بوتين لا يمل السلطة.. والجوائز حيلته لـ"شرعنة" الاستفتاء الدستوري


٢٤ يونيو ٢٠٢٠

كتبت – ولاء عدلان

في روسيا يبدو أن أزمة الفيروس التاجي ليست الأهم على الإطلاق في الوقت الراهن، إذ يركز القادة على المعضلة الأكبر وهي إضفاء الشرعية على استفتاء التعديلات الدستورية الذي سينطلق غدا الخميس، تمهيدا للتمديد لرئاسة فلاديمير بوتين حتى العام 2036.

لدى مراكز صناعة القرار في روسيا الآن قلق عميق من عدم مشاركة عدد كافِ من الجمهور في الاستفتاء وسط  تفاقم أزمة كورونا، في وقت وصل فيه إجمالي الإصابات المؤكدة إلى 599705، بينها 8359 حالة وفاة، وفق البيانات الرسمية المعلنة أمس، الاستفتاء من المقرر أن يستمر حتى مطلع يوليو، وإن كان يعد رمزيا إلى حد كبير، إلا أن القيادة الروسية ترغب في بعض الشرعية "الصورية" بمشاركة 55% من الشعب على الأقل في عملية الاستفتاء.

حيلة جديدة

ماكينة الدعاية الروسية تم تسخيرها خلال الفترة الأخيرة لحث الجمهور على المشاركة في الاستفتاء بشتى الطرق، فانتشرت ملصقات عدة وإعلانات تلفزيونية تدعو للاستفتاء وتؤكد على أن المشاركة فيه تعد واجبا وطنيا، وبين هذه الدعايات ستجد إعلانات تدعو للمشاركة من أجل مستقبل روسيا، وأخرى ترفع شعارات من نوع "حافظوا على ثرواتنا" أو "روسيا الكبرى "، أو تستعين بشخصيات عامة كالشعراء والفنانين للتأكيد على المشاركة والحث عليها.

لم تتوقف ماكينة الدعاية الخاصة بساكن الكرملين عند هذا الحد، ورغم خطورة التجمعات في زمن كورونا، إلا أنها رصدت جوائز سيحصل عليها المشاركين في التصويت، هذه الجوائز بحسب "واشنطن بوست" تشمل سيارات وشقق وهواتف ذكية ومبالغ مالية ضخمة، تم تصويرها في الإعلانات كما لو كانت "كعكة" الاستفتاء.

في سيبيريا، تم الإعلان عن سحب على 10 شقق، سيشارك فيه من يذهبون غدا وحتى الأول من يوليو للتصويت على التعديلات الدستورية، كما تم الإعلان عن عدد كبير من الجوائر العينية الأخرى.

أما في موسكو فالجائزة أكبر، حيث تم الإعلان عن مشاركة من يصوتون على التعديلات في سحب على جائزة مالية تصل قيمتها إلى مليون روبل.

وبحسب صحف المعارضة الروسية، تم توجيه موظفي القطاعات الحكومية في سانت بطرسبرغ بالتسجيل إلكترونيا على موقع الاستفتاء، فيما تقدم عدد من نواب المعارضة بشكاوى رسمية بهذا الخصوص، والأمر نفسه  تكرر في موسكو وعدة أقاليم روسية، وحتى داخل الشركات الكبرى سواء الحكومية أو الموالية للحكومة، صدرت أوامر للموظفين بالتوصيت لصالح التعديلات الدستورية وإثبات ذلك، وإلا ستكون العواقب غير محمودة.

طموحات بوتين أولا

سيتمكن المواطنون الروس من المشاركة أيضا إلكترونيا في الاستفتاء، لكن هنا برزت مخاوف المعارضة من احتمالات تلاعب السلطات سواء في عدد المشاركين أو المصوتين بـ"نعم".

على الرغم من أن التصويت الإلكتروني كان يفترض أن يكون الوسيلة الوحيدة للمشاركة في هذا الاستفتاء، في ظل تسجيل روسيا لأعداد قياسية من الإصابات بكورونا يوميا، إلا أن نظام بوتين يزعم الانتصار في معركة كورونا ويضع سلامة المواطنين جانبا، من أجل استعراض قوته وشرعنة التعديلات الدستورية بأي ثمن.

تقول أناستازيا فاسيليفا رئيسة نقابة الأطباء المستقلة -المتحالفة مع المعارضة- في بعض المناطق الوضع الوبائي كارثي للغاية، لكن الأمر الأكثر رعبا أن السلطات تطالب جميع الناس بالنزول والمشاركة في التصويت على التعديلات الدستورية.

وتضيف: هناك الآلاف من اللوحات الإعلانية في جميع أنحاء البلاد والإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون، جميعها تدعو الناس إلى الحضور إلى مراكز الاقتراع، وتحاول إقناعهم بأن ذلك لا يشكل خطورة على سلامتهم، عكس الواقع تماما.

كان من المفترض التصويت على التعديلات الدستورية في أبريل الماضي، إلا أن جائحة كورونا أجبرت بوتين على تأجيل الموعد إلى الـ25 من يونيو، لكنه أصر أيضا على الاحتفال بعيد النصر وتنظيم عرض عسكري بمناسبة ذكرى الانتصار على ألمانيا النازية اليوم بعد أن جرى تأجيله في مايو الماضي.

الاحتفال اليوم بالذكرى الـ75 للانتصار على ألمانيا النازية كان مناسبة جيدة -ومقصودة- لبوتين ليذكر بتاريخ روسيا العسكري والتلويح ضمنيا بأنه رجل قوي يحافظ على تاريخ الأجداد وعلى مكانة روسيا القوية، لذا أصر على تنظيم العرض العسكري بمشارك نحو 14 ألف جندي كما لو كان لا وجود لخطر كورونا، كما حاول بوتين من خلال خطابه بث روح الوطنية والقومية في نفوس الشعب الروسي قائلا سنتذكر دائما الشعب السوفيتي، بملايين الناس من قوميات مختلفة من جميع جمهوريات الاتحاد السوفيتي، هو من دحر النازية.

المعارضة من جانبها اتهمت بوتين بتقديم طموحاته السياسية على حياة وسلامة الشعب، سواء من خلال الإصرار على تنظيم هذا الاحتفال أو حث الجمهور على النزول إلى لجان الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

بوتين يتفوق على ستالين

الكاتب الصحفي ديمتري جلوخوفسكي قال في مقال نشرته صحيفة مستقلة: سوف يدخل يوليو 2020 تاريخ الدولة الروسية كبداية لنهايتها، ففي الأول من يوليو سنتخلى عن لعبة الديمقراطية الحديثة، وستتوقف الانتخابات بلادنا عن التأثير في مجريات الأمور، ستصبح مجرد طقوس طاعة للسلطة العليا، مضيفا أن الدستور الجديد ضار لروسيا ، ولكن هذا لا يهم، فالمهم هو تمريره بأي حال من الأحوال من أجل شخص واحد.

مناورة بوتين 67 عاما للبقاء للسلطة بدت واضحة مع مطلع العام الجاري حينما بدأت تتسارع الخطى لإقرار أو بالأحرى تفصيل تعديلات دستورية في مجلس الدوما تتيح لبويتن البقاء في السلطة لأكثر من فترتين متتاليتين بعد انتهاء صلاحية لعبة تبادل الكراسي مع رجله الأول ديمتري ميدفيديف، وبالفعل في العاشر من مارس الماضي أقر البرلمان الروسي هذه التعديلات التي بدأت بإقرار زيادات للمخصصات الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم وانتهت بتعديل يسمح لبوتين بالترشح لولايتين قادمتين في 2024، و2030.

الخدعة التي تحدث في روسيا اليوم أن التعديلات الدستورية المقترحة عددها يتجاوز الـ 200 تعديل، تم صيغتها عن عمد بحيث تشمل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية وقيم الدولة الروسية للتغطية على الغرض الحقيقي منها وهو تمكين بوتين من الترشح والبقاء في السلطة عبر تصفير فترات رئاسته السابقة، فالأمر يتعلق بدستور جديد سيتم تمريره وبالتالي بوتين بعد انتهاء ولايته في 2024 سيكون من حقه الترشح لفترة جديدة وكأنه يترشح للمرة الأولى.

وفي حال نجح بوتين -الذي يحكم روسيا منذ 20 عاما- في مسعاه سيتغلب على الزعماء التاريخيين للبلاد وتحديدا ستالين الذي حكم روسيا لنحو 29 عاما.
 


اضف تعليق