مخططات خبيثة.. صراع إسرائيلي - تركي على غاز المتوسط


٠٩ يونيو ٢٠٢٠

كتب - د.محمد عبدالدايم

من المعروف أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على المنافذ البحرية في تجارتها واقتصادها، ناهيك عن اقتصاد إمداد الغاز لدول أوربا، خصوصًا إيطاليا التي وقعت معها إسرائيل اتفاقية عام 2017، ومن شأن التوسع التركي في فرض السيطرة على مياه المتوسط أن يسبب تضييقًا على خطوط التجارة الإسرائيلية وإمدادات الغاز الطبيعي.

في يناير الماضي قدمت شعبة المخابرات بالجيش الإسرائيلي تقييمًا للأوضاع الإقليمية المحيطة، واعتبرت في التقييم أن إردوغان يمارس سياسات استفزازية عنيفة، ليس على مستوى التحديات العسكرية فحسب، بل أيضًا في مجال الطاقة، لكنها لم ترق بعد لمستوى الصراع المباشر، فليس من المتوقع أن تخرج المنافسة الإسرائيلية التركية عن السيطرة، فإسرائيل ما تزال ترى تركيا منافسًا ثانويًا، ليست على مستوى التهديد الذي تمثله قوى إقليمية أخرى كإيران ولا تستهدف تل أبيب عداء تامًا مع تركيا في الوقت الحالي.

ومع ذلك تعتبر إسرائيل أن إنتاجها من الطاقة بمثابة جزء حيوي من أمنها الاقتصادي، وقبل تفشي كورونا كان من المتوقع أن يستمر صعود إسرائيل كقوة إقليمية في مجال إنتاج الطاقة وإمدادها.

ولذلك تشعر إسرائيل بقلق على منافعها البحرية، ومصادر الغاز بالمتوسط، خصوصًا مع انخفاض أسعار الطاقة جراء وباء كورونا، وتراجع عائدات الغاز، رغم أنها كانت تتوقع مزيدًا من الأرباح من حقول الغاز المعروفة في المتوسط.

حقول إسرائيل في البحر المتوسط

وفقا لتقرير أصدرته شعبة المحاسبة والاقتصاد بإدارة الموارد الطبيعية في وزارة الطاقة؛ ففي عام 2019 وصلت عائدات إسرائيل من الغاز الطبيعي والنفط إلى نحو 864 مليون شيقل، وأغلب نسبة هذه العائدات جاءت من حقل الغاز المعروف باسم "تمار" والذي يقع في البحر المتوسط، ويبعد مسافة 80 كم عن حيفا، وهو أكبر حقل غاز طبيعي  إسرائيلي، وتم اكتشافه عام 2009، وبدأ الإنتاج عام 2013، وكان من المتوقع أن تصل عائداته في عام 2020 إلى نصف مليار دولار.

يأتي حقل غاز "لفيتان" (حوت) في المرتبة الثانية من حيث تحقيق عائدات الربح، وهو الحقل الذي تم اكتشافه عام 2010، وبدأ الإنتاج عام 2016، وهو الحقل القريب من قبرص، وفي المرتبة الثالثة حقل "يم تطيس" (بحر تيثس) وهو الأقرب للساحل، ويضاف إلى هذه الحقول حقلي "نوح" و"دالت".


تحركات إسرائيلية

أفادت وسائل إعلام بأن وفدًا إسرائيليًا وصل إلى تركيا منتصف الشهر الماضي لإجراء مباحثات مع مسئولين بالحكومة التركية تتعلق بوضع خطوط عريضة لمشاريع نقل الغاز الطبيعي من حقول المتوسط إلى أوربا.

كما أُعلن في إسرائيل الشهر الماضي أن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس قد تواصل مع نظيره المصري طارق المُلا، من أجل المضي قدمًا في خطوات العمل المتفق عليها في منتدى الغاز الإقليمي المعروف بـ"منتدى غاز شرق المتوسط"، ويضم في عضويته كلا من مصر وفلسطين والأردن واليونان وقبرص وإسرائيل وإيطاليا، وهو المنتدى الذي بادرت لتدشينه مصر، وتم الاتفاق على أن تكون القاهرة مقرًا له.

تحركات تركيا

في نوفمبر 2019 وقعت تركيا اتفاقية مع حكومة "الوفاق" برئاسة فايز السراج، وفي بندودها ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، بهدف التنقيب وحفر آبار غاز بالمتوسط، ونقلها عبر طرابلس، ما دفع اليونان وقبرص لإعلان رفضهما، بدعوى أن تركيا تسعى للاستيلاء على الغاز في مياههما الدولية، كما هاجمت إسرائيل الاتفاقية في حينه لأن تركيا تستهدف عدم الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وقطع الطريق أمام نقله لأوروبا، وكذلك بسط سيطرتها العسكرية على مياه المتوسط تحت غطاء الدفاع عن حكومة "الوفاق".

نصت الاتفاقية بين تركيا وحكومة "الوفاق" على تحديد مناطق النفوذ البحرية، بالإضافة إلى التعاون العسكري والأمني، الذي اتضح بعد ذلك أنه يتمثل في تسهيل مرور المرتزقة من سوريا إلى ليبيا كي ينخرطوا في القتال لصالح حكومة السراج في مواجهة قوات حفتر، وكذلك تقديم الأسلحة والإمداد العسكري لحكومة السراج.

جاءت الاتفاقية حول النفوذ البحري بين تركيا وحكومة السراج لتقطع على إسرائيل خطوات استمرار تنفيذ مشروع "إيست ميد" الذي يبدأ من المياه الإقليمية لقبرص نحو اليونان وإيطاليا ودول جنوب شرق أوربا، وتمر الأنابيب عبر جزيرة كريت، وهناك تحديدًا تتقاطع اتفاقية أردوغان- السراج مع اتفاقية إيست ميد، خصوصًا وأن أردوغان قد تجاهل وجود جزيرة كريت، بل وأعلن أنه سيبحث عن النفط والغاز شرقي الجزيرة.


استعراض القوى

إسرائيل تدرك تمامًا أن أردوغان يتحرك قدمًا لفرض سيطرته على البحر المتوسط، طمعًا في مصادر الطاقة، ورغبة في تحقيق أحلام توسعية، لتصبح القوة المسيطرة على نقل الطاقة من الشرق إلى الغرب، ناهيك عن مواجهة الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل مع كل مصر واليونان وقبرص، كذلك يدفع أردوغان لأن تكون تركيا القوة الأكبر في مجال توريد الطاقة لدول أوربا، لذلك سعى لتطوير سلاح البحرية التركية، حتى وصلت قوته إلى أكثر من 70 سفينة حربية، و12 غواصة.

عمليًا؛ دشنت تركيا حاجزًا بحريًا بين إسرائيل وأوربا، وخلقت وضعًا تسيطر من خلاله على مسارات السفن التي تُبحر عبر هذا المسار التي تضع يدها عليه، ومن ثم تتحكم في إبحار السفن وتحركاتها، مثلما فعلت مع السفينة البحث الإسرائيلية "بت جاليم" (ابنة الأمواج) في ديسمبر الماضي، رغم أنها تحركت بالتنسيق مع السلطات القبرصية.

يبدو أن الوصول إلى مرحلة اتفاقية ثنائية بين إسرائيل وتركيا فيما يخص حقول الغاز أمر مستبعد في الوقت الحالي، لأن إسرائيل سبق في عام 2019 أن وقعت على اتفاق مع قبرص واليونان في هذا الشأن، يقضي بتدشين خط "إيست ميد"، لإمداد أوربا بالغاز الطبيعي دون مشاورات مع تركيا.

رغم استبعاد المواجهة المباشرة؛ فإنه ليس مستبعدًا أن يقوم أي من الطرفين باستعراض قواته البحرية، مثلما حدث في حالة السفينة "بت جاليم"، حيث هبت تركيا لنشر سفن بحرية، وسيّرت طائرات حربية فوق قبرص التركية.


اضف تعليق