بيوتهم من زجاج.. خصوم ترامب الدوليون يستغلون احتجاجات "جورج فلويد"


٠٤ يونيو ٢٠٢٠


كتبت – ولاء عدلان
جورج فلويد الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في الـ25 من مايو تحت ركبة شرطي "أبيض" في مينيابوليس، أشعل أمريكا غضبًا لدرجة هدد معها الرئيس دونالد ترامب بنشر الجيش لقمع المتظاهرين "المخربين"، لتخرج شعوب العالم من لندن إلى أمستردام وباريس إلى الشوارع دعمًا للمحتجين الأمريكيين ورفضًا للعنصرية، ولاقت الحادثة رفضًا واسعًا على الصعيد الدولي، لكن خصوم واشنطن استغلوا الاحتجاجات لرد الصفعات للرئيس الأمريكي المغرم بـ"التغريد".

واجه ترامب انتقادات واسعة داخليًا لأسلوب تعامله مع الاحتجاجات الغاضبة وصلت إلى حد اتهامه بتحويل البلاد إلى ساحة حرب، ووضعه في مواجهة مباشرة مع  وزير دفاعه مارك إسبر الذي رفض إقحام الجيش في الأمر، فيما تحرك الديمقراطيون في الكونجرس لتقديم مشروع قانون يدين ترامب بتهمة السماح باستخدام قنابل الغاز والرصاص المطاطي ضد المتظاهرين السلميين، أما جو بايدن مرشح الديمقراطيين للرئاسة فاتهم ترامب بتسييس الاحتجاجات واستغلالها للترويج لنفسه، ورفض بشكل قاطع استخدام الجيش ضد المتظاهرين.

على الصعيد الخارجي، كانت أبرز الانتقادات وربما أكثرها غرابة، انتقادات صدرت عن أنظمة لا تعد أكثر ديمقراطية من النظام الأمريكي بل أنها تتباهى بممارساتها الاستبدادية، ولم يكن غريبًا أن تكون الصين في مقدمة هذه الأنظمة وتنبري في توجيه الانتقادات لترامب، فمعركتها حول هونج كونج معه ما زالت مشتعلة.

احتجاجات هونج كونج الأمريكية
منذ أيام قليلة اتهم ترامب الصين بانتهاك حق هونج كونج في الحكم الذاتي وقبل أشهر، وتحديدًا في نوفمبر 2019 أعلن تضامنه مع متظاهري هونج كونج ووقع قانونًا يدعم احتجاجاتهم المؤيدة للديمقراطية، والتوتر الأمريكي الصيني لم يتوقف عند هذا الحد، فترامب  يصر على أن الصين تسببت في نشر فيروس كورونا عالميا وأنها تعمدت إخفاء معلومات عن الفيروس بالتواطؤ مع منظمة الصحة العالمية، وبالطبع شبح الحرب التجارية بين البلدين يطل برأسه من وقت لآخر ليهدد الاقتصاد العالمي بمزيد من الضغوط.

 أمام هذا وجدت بكين في احتجاجات جورج فلويد فرصة عظيمة للنيل من ترامب، فسلطت وسائل الإعلام الحكومية الضوء على فكرة النفاق الأمريكي والمعايير المزدوجة الأمريكية فيما يتعلق بحقوق "السود"، وأفردت مساحات واسعة لتغطية الاحتجاجات يوما بيوم، وكتب بعضها متهكمًا "يبدو الأمر كأن المتظاهرين المتطرفين في هونج كونج تسللوا بطريقة ما إلى الولايات المتحدة"، فيما قالت الخارجية الصينية في تعليق على لسان المتحدث باسمها: الصين تستطيع التمييز بين الصواب والخطأ، نعارض دائما التمييز العنصري، يجب عدم تطبيق أي معايير مزدوجة بشأن هذه القضية، واعتبرت بكين الاحتجاجات الأمريكية تظهر خطورة مشكلتي العنصرية وعنف الشرطة في أمريكا.

المتحدثة باسم الخارجية الصينية هوا تشونيج تضامنت مع المحتجين الأمريكيين بنشرها تغريدة تشمل آخر كلمات لفظ بها جورج فلويد "لا أستطيع التنفس"، مرفقة بصورة من انتقادت سابقة للخارجية الأمريكية لموقف الصين من الاحتجاجات فى هونج كونج.

ليجيان زهاو وهو متحدث آخر باسم الخارجية الصينية، أيضا غرد كثيرا تضامنا مع الاحتجاجات الأمريكية، وفي إحدى التغريدات أعاد نشر تعليق لنائب مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة يتهم فيه واشنطن بالازدواجية ويقول: لماذا تنكر أمريكا على الصين الحق في استعادة السلام والنظام فى هونج كونج بيما تفرق الحشود بوحشية في الداخل؟.

إيران تطالب بوقف العنف!
وكما دعت الصين لوقف العنف ضد الأمريكيين، انبرت طهران في الدعوة لنفس الأمر متناسية قمعها الوحشي للتظاهرات التي اشتعلت في نوفمبر الماضي احتجاجًا على غلاء المعيشة وتردي الأوضاع الاجتماعية، وراح ضحيتها نحو 230 مواطنًا، وتمادت إيران في إنكار حقيقة ما يجري على أرضها عندما نشرت وسائل إعلام مقربة من النظام تقريرا لمنظمة مراسلون بلا حدود يدين اعتداءات الشرطة الأمريكية على الصحفيين أثناء تغطيتهم للاحتجاجات، متجاهلة حقيقة أن النظام الذي تسعى لتلميع صورته لا يعترف بتقارير هذه المنظمة وغيرها من المنظمات الحقوقية والمدنية، وأنه يمارس أبشع الوسائل لتكميم الأفواه ويطارد الصحفيين المعارضين له في كل مكان إلى حد اغتيالهم.

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف غرد عبر حسابه على "تويتر" مستخدما هاشتاج   "BlackLivesMatter" – وهي العبارة التي رفعها المتظاهرون الأمريكيون للتعبير عن دعمهم لحقوق "السود"- وقال: لا يعتقد البعض أن حياة السود مهمة.. ولمن يعتقد أنها مهمة لقد تأخر كثيرا، حان الوقت لعالم ضد العنصرية.

 وفي تغريدة أخرى كتب: مدن الولايات المتحدة صارت مسرحا للوحشية ضد المتظاهرين والصحفيين، تزامنا مع تعرضهم لتهديد بالقمع العسكري، مضيفا أوروبا التي تسارع إلى لعب دور القاضي ولجنة التحكيم عندما يتعلق الأمر بمجتمعات غير غربية، ها هي تلتزم بصمت يصم الآذان.

وأضاف إذا ما أرادت أوروبا أن تلتزم الصمت الآن، فينبغي عليها أن تصمت دائما، في إشارة إلى انتقادات الدول الأوروبية المتواصلة لانتهاكات حقوق الإنسان في إيران.

من جانبه قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي في مؤتمر صحفي متوجها إلى الشعب الأمريكي: لقد سمع العالم صوت مظلوميتكم ويقف إلى جانبكم، وأضاف مخاطبًا المسؤولين الأمريكيين والشرطة: أوقفوا العنف ضد شعبكم ودعوهم يتنفسون!.

المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي قال الأربعاء الماضي في خطاب:  شعار "لا أستطيع التنفس" الذي أطلقه الناس ويمكن سماعه في الاحتجاجات الأمريكية الحاشدة، يجسد الكلمات النابعة من قلب جميع الدول التي اقترفت الولايات المتحدة العديد من الفظائع ضدها.

يتبادر للأذهان هنا سؤال يجب أن يرد عليه خامنئي.. ألا يحق للشعب الإيراني أيضا أن يتنفس؟، وألا يحق لعرب الأحواز أن يسمع صوتهم هم أيضا؟، وماذا عن الفظائع التي ترتكبها ميليشيات إيران في العراق وسوريا ولبنان؟.

روسيا "تشمت" وتركيا تدخل على الخط
روسيا هي الأخرى استغلت الاحتجاجات لتلميع صورتها والقول ضمنيًا "ها هي أمريكا تفعل ما فعلناه بالأمس مع المتظاهرين الغاضبين من ممارسات النظام".

المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا قالت الإثنين الماضي: اعتبارا من 25 مايو ويونيو 2020، الولايات المتحدة فقدت أي حق في توجيه ملاحظات لأي أحد في الكرة الأرضية بشأن قضايا حقوق الإنسان.

وقالت الخارجية الروسية في بيان: نعتبر أنه من غير المقبول لمسؤولي إنفاذ القانون الأمريكيين استخدام أدوات خاصة مثل الأعيرة المطاطية والغاز المسيل للدموع ضد ممثلي وسائل الإعلام..  يشار هنا إلى أن موسكو اعتقلت منتصف العام الماضي أكثر من 400 شخص واستخدمت القوة أثناء فض تظاهرات أشتعلت ردا على تلفيق اتهامات للصحفي إيفان جولونوف بالإتجار في المخدرات.

السفير الروسي لدى واشنطن أناتولي أنطونوف قال الأربعاء الماضي في تصريحات صحفية: موسكو لا تشمت بموجة الاحتجاجات التي عمت الولايات المتحدة بعد وفاة جورج فلويد، بالطبع ما يحدث اليوم في أمريكا دليل جديد على انتهاك حقوق الإنسان وازدواجية المعايير، الوضع في هذه الدولة يقلقنا كثيرا..  نريد لها التعافي ونريد أن تتم إعادة النظام وحقوق المواطنين الدستورية في أقرب وقت ممكن.

تركيا أيضا وجدت في الاحتجاجات الأمريكية فرصة لرد الصفعات لترامب الذي كثيرا ما انتقدها بشكل لاذع نتيجة تدخلها العسكري في سوريا، لدرجة وصلت إلى حد استهدافها بعقوبات اقتصادية أواخر العام الماضي.

بالأمس قال وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو: إن مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد على يد شرطي أبيض، أمر غير مقبول.. أمريكا تمارس التمييز العنصري.

فيما قال فخر الدين ألتون رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية في تغريدة الإثنين الماضي معلقا على اعتداءات الشرطة الأمريكية على الصحفيين خلال الاحتجاجات: حرية الصحافة هي أساس الديمقراطية.

من جانبه قال الناطق باسم حزب العدالة والتنمية "الحاكم" عمر جليك أمس: نتابع عن كثب العنصرية التي تستهدف ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة، وكذلك في دول الاتحاد الأوروبي، والعالم بأسره أعرب عن تضامنه مع فلويد الذي فقد حياته نتيجة عنف الشرطة الأمريكية، مضيفًا أن تركيا تعارض ظاهرتي العنصرية والعنف، مشددا أنه لا أحد مضطر للجوء إليهما.

كما انتقد جليك تعرض طاقم إحدى القنوات التركية لاعتداءات على يد الشرطة الأمريكية أثناء تغظية الاحتجاجات.. يشار هنا إلى تركيا مصنفة بين الدول الأكثر قمعا للصحافة واعتقالات للصحفيين، وبالعام الماضي سجنت نحو 47 صحفيًا.

سواء الصين أو روسيا أو تركيا أو إيران، وحتى ترامب نفسه، حاولوا جميعهم تسييس الاحتجاجات وتوظيفها لتلميع صورتهم وتبرئة ساحتهم ظاهريا من الكثير من الانتهاكات لحقوق شعوبهم التي يحق لها أن تتنفس دون خشية لهراوات الشرطة أو الجيش.





اضف تعليق