ألمانيا.. إعادة ترتيب الأولويات خلال رئاسة الاتحاد الأوروبي


٢٦ يونيو ٢٠٢٠

كتب-ـ جاسم محمد

تسعى ألمانيا خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي في الأول من شهر يوليو 2020 التركيز أيضًا على محاور سياسة التنمية في صدارة الأجندة الأوروبية أفريقيا "قارة المستقبل" والصين.

فألمانيا لها الكثير لتقوله داخل الاتحاد الأوروبي، وتريد وضع محاور في سياسة التنمية، والمستشارة أنجيلا ميركل تعطي التوجيهات، ففي بيان حكومي منتصف يونيو2020 أوضحت أمام البرلمان الموضوعات التي تريد إعطاءها الأولوية خلال الشهور الستة المقبلة للرئاسة الأوروبية: وهي حماية المناخ والرقمنة والمسؤولية العالمية.

أفريقيا نصب أعين ألمانيا

دعا وزير التنمية الألماني غيرد مولر المفوضية الأوروبية، برئاسة فون دير لاين، إلى جعل أفريقيا مركز سياستها في حماية المناخ، وقال مولر -في تصريحات لصحف مجموعة "فونكه" الألمانية الإعلامية في وقت سابق- "أنتظر من المفوضية الأوروبية الجديدة في إطار الاتفاق الأخضر برنامجًا استثماريًّا وابتكاريًّا طموحًا لتوسيع الطاقة المتجددة في أفريقيا"، مضيفًا أنه كخطوة أولى يمكن تأسيس منصات بحثية مشتركة خلال العام الجديد، خاصة في شمال أفريقيا.

وأكد مولر، أن "حماية المناخ لها أهمية حاسمة في أفريقيا والدول النامية"، مطالبًا بتعديل ميزانية الاتحاد الأوروبي لتسمح بتقديم مزيد من الدعم لمثل هذه الاستثمارات المستقبلية، "بدلًا من مواصلة الاستثمار في الإعانات المكتسبة داخل أوروبا".

اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية ميركل -خلال شهر يونيو الجاري 2020- خطة نهوض بقيمة 500 مليار يورو (542.3 مليار دولار) بهدف مساعدة الاتحاد الأوروبي في تجاوز الأزمة التاريخية الناجمة عن وباء كورونا، عبر آلية غير مسبوقة لتشارك الدين الأوروبي، وتقترح باريس وكذلك برلين أن تموّل المفوضية الأوروبية هذا الدعم للنهوض الاقتصادي عبر الاقتراض من الأسواق "باسم الاتحاد الأوروبي"، في آلية غير مسبوقة في بنية الاتحاد.

وإزاء ذلك، أعرب وزير الخارجية الألماني هايكو ماس عن تفاؤله بأن تكون خطة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإعادة إعمار أوروبا في ظل جائحة كورونا، الأساس للتوصل لاتفاق داخل الاتحاد الأوروبي، وقال ماس -في تصريحات لصحيفة "فيلت" الألمانية تم نشرها في موقعها الإلكتروني يوم 21 مايو 2020- "إنني على قناعة تامة بأننا بحاجة لرد أوروبي مشترك على أزمة كورونا". وأضاف: "عرضنا مقترحنا بالطبع بهدف إتاحة حدوث تأييد واسع النطاق من خلاله"، وأكد أن الجميع يمكنهم الاستفادة في النهاية، وقال: "لهذا السبب أنا متفائل للغاية أيضًا بأننا سنصل لاتفاق". التوقعات تقول: إن العواصم الأوروبية: باريس وبرلين ثم لندن، يمكن أن تلعب دورًا أوروبيًّا كبيرًا في الوقت الحاضر.

تتمتع ألمانيا باقتصاد قوي، وتلعب دورًا سياسيًّا قويًّا ودورها القيادي في أوروبا اقتصاديًّا وسياسيًّا أصبح واضًحا. الانتقادات الموجهة إلى ألمانيا بأنها ما زالت تلعب دورًا سياسيًّا وعسكريًّا لا يرتقي إلى وزنها الاقتصادي والسياسي دوليًّا.

تثير القارة الأفريقية خصوصًا منطقة الساحل الأفريقي اهتمام فرنسا على كل المستويات الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية. فأصبح الساحل أحد أهم المجالات الجيوسياسية التي دخلت الحسابات الفرنسية، ورغم المشاركة الألمانية في قوة الساحل، لكنها تبقى مشاركة محدودة، وخصوصًا أن عملية التفويض الأممية الخاصة بالاستعانة بالجيش الألماني، فإن المشاركة لا تشمل المشاركة في العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب، وإنما تقتصر على النواحي اللوجستية فقط، فيما كانت قد رفضت ألمانيا التواجد في عملية “برخان” التي تقودها فرنسا في منطقة الساحل منذ تدشينها في عام 2014.

كانت المستشارة الألمانية قد وعدت بوركينافاسو، وباقي أعضاء مجموعة دول الساحل الأفريقي الخمس، بتقديم دعم واسع من أجل تحقيق المزيد من الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وبحسب موقع “دويتشه فيلله”، قالت ميركل -في 2 مايو 2019، في حديث للصحفيين بعد لقائها مع الرئيس البوركيني، روش مارك كابوري- “تحدثنا عن تدهور الوضع الأمني ونريد أن نكون إلى جانب بوركينا فاسو خصوصًا في مجال التعاون الأمني”، متحدثة عن دعم بوركينا في تعزيز قدرات الشرطة وتقديم مساعدة من 7 إلى 10 ملايين يورو، من أجل المساعدة على استتباب الأمن في الدولة.

النتائج

- إن استلام ألمانيا، مسؤولية مجلس الاتحاد الأوروبي مطلع شهر يوليو 2020، بالتزامن مع استلامها رئاسة مجلس الأمن في الأمم المتحدة، يعطي الكثير من التوقعات والتكهنات، حول الدور الذي يمكن أن تلعبه ألمانيا في الوقت الحاضر، وما يزيد في حجم التوقعات هو التقارب الفرنسي الألماني، هذا المحور الفرنسي الألماني سوف يشهد صعودًا سريعًا خلال الأسابيع القادمة، يهدف إلى النهوض بالاتحاد الأوروبي في ظل جائحة كورونا.

- الاتحاد الأوروبي سيتحول إلى "رقعة شطرنج "ألمانية ، بالتزامن مع رئاسة وزيرة الدفاع الألمانية السابقة فون دير لاين، إلى المفوضية الأوروبية، الأخيرة، كانت وما تزال قريبة جدا من المستشارة الألمانية ميركل، وعملت في حكومتها، وهذا ما يدفع كثير بالقاطرة الألمانية، في رسم موقف أوروبي قوي على الصعيد الأوروبي وإقليميًّا ودوليًّا. لكن السؤال الأهم: هل ألمانيا بالفعل تجيد لعب دور أكبر إقليميًّا ودوليًّا؟ وهذا ما تحدده ربما الأيام الأولى من استلام ألمانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن، ربما من الصعب الجزم أو التكهن به في الوقت الحاضر.

- القضايا الإقليمية أبرزها الشأن الليبي، سوف يكون هو الآخر موضع اهتمام ميركل، فالموقف الألماني، وكذلك الأوروبي، ما زال يتمحور حول الخيار السياسي ورفض أي تدخل عسكري، لكن خلال ترؤس ميركل للاتحاد الأوروبي ستكون كلمتها أكثر قوة وأكثر تأثيرًا.

- ألمانيا، والمستشارة ميركل شخصيًّا كانت وما تزال "تعاني" من مشاكسات أردوغان إلى حد أنها أصبحت تمثل وجع رأس وصداع مزمن للحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي.

- بات متوقعًا أن يشهد الاتحاد الأوروبي حراكًا قويًّا في الفترة الحالية، أي خلال رئاسة ألمانيا للاتحاد، بمشاركة كل من باريس ولندن، هذه العواصم الثلاث، سيكون لها دور مؤثر في أوروبا وفي مجلس الأمن، وهذا يعني أن نشاطا أوروبيًّا، يمكن أن يظهر لوضع حدٍّ للتدخل العسكري التركي في ليبيا، وإن كان ذلك مؤقتًا.

الأهم، أن ميركل تضع أفريقيا، نُصب عينها، وسبق أن وعدت الحكومات في غرب أفريقيا، إلى تقديم الدعم، خاصة في مجال التنمية، والاقتصاد، وهذا أيضًا يدفع للتقارب مع سياسة باريس في الساحل الأفريقي، الذي يتركز في محاربة التطرف والإرهاب. وبدون شك فإن كلًّا من باريس وبرلين لديه رؤية مشتركة، بأن تفاقم الوضع في ليبيا، يدفع بمخاطره إلى تهديد أمن أفريقيا والدول المجاورة، وكذلك يلقي بتداعياته على أمن أوروبا.



اضف تعليق