضرها فلاش التصوير!





الكلمات الدلالية معبد بن عزرا مجمع الأديان

اضف تعليق