قطر المراهقة .. مرحلة "الجري وراء عربة الرش" التركية


١٥ يونيو ٢٠٢٠

رؤية - بنده يوسف

ليس عنوان هذا المقال مزحة، ولا هو سخرية سياسية؛ إنما هو توصيف وتفسير للمرحلة العمرية التي تمر بها السياسة القطرية؛ فالصبي في مرحلة المراهقة ربما يصاحب الأشرار والأوباش؛ ليشعر بالاطمئنان والقوة وسط أقرانه. أو ربما ينساق وراء المغامرات، وتدفعه مراهقته وعواطفه وانفعالاته إلى الجري وراء عربة الرش، التي ترش الشوارع بالدخان للتخلص من الناموس والحشرات، ليبدو كذلك انه يمارس سلوكه شائنًا أمام أعين من حوله؛ ولكنه أمام نفسه، هو يشعر بالافتخار؛ لأنه يجرب المغامرة ونشوتها وإن كانت غير مقبولة.

وهناك يأتي دور أهله الأكبر منه سنًا والأكثر نضجًا؛ ليؤدبوه ويعلموه قواعد السلوك؛ وإلا فإن تركوه لنفسه استمر في غيه وضياعه. وذات يوم لن يكون رجلًا شريفًا؛ بل واحدًا من الأوباش والأشرار.

الكلام هنا ينطبق على حالة الدولة القطرية التي تعيش مرحلتها المراهقة؛ فالخوف والضعف الذي يسيطر على هذه الدولة بحكم حجمها وموقعها؛ دفعها في البداية إلى استقطاب الإسلاميين بكافة أطيافهم، وأقصد هنا الإسلاميين الذين تحزبوا في شكل جماعات لها أهدافها، سواء كانوا دعويين أو جهاديين أو سياسيين. والهدف من ذلك كان واضحًا؛ حيث يمثل الإسلاميون نقطة ضعف الدول العربية والإسلامية. وهو ما يمثل نقطة جيدة في يد قطر للضغط على أشقائها تارة، أو لتحقيق مساحة نفوذ ناعمة داخل بلدانهم تارة أخرى. إلى جانب أن مسألة الإسلاميين كانت تستخدمها الإدارات الأمريكية والأوروبية للضغط على هذه الحكومات والأنظمة؛ تارة باتهام الإسلاميين بالإرهاب، وتارة أخرى بإتهام هذه الحكومات باضطهادهم. وهو ما جعل من قطر "العراب" في يد هذه الإدارات الغربية إذا أرادت جمع المعلومات أو تحريك الإسلاميين.

وفي مرحلة متقدمة، لا سيما في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي؛ تعانقت تركيا مع قطر في استهداف الدول العربية من أجل تحقيق مصالح مشتركة. وإذا تفحصنا التقارير التي ترصد السياسة الخارجية والدعم والنفوذ الناعم لكلا البلدين؛ سنجد أن قطر دائمًا موجودة في ذيل تركيا؛ كالصبي الذي يجري وراء عربة الرش. فإذا ذهبنا إلى سوريا أو اليمن أو ليبيا أو فلسطين أو الصومال أو السودان أو المغرب أو تونس أو الجزائر،،،، نجد أن قطر ذراع مهم وداعم للنفوذ التركي هناك.

لقد استطاعت قطر بسحر وقوة آلة المال والإعلام أن تجمع بين اليمين واليسار في خدمة أهدافها. وهو ما استفادت منه تركيا بشكل فعال ضد الدول العربية؛ حيث استطاعت أن تستفيد من هذه الكيمياء في أن تتحول إلى قبلة لكافة الأطياف اليمينية واليسارية من العالم العربي، وذلك ببركة المال القطري.

استغلال الصبي المراهق

إن تركيا تستنزف قطر بشكل ربما يقضي على قوتها. وقطر الصبي المراهق المتشرد إما سينضج يومًا وهذا مشكوك فيه؛ لأنه لا يملك مقومات النضج والاعتماد على النفس. أو ربما يعود إلى رشده، وهذا مشكوك فيه أيضًا؛ لأنه يحتاج إلى من يخلص يده من عربة الرش التركية.

إن استجلاب القواعد العسكرية التركية إلى داخل الأراضي القطرية الخليجية؛ لم يكن إلا اختباءً في عباءة الخليفة العثماني على أمل أن يكون هذا الوضع بديلاً للوضع السياسي المأزوم لقطر، الذي تعيشه منذ سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر؛ فقد تدمرت خطط كلا البلدين تركيا وقطر، واجتمعا على ضرورة حماية حلفائهم بما يحافظ على مصالحهما المشتركة في المنطقة.

إن قطر دولة غنية بالمال والغاز، وتركيا الجائعة تبحث عن الغاز والطاقة ومواصلاتها في كل مكان؛ ولذلك كان لابد من استغلال الصبي المراهق ومشاركته ألعابه؛ لأن معه من المال وقوته ما يساعد تركيا على تحقيق طموحاتها في التحول إلى أكبر بوابة للطاقة نحو أوروبا.

فبمراجعة تحولات السياسة الخارجية لتركيا وتدخلاتها في المنطقة خلال السنوات السابقة، نجد جزء كبير من هذه السياسة يتعلق بالطاقة ومواصلاتها؛ حيث تطمح تركيا إلى أن تتحول إلى أكبر شريان للطاقة نحو أوروبا؛ الطاقة القادمة من شرق المتوسط ومن شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومن آسيا الوسطى ومن روسيا وإيران. والصبي القطري المراهق مهمته هنا هو التمويل واستنفار الجهاديين وتمويلهم لاسقاط الأنظمة وإعادة رسم الخرائط بما يخدم خطط وطموحات الخليفة العثماني.

لقد تحولت قطر إلى فناء خلفي لتركيا في منطقة الخليج العربي؛ تستنزفها اقتصاديًا وتستغل أموالها في تمويل مشروعاتها ومخططاتها في المنطقة. فالإعلام الأصفر الذي تديره دائرة متنوعة من الإخوان المسلمين والليبراليين، والموجه ضد العالم العربي؛ تموله قطر وتهندسه مخابرات تركيا.

ولقد تمادى هذا الاستغلال للصبي القطري الأهوج؛ إلى درجة ضخ أمواله بكثافة للاستثمار داخل تركيا لإنعاش الاقتصاد التركي. وتشير بعض التقارير إلى بلوغها نحو 20 مليار دولار. بينما ما زالت قطر تعتمد على توفير سلعها من المورد التركي؛ لدرجة أن البنك المركزي التركي تلقى عشرة مليارات دولار من اتفاق مبادلة عملة أبرمه مع قطر، لزيادة مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار من خمسة مليارات دولار، لتسهيل "التجارة الثنائية" بالليرة التركية والريال القطري.

لقد باتت قطر شُبهة وأصبحت علاقاتها مع الحكومة التركية محط مراقبة وقلق من الإعلام والسياسيين في تركيا؛ لدرجة أن الصحفي "مراد مراد أوغلو" كتب في صحيفة "سوزجو"، يتساءل ما هي أهداف قطر من هذا السخاء الذي تقدمه لتركيا؛ هل هي السيطرة على مشاريع قناة اسطنبول كلها؟ أم الاستحواذ على صندوق الثروة التركية؟ أم الاستحواذ على القطاع المصرفي، ومنه بنك "فاكيف بنك" الحكومي؟ أم شركة بوتاش للغاز؟ أم شركة الخطوط الجوية التركية؟ كلها تساؤلات مشروعة لتفسير سلوك الصبي القطري المراهق الذي يمد يده بسخاء إلى تركيا.


اضف تعليق