لقاء الجبابرة.. الإنفلونزا تلتقي كورونا و"التعايش" هو الحل


٠٤ يونيو ٢٠٢٠

هدى إسماعيل

في الوقت التي تقوم فيه بعض دول العالم بتخفيف الإغلاق وفتح حدودها من أجل الاقتصاد، يخشى الأطباء من استمرار الوباء في التوسع، خصوصاً إذا تزامنت الموجة الثانية من الوباء مع موسم الإنفلونزا التقليدي "الخريف والشتاء القادمان" وتظن بعض دول العالم أن الموجة الثانية من الوباء ربما تحدث مع تخفيف القيود.

في نهاية أبريل الماضي حذّرت منظمة الصحة العالمية من تراجع الإقبال على اللقاحات التقليدية، لأسباب تتعلق بانشغال الحكومات بمواجهة تبعات الجائحة، وعزوف الناس خشية العدوى عن الحصول على اللقاحات، وهو ما من شأنه إعادة إنتاج تجربة دولة الكونغو، حينما ركزت كل طاقتها على مواجهة "إيبولا"، فعادت الحصبة بقوة.

شراسة السلالات

أعربت هيئة الصحة العامة البريطانية "NHS" عن قلقها الشديد حيال موسم الشتاء المقبل، فهناك مخاوف مزدوجة من انتشار الإنفلونزا وفيروس كورونا المستجد خلال الأشهر القادمة، مما قد يؤدي إلى إرباك الخدمات الصحية مع الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالإنفلونزا وفيروس كورونا المستجد وانتقال العدوى على نطاق واسع.

وطالب المسؤول الطبي في بريطانيا "كريس ويتي"، الأطباء "بالبدء في التطعيم ضد الإنفلونزا حتى لا يعرقل ذلك من نظام الرعاية الصحية والاجتماعية هذا الشتاء".

ما يزيد من هذا القلق هو أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالإنفلونزا هم أيضًا الأكثر تعرضًا لـ فيروس كورونا المستجد، لذا يجب أن يبذل قصارى جهدنا للمساعدة في حمايتهم هذا الشتاء.

فقد تعد الإنفلونزا الموسمية من الأمراض القاتلة الرئيسية حيث تقدر هيئة الصحة العامة متوسط 17000 شخص يموتون سنويًا بين 2014-15 و 2018-19، وتختلف اعتمادًا على شدة سلالات الإنفلونزا.

أسوأ الفترات





أظهرت بيانات حكومية أمريكية أن موسم الإنفلونزا هذا العام (2019 - 2020)، كان من أسوأ الفترات المسجلة، وانتهى الموسم رسمياً الأسبوع الأول من شهر مايو ، حيث ذكرت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في تقريرها الأسبوعي الأخير عن الإنفلونزا أن ما لا يقل عن 24 ألف حالة وفاة مرتبطة بالإنفلونزا حدثت خلال موسم 2019 - 2020.

 يقول الدكتور "ويليام شافنر"، أستاذ الطب الوقائي والأمراض المعدية في كلية الطب بجامعة "فاندربيلت":"الإنفلونزا عدو قديم... لقد اعتدنا على ذلك نوعاً ما، لكن الفيروس الجديد غامض وغير معروف، لم نرد أن يأتي إلينا، لكنه جاء مع معدل وفيات بين كبار السن ربما يكون أعلى من الإنفلونزا".

ومع انشغال العالم بالفيروس الجديد، يخشى "شافنر" أن يؤثر ذلك على إقبال الناس على أخذ اللقاح الموسمي للإنفلونزا، بما يمكن أن يؤدي إلى إثقال كاهل الأنظمة الصحية التي ستجد نفسها أمام مهمة مزدوجة، وهي مواجهة الفيروس الجديد والقديم.

يقول الدكتور "توماس فريدن"، الرئيس السابق لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية الأمريكي :" إنه عند قدوم موسم الإنفلونزا، هناك احتمال أننا سنتعامل مع فيروسين في الجهاز التنفسي في نفس الوقت، وهذا قد يشكل تحدياً كبيراً لأنظمة الرعاية الصحية".

ويضيف الدكتور "مايكل أوسترهولم"، مدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في جامعة مينيسوتا في مقابلة: "اللعبة النهائية التي سيلعبها هذا الفيروس هو محاولته إصابة أكبر عدد ممكن منا، ومع خصائص الانتقال التي رأيناها، هذا الفيروس سيتطلب مناعة من 60-70% على الأقل من السكان عن طريق إما الإصابة أو التطعيم، لتقليل انتقاله بشكل كبير".

الأقل هذا العام

في مارس الماضي ذكرت صحيفة فرنسية إن فيروس الأنفلونزا الموسمية هذا العام لم يعد له مخاوف أو فعالية كما كان في السنوات الأخيرة، وذلك قد يكون بسبب رفع كفاءة المصل، وربما بسبب أيضا ظهور فيروس كورونا مؤخرا، وتوجهت إليه أنظار الرأي العام العالمى.

وقالت الصحيفة الفرنسية، منذ نوفمبر 2019 ، توفي 72 شخصًا بسبب فيروس الأنفلونزا بعد إدخالهم العناية المركزة ، وفقًا للأرقام المسجلة حتى 4 مارس من قبل منظمة الصحة العامة الفرنسية، مقابل 197 في الفترة نفسها من العام السابق، وتساءلت الصحيفة كيف نفسر هذا الاختلاف؟ هل بسبب تطوير تطعيم الأنفلونزا الموسمي؟ أم لتعزيز التدابير؟ أو لظهور الوباء المتزامن لفيروس كورونا؟.

وأشارت الصحيفة: هذا العام ، أراد المزيد من الفرنسيين حماية أنفسهم من الأنفلونزا، حيث كثرت مبيعات التطعيم هذا الشتاء، مع 600000 جرعة اكثر من العام الماضي، بالإضافة إلى أنه لأول مرة ، كان للصيادلة الحق في تلقيح المرضى، ما يسهل الوصول إلى هذا النمط من الوقاية.

لذلك كان هناك عدد أكبر من الأشخاص الذين تم تطعيمهم، ولكن أيضًا لقاح أكثر فعالية من العام الماضي، ويوضح البروفيسور برونو لينا، الباحث وعالم الفيروسات ومدير المركز المرجعي الوطني للإنفلونزا في جنوب فرنسا، "هذا العام ، ليست الأنفلونزا هي نفسها التي انتشرت العام الماضي، ففي المركز الدولي للبحوث في الأمراض المعدية في العام الماضي ، كانت سلالات H1N1 و H3N2 هم الأكثر انتشارا، أما هذا العام ، فالأمر اختلف تماما".

وبالمقارنة ، "اتسم وباء الأنفلونزا في عامي 2018-2019 بخطورة كبيرة ، على الرغم من مدته القصيرة وتسبب في وفاة الكثير من المرضى ، مع ما يقرب من 8100 وفاة بسبب الإنفلونزا"، وفقاً للصحة العامة في فرنسا.

بالإضافة إلى ذلك، "هناك" وباء صغير "هذا العام أيضًا لأنه ظهر خلال العطلات المدرسية، مما أدى إلى تباطؤ انتشار الفيروس، كما يلاحظ الدكتور جان لويس بن سوسن، طبيب عام وعضو في الاتحاد MG فرنسا، وهذا ما يفسر سبب وجود عدد أقل من الحالات في المجموع، والسبب في إصابة عدد أقل من كبار السن - الأكثر عرضة للإصابة بالإنفلونزا - بالفيروس".

وعن فيروس كورونا، فهل أدى وصول كوفيد 19 إلى فرنسا إلى تأخر ظهور وانتشار وباء الإنفلونزا الموسمية؟، وأجاب عالم الفيروسات البروفيسير برونو لينا، "لقد بدأ بالفعل في الانخفاض عندما وصل فيروس كورونا إلى فرنسا، لكن تأتي ذروة وباء الإنفلونزا في وقت يتوافق مع تعزيز التدابير المتخذة لمحاربة الفيروس الجديد.

مسارات مختلفة




وضع الدكتور "بنيامين سينغر"، أستاذ مساعد في الرعاية الرئوية والحرجة والكيمياء الحيوية وعلم الوراثة الجزيئي في كلية الطب بجامعة نورث وسترن الأمريكية، استراتيجية للمواجهة تتكون من ثلاثة مسارات ينبغي التحرك فيها. وأوضح في مقال نشره الثلاثاء الماضي: "أن المسار الأول هو التطعيم ضد الإنفلونزا، وقال: "بينما ننتظر تجارب لقاح (كوفيد – 19)، يجب أن نخطط لزيادة معدلات التطعيم ضد الإنفلونزا، خصوصاً بين كبار السن الذين هم أكثر عرضة للإصابة بكل من الإنفلونزا والفيروس الجديد".

أما المسار الثاني، فذلك الذي يتعلق بـ"انتقال العدوى"، وقال إن "سياسات التباعد الاجتماعي المصممة للحد من انتشار (كورونا المستجد) فعالة أيضاً ضد الإنفلونزا، فإذا بدأت حالات (كوفيد - 19) بالارتفاع في خريف عام 2020، فإن إعادة تشديد إجراءات التباعد الاجتماعي يمكن أن تساعد في التخفيف من الانتشار المبكر للإنفلونزا لتسوية المنحنيات لكلا الفيروسين".

وأشار إلى أن المسار الثالث يتعلق بـ"العدوى المشتركة"، وشدد على أن هناك حاجة إلى توافر واسع النطاق للتشخيص السريع لـ(كوفيد - 19) ومسببات الأمراض التنفسية الأخرى، لأن العدوى المشتركة مع مرض تنفسي آخر، بما في ذلك الإنفلونزا، حدثت في أكثر من 20% من المرضى المصابين بالفيروس الجديد.


اضف تعليق