الميزانية الإسرائيلية وسيناريو الانتخابات المبكرة


٢٧ يونيو ٢٠٢٠

كتب - د. محمد عبدالدايم

في الوقت الذي تعاني فيه إسرائيل اقتصاديًا بسبب تداعيات وباء الكورونا؛ لم يتفق طرفا الحكومة الجديدة على الميزانية الجديدة ابتداء من 2020، بينما تبرز المخاوف مجددًا من "موجة ثانية للكورونا"، وترتفع نسبة البطالة لأكثر من 20%، ومازلال المستوى الاقتصادي متدنيًا منذ مارس الماضي، في الوقت الذي يسابق فيه نتنياهو الزمن لإعلان ضم مناطق الضفة، وما يترتب على ذلك من تداعيات عسكرية واقتصادية.

حتى الآن؛ لم يحرز الثنائي نتنياهو وجانتس تقدمًا على صعيد المناقشات المشتركة بينهما فيما يتعلق بمسألتين محوريتين: ضم مناطق الضفة الغربية، وتمرير ميزانية إسرائيل، حيث اجتمع الاثنان، رئيس الوزراء وبديله، يوم الجمعة الماضية لمناقشة النقاط الخلافية بينهما فيما يتعلق بالضم والميزانية.

فيما يتعلق بالضم، فهي مسألة وقت، والخلاف بين نتنياهو وجانتس لا يتعلق باتخاذ الخطوة من عدمه، بل يتعلق بآليات الضم وبنوده، فنتنياهو يصر على الضم بشكل أحادي وكامل، فيما يرفض جانتس حتى الآن اتخاذ الخطوة بشكل أحادي يعرض "أمن" إسرائيل للخطر.

بالنسبة للميزانية؛ يبدو أن الخلاف عليها أكبر من الخلاف على مسألة الضم، حتى أن بعض وسائل الإعلام، بل وحتى بعض الوزراء بالحكومة الجديدة يتحدثون عن سيناريو انتخابات جديدة، على خلفية عدم الاتفاق على اعتماد الميزانية الجديدة.

مشاورات مكثفة

في إطار المباحثات الحكومية من أجل اعتماد الميزانية أجرى نتنياهو مشاورات مع كل من بيني جانتس، وزير الدفاع ورئيس الحكومة المناوب، ويسرائيل كاتس وزير المالية، وعمير بيرتس وزير الاقتصاد، إلى جانب مشاورات اقتصادية مع كل من مسئولي وزارة المالية مع رئيس المجلس الاقتصادي القومي آفي سمحون، والمديرة العامة لوزارة المالية قيرن ترند، والمحاسب العام روني حزقياهو ورئيس هيئة الميزانيات شاؤول مريدور، بعد تلقيه معلومات حول الأداء الاقتصادي، ومدى تأثر إسرائيل بتفشي وباء الكورونا.

ميزانية سريعة أو الالتزام بالاتفاق

يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية "سريعة" خلال شهر يوليو القادم من أجل تلبية الاحتياجات الاقتصادية الملحة الناتجة عن أزمة كورونا، ثم العمل على تمرير ميزانية أخرى في وقت لاحق، أي أن نتنياهو يدفع لاعتماد الميزانية الجديدة مُجزأة.

في المقابل يرفض بيني جانتس تقسيم الميزانية التي تعتمدها الحكومة، لما يحمله الأمر من تداعيات اقتصادية، والأهم من هذا لما يحمله هذا التوجه من نتنياهو للتملص من اتفاقه الائتلافي مع جانتس، فتمرير ميزانية لعام واحد فقط يمكن أن يؤدي إلى عدم وصول جانتس إلى منصب ريس الحكومة مثلما جاء في الاتفاق الثنائي مع نتنياهو، بأن يبقى الأخير لمدة عام ونصف على أن يخلفه جانتس لعام ونصف آخرين، لكن الآن يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية خلال فترته كرئيس للحكومة، مما يثير التكهنات بأنه يمكن أن يُخل باتفاقه مع جانتس ويعلن حل الحكومة بعدها، وعندئذ يتبخر حلم جانتس في رئاسة الحكومة الحالية.

من بين بنود الاتفاق الائتلافي بين هاليكود وكاحول لافان أن تلتزم حكومتهما باعتماد ميزانية للعامين 2020- 2021 في خلال 90 يومًا، أي في موعد أقصاه 15 أغسطس القادم، ورغم هذا يتحرك الآن حزب هاليكود لتمرير ميزانية لعام 2020 منفردة، أي لمدة 4 أشهر فقط، وهو الأمر الذي يدفع الطرفين لمحادثات جديدة من أجل اعتماد ميزانية 2021.

غياب الثقة السياسية

يرى المراقبون لأداء الحكومة الإسرائيلية الجديدة أن أي نقاش بين طرفيها، نتنياهو وجانتس، هاليكود وكاحول لافان، يرفع من فرص حل الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، لأن نتنياهو من الأساس، وحتى اللحظة، لا يرى في بني جانتس رجل سياسة متمرس يمكن الاعتماد عليه، أو يستطيع أن يقود الدولة، فيما يظل جانتس حتى الآن غير واثق في تحركات نتنياهو، باعتباره يعمل فقط من أجل التملص من المحاكمة وإدانته بالفساد، ومن أجل الحصول على مجد شخصي.

الأمر إذّا يرجع لغياب الثقة السياسية لكل طرف في الآخر، فنتنياهو وحزبه يدفعان لتمرير ميزانية سريعة لمدة أربعة أشهر، تحت مبرر موافاة المتطلبات الاقتصادية العاجلة التي نجمت عن أزمة كورونا، فيما يصر كاحول لافان على الالتزام بالاتفاق الائتلافي الذي وقعه الطرفان، بتمرير ميزانية 2020- 21.

تحول المشاورات الحكومية حول الميزانية من أمر اقتصادي بحت إلى أمر خصومة سياسية دفع بيني جانتس لكتابة منشور على صفحته على حساب فيسبوك يقول فيه إن المباحثات حول الميزانية "أمر مهني متخصص يؤثر على كل فرد بإسرائيل، ولا يجب أن يتحول إلى أداة سياسية أو مسألة شخصية".

الخوف من زيادة المطالب

تخوف إضافي لكاحول لافان يتمثل في أن يستمر النقاش حول الميزانية لوقت أكبر، مع مطالبة كل وزارة بنصيب لها، وهو الأمر الذي يمكن أن يثير نقاشات متشعبة، مع الزيادة المفرطة في عدد وزارات الحكومة الجديدة، التي تتكون من 35 وزارة، وهو العدد الأكبر في تاريخ إسرائيلن وفي حالة اعتماد ميزانية مُجزأة لعام 2020 فقط، سوف يتجدد النقاش وتزداد مطالب الوزارات مرة أخرى في العام المقبل مع مشاورات اعتماد ميزانية 2021.

مسئولو المالية في صف هاليكود

في المقابل يصر نتنياهو حاليًا على تمرير ميزانية للعام 2020 أولا، مع اعتماده على موافقة مبدئية من المحاسب العام لوزارة المالية روني حزقياهو ورئيس هيئة الميزانيات شاؤول مريدور، حيث اتفق الثنائي على خطر المجازفة بالانتظار أكثر حتى الموافقة على ميزانية للعامين 2020- 21، فإسرائيل تعاني اقتصاديًا، ولا يمكن أن تنتظر أكثر من هذا لمعالجة آثار الوباء.

الغريب في الأمر أن شاؤول مريدور رئيس هيئة الميزانيات كان في البداية موافق على وضع ميزانية لعامين، وعكف على تنفيذ بنودها بالفعل، لكنه أصبح الآن موافقًا على مشروع الميزانية المُجزأة الذي يدفع به نتنياهو وهاليكود، مع وجود يسرائيل كاتس كوزير للمالية، والذي يمكن أن يوجه مسئولي الوزارة للموافقة على مشروع حزبه هاليكود.

مبرر مسئولي وزارة المالية ومن ورائهم هاليكود لتمرير ميزانية سريعة؛ أن الأمر يستلزم شهرًا من الوزارة لعداد الميزانية وتقديمها للحكومة، التي يلزمها هي الأخرى شهرًا للموافقة على الميزانية، ثم تُحال إلى الكنيست للتصويت عليها بالقراءة الأولى، وهنا ستُحال إلى لجان مختصة لمناقشة بنودها لمدة تصل إلى ستة أسابيع، قبل أن تعرض مجددًا على الكنيست بكامل هيئته للتصويت النهائي بالقراءتين الثانية والثالثة.

جدير بالتذكير أن حكومة نتنياهو السابقة قد اعتمدت ميزانية العامين 2015- 2016 معًا في أوائل نوفمبر من العام 2015، أي قبل نهاية عام الميزانية الأولى بشهر واحد، لكن حاليًا، تحت وطأة كورونا، يدفع نتنياهو لتمرير ميزانية 2020 سريعًا.

في المقابل يضغط كاحول لافان للالتزام باتفاق الائتلاف، بأن يتم اعتماد الميزانية للعامين معا خلال 90 يومًا، ورغم أن هذه الفترة الزمنية تبدو غير واقعية للاتفاق مع هاليكود على كامل بنود الميزانية؛ فإنهم على الأقل يرغبون في تمرير الصورة الأولى للميزانية خلال الفترة المتفق عليها.

من المهم أيضا الإشارة إلى أن وجود قانون أساس بالكنيست ينص على حل الحكومة إذا لم تعتمد قانون الميزانية خلال 100 يوم من تنصيبها، لكن هذا القانون نفسه أضافت إليه الحكومة بندًا يسمح لنتنياهو بالبقاء رئيسًا حتى الانتخابات القادمة، إذا لم يتم تمرير ميزانية 2022 في موعد أقصاه 1 يوليو 2022.

بالنسبة للمسئولين المهنيين في وزارة المالية؛ تبدو مسألة اعتماد ميزانية عامين معا "وصفة غير مُحببة"، بل وجالبة للمتاعب، لأنه لا يمكن التوقع بشكل كامل لإنفاق الدولة وإيراداتها، خصوصًا في ظل الظروف العالمية المتقلبة.

مواجهات بالتصريحات

من جانبه؛ هاجم وزير الاستخبارات إيلي كوهين رفض كاحول لافان لمشروع ميزانية 2020 الذي قدمه هاليكود، وقال الوزير، الذي حمل سابقًا حقيبة الاقتصاد والصناعة، أنه يجب "الاتفاق على قانون ميزانية العام الواحد في ظل عدم اليقين الاقتصادي الهائل الناتج عن تداعيات أزمة كورونا"، وأضاف في تصريحات لجريدة معاريف بأن "جميع المسئولين المختصين يؤيدون مشروع هاليكود لميزانية العام الواحد، لكنهم في كاحول لافان يرفضون الأمر لاعتبارات سياسية وخوفًا من سيناريو انتخابات جديدة مبكرة، وهي أمر غير مؤكد على الإطلاق".

في المقابل؛ صرح عمير بيرتس، وزير الاقتصاد الحالي، ورئيس حزب هاعفودا، إنه "يجب الالتزام بما تم الاتفاق عليه بوضع ميزانية العامين معا، ولا يمكن التنازل عن كل شيء لنتنياهو"، وأضاف بيرتس أن "ميزانية العامين تُولد اليقين الاقتصادي، ويمكن في حدودها الآمنة وضع آليات للتعديل عليها مقدمًا في بداية العام 2021"، وهذا ما جاء في البند 30 من اتفاق الائتلاف بين هاليكود وكاحول لافان.

أما محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، فيبدو أنه لا يرغب في الدخول مباشرة في ساحة الصراع السياسي، لكنه صرح أنه يفضل "مرونة الميزانية لتجنب الحاجة لالتزامات طويلة الأجل".

الكورونا تحدد الميزانية

الآن، في ظل الحديث عن "موجة ثانية من الكورونا في إسرائيل" يبدو أن مشروع الميزانية السريعة لعام 2020 هو الأقرب للتمرير، بما يخدم توجه هاليكود، خصوصًا وأن الوباء دفع الحكومة لصرف مليارات الشواقل فوق الحدود المسموح بها في ظل حالة الطوارئ المفروضة، وفي ظل غياب قانون الميزانية المعتمدة.

يُضاف إلى هذا الإلحاح المتواصل من الجيش الإسرائيلي على زيادة الميزانية، من أجل تنفيذ بنود الخطة الجديدة متعددة السنوات "تنوفا"، وكذلك تحسبًا لزيادة الاستعدادات الامنية والعسكرية لمواجهة ردود الأفعال على خطة الضم.



اضف تعليق